خميرة

الهوية والعنف: ماذا حدث، وما أسباب حدوثه، وإلى أين نحن ماضون؟

عبدالرزاق‭ ‬دحنون

1

هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬أكون،‭ ‬دون‭ ‬أيِّ‭ ‬تناقض،‭  ‬ليبرالياً،‭ ‬ونباتياً،‭ ‬وصائماً،‭ ‬وباحثاً،‭ ‬ومؤخراً،‭ ‬وعالماً‭ ‬في‭ ‬الآثار،‭ ‬ومُحباً‭ ‬للروايات،‭ ‬ومن‭ ‬مريدي‭ ‬فيلسوف‭ ‬المعرة،‭ ‬ومناضلاً‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬جياع‭ ‬الأرض،‭ ‬وأحترم‭ ‬أهل‭ ‬الديانات‭ ‬الأخرى،‭ ‬ومؤيداً‭ ‬لقول‭ ‬فولتير‭ (‬قد‭ ‬أختلف‭ ‬معك‭ ‬في‭ ‬الرأي،‭ ‬ولكني‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬لأدافع‭ ‬حتى‭ ‬الموت‭ ‬عن‭ ‬حقك‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬رأيك‭)‬،‭ ‬وطبيعياً‭ ‬في‭ ‬علاقتي‭ ‬مع‭ ‬الجنس‭ ‬الآخر،‭ ‬ومؤمناً‭ ‬ومدافعاً‭ ‬ومناصراً‭ ‬لحق‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية،‭  ‬ومُحباً‭ ‬للروائي‭ ‬الفرنسي‭ ‬انطوان‭ ‬دي‭ ‬سانت‭ ‬إكسوبري،‭ ‬وأن‭ ‬أكون‭ ‬من‭ ‬أولئك‭ ‬الناس‭ ‬الشاسعين‭ ‬الذين‭ ‬يمدون‭ ‬ظلالهم‭ ‬على‭ ‬آفاق‭ ‬شاسعة،‭ ‬وأن‭ ‬أكون‭ ‬إنساناً‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الدقة،‭ ‬وأكون‭ ‬مسؤولاً،‭ ‬وأن‭ ‬أعرف‭ ‬الخجل‭ ‬أمام‭ ‬بؤسٍ‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬يتعلق‭ ‬بي،‭ ‬وأن‭ ‬أزهو‭ ‬بنصرٍ‭ ‬كلّل‭ ‬هامات‭ ‬الرفاق،‭ ‬وأن‭ ‬أُحسّ‭ ‬وأنا‭ ‬أضع‭ ‬حجري‭  ‬أني‭ ‬أًعمّر‭ ‬العالم‭. ‬

أستعير،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المحاججة،‭ ‬أسلوب‭ ‬الكاتب‭ ‬الهندي‭ ‬أمارتيا‭ ‬صن،‭ ‬الحائز‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬عام‭ ‬1998‭ ‬لمساهمته‭ ‬في‭ ‬اقتصاديات‭ ‬الرفاهية،‭ ‬وعمله‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬نظرية‭ ‬التنمية‭ ‬البشرية‭ ‬ووسائل‭ ‬محاربة‭ ‬الفقر‭ ‬والحرية‭ ‬السياسية‭.‬

2

‭ ‬يؤكد‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬الهوية‭ ‬والعنف‭ ‬وهم‭ ‬المصير‭ ‬الحتمي‭)‬،‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬النشاطات‭ ‬الجمعية‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬أحدنا‭ ‬تكوّن‭ ‬شخصيته‭  ‬وترسم‭ ‬هويته،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭  ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُعتبر‭ ‬الهوية‭ ‬الوحيدة‭ ‬لشخصيته‭. ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نقنع‭ ‬أنفسنا‭ ‬أولاً،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الآخر‭ ‬الذي‭ ‬نتقاسم‭ ‬معه‭ ‬أسباب‭ ‬العيش،‭ ‬أن‭ ‬لنا‭ ‬انتماءاتٍ‭ ‬كثيرة‭ ‬منفصلة،‭ ‬و‭ ‬هذه‭ ‬الانتماءات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتفاعل‭ ‬بعضها‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬بطرقٍ‭ ‬كثيرة‭ ‬مختلفة‭. ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬‮«‬الأثر‮»‬‭ ‬أن‭ ‬رجلاً‭ ‬سلَّم‭ ‬على‭ ‬أبي‭ ‬العيناء،‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬الهجري،‭ ‬وكان‭ ‬أعمى،‭ ‬فسأله‭: ‬من‭ ‬الرجل؟‭ ‬قال‭: ‬من‭ ‬بني‭ ‬آدم‭. ‬فقال‭ ‬أبو‭ ‬العيناء‭: ‬مرحباً‭ ‬بك،‭ ‬والله‭ ‬ما‭ ‬كنتُ‭ ‬أظن‭ ‬هذا‭ ‬النسل‭ ‬إلا‭ ‬قد‭ ‬انقطع‭. ‬هل‭ ‬يُعّدُّ‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬أبينا‭ ‬آدم‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬الحديث‭ ‬طريق‭ ‬نجاةٍ‭ ‬مأمون؟‭  ‬الناس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُصنَّفوا‭ ‬وفقاً‭ ‬لانتماءاتٍ‭ ‬متعددة‭ . ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬إنسانيتنا‭ ‬المشتركة‭ ‬تتعرض‭ ‬لتحدياتٍ‭ ‬وحشية‭ ‬عندما‭ ‬توحًّد‭ ‬التقسيمات‭ ‬المتنوعة‭ ‬في‭ ‬مجتمعنا‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬تصنيفٍ‭ ‬واحدٍ‭ ‬مهيمنٍ‭ ‬مزعوم،‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الدين‭ ‬مثلاً،‭ ‬أو‭ ‬الطائفة،‭ ‬أو‭ ‬الثقافة،‭ ‬أو‭ ‬الأمة،‭ ‬أو‭ ‬الحضارة‭. ‬ففي‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية‭ ‬العادية‭ ‬نرى‭ ‬أنفسنا‭ ‬كأعضاءٍ‭ ‬لمجموعاتٍ‭ ‬متنوعة‭ ‬ننتمي‭ ‬إليها‭ ‬جميعاً‭. ‬وحقيقة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المرء‭ ‬علمانياً‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬كونه‭ ‬مؤمناً‭ ‬يُصلي‭ ‬في‭ ‬الكنيسة‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬أحد،‭ ‬وذلك‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬كونه‭ ‬ينشط‭ ‬في‭ ‬حزبٍ‭ ‬شيوعي‭ ‬ولا‭ ‬يمنعه‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صديقاً‭ ‬لعدد‭ ‬كبيرٍ‭ ‬من‭ ‬المسلمين،‭ ‬يدخل‭ ‬بيوتهم‭ ‬ويأكل‭ ‬من‭ ‬خبزهم‭. ‬أيُّ‭ ‬شخص‭ ‬هو‭ ‬عضوٌ‭ ‬في‭ ‬جماعاتٍ‭ ‬مختلفةٍ‭ ‬متعددة‭ ‬–‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬تناقضاً‭ ‬بأي‭ ‬شكلٍ‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭- ‬وكلٌّ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الهويات‭ ‬الجمعية‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬جميعاً‭ ‬هذا‭ ‬الفرد‭ ‬تعطيه‭ ‬هويةً‭ ‬اجتماعيةً‭  ‬تجعله‭ ‬شخصاً‭ ‬مهماً‭ ‬بالفعل‭.    ‬

3

إن‭ ‬العالم‭ ‬المقسم‭ ‬حسب‭ ‬الهوية‭ ‬أكثر‭ ‬إثارةً‭ ‬للشقاق‭ ‬والنزاع‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬التصنيفات‭ ‬الجمعّية‭ ‬والمتنوعة‭ ‬التي‭ ‬تشكّل‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭. ‬إن‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يسود‭ ‬الانسجام‭ ‬عالمنا‭ ‬المعاصر‭ ‬يكمن‭ ‬إلى‭ ‬حدٍ‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬فهمٍ‭ ‬أوضح‭ ‬لتعددية‭ ‬الهوية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وفي‭ ‬تقدير‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬البشر‭ ‬يستطيعون‭ ‬أن‭ ‬يصلوا‭ ‬إلى‭ ‬بعضهم،‭ ‬وأن‭ ‬يعملوا‭ ‬ضد‭ ‬فصلٍ‭ ‬حادٍ‭ ‬بينهم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬خطٍ‭ ‬واحدٍ‭ ‬متصلّبٍ‭ ‬من‭ ‬التقسيم‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬عبوره‭. ‬لنأخذ‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬أهل‭ ‬الصين،‭ ‬تجدهم‭ ‬يعتنقون‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الأديان‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الصين،‭ ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬التاوية‭ ‬المحليّة،‭ ‬هناك‭ ‬البوذية‭ ‬والإسلام‭ ‬والمسيحية‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬خارجها‭. ‬مع‭ ‬أن‭ ‬الكونفوشيوسية‭ ‬احتلت‭ ‬مكانةً‭ ‬حاكمةً‭ ‬وسُميت‭ ‬بالدين‭ ‬الكونفوشيوسي،‭ ‬فإنها‭ ‬ليست‭ ‬ديناً‭ ‬حقيقياً‭. ‬الصين‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬موقفها‭ ‬تجاه‭  ‬الأديان،‭ ‬ففي‭ ‬الغرب‭ ‬المسيحي‭ ‬والعالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬كان‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬تقسيمُ‭ ‬المذاهب‭ ‬الدينية‭ ‬صارماً،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للشخص‭ ‬الواحد‭ ‬أن‭ ‬يؤمن‭ ‬بدينين‭ ‬معاً،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يشترك‭ ‬في‭ ‬طائفتين‭ ‬لدينٍ‭ ‬واحد‭. ‬في‭ ‬الصين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتعايش‭ ‬الأديان‭ ‬ويستفيد‭ ‬بعضها‭ ‬من‭ ‬بعض‭. ‬فقد‭ ‬شهدت‭  ‬البوذية‭ ‬والتاوية‭ ‬تطوراً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬وسميتا‭ ‬مع‭ ‬الكونفوشيوسية‭ ‬‮«‬الأديان‭ ‬الثلاثة‭ ‬الكبرى‮»‬‭. ‬وأخذ‭ ‬كلٌّ‭ ‬منها‭ ‬بعض‭ ‬أفكار‭ ‬الدينين‭ ‬الآخرين،‭ ‬فأصبح‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الأديان‭ ‬الثلاثة‭ ‬اتجاهاً‭ ‬تاريخياً‭ ‬ضرورياً،‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬ومن‭ ‬ناحيةٍ‭ ‬أخرى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتعايش‭ ‬هذه‭ ‬الأديان‭ ‬في‭ ‬قلبِ‭ ‬الشخص‭ ‬الواحد،‭ ‬فيمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المرء‭ ‬بوذياً‭ ‬وتاوياً‭ ‬معاً‭ ‬ويكون‭ ‬تابعاً‭ ‬للكونفوشيوسية‭ ‬أيضاً‭. ‬ونادراً‭ ‬ما‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬مكانٍ‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭  ‬المتسامحة‭ ‬في‭ ‬استيعاب‭ ‬الأديان‭.‬

4

يسأل‭ ‬المفكر‭ ‬الهندي‭ ‬أمارتيا‭ ‬صن‭: ‬هل‭ ‬يؤدي‭ ‬التحليل‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الدين‭ ‬لشعوب‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬طريقةٍ‭ ‬مفيدةٍ‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الإنسانية؟‭ ‬يؤكد‭: ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬أحتجَّ‭ ‬هنا‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يفعل،‭ ‬فربما‭ ‬تكون‭ ‬تلك‭ ‬طريقة‭ ‬تصنيفٍ‭ ‬تتسم‭ ‬بترابطٍ‭ ‬منطقيٍّ‭ ‬أكبر‭ ‬عن‭ ‬التصنيف‭ ‬الحضاري،‭ ‬لكنها‭ ‬ترتكب‭ ‬الخطأ‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬رؤية‭ ‬البشر‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬انتماءٍ‭ ‬واحد،‭ ‬أي‭ ‬الانتماء‭ ‬الديني‭. ‬ومثل‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مفيداً‭ ‬إلى‭ ‬حدٍ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬سياقاتٍ‭ ‬كثيرة،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬اختيار‭ ‬أيام‭ ‬الإجازات‭ ‬الدينية،‭ ‬أو‭ ‬تأمين‭ ‬سلامة‭ ‬أماكن‭ ‬العبادة‭. ‬لكن‭ ‬اتخاذ‭ ‬ذلك‭ ‬أساساً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للتحليل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭ ‬والثقافي‭ ‬بشكلٍ‭ ‬عام‭ ‬سوف‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تجاهل‭ ‬كل‭ ‬الصلات‭ ‬والولاءات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬فرد،‭ ‬والتي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬أهميتها‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭ ‬الفرد‭ ‬وهويته‭ ‬وفهمه‭ ‬لنفسه‭. ‬إن‭ ‬الحاجة‭ ‬الماسة‭ ‬إلى‭ ‬ملاحظة‭ ‬الهويات‭ ‬الجمعية‭ ‬للناس‭ ‬وطريقة‭ ‬اختيارهم‭ ‬لأولوياتهم‭ ‬تبقى‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬إزاحة‭ ‬التصنيفات‭ ‬الحضارية‭ ‬لإحلال‭ ‬تصنيفٍ‭ ‬دينيٍّ‭ ‬مباشرٍ‭ ‬محلها‭. ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬أيضاً‭ ‬تبايناتٌ‭ ‬واسعةٌ‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للأشخاص‭ ‬المختلفين‭ ‬الذين‭ ‬ينتمون‭ ‬للديانة‭ ‬نفسها،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حقولٍ‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬اعتقد‭ ‬الناس‭ ‬أنها‭ ‬ترتبط‭ ‬بالدين‭ ‬ارتباطاً‭ ‬كبيراً‭. ‬كانت‭ ‬المواقف‭ ‬المتغيرة‭ ‬من‭ ‬التسامح‭ ‬الديني‭  ‬ذات‭ ‬أهميةٍ‭  ‬اجتماعيةٍ‭  ‬غالباً‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العالم،‭ ‬وكثيرٌ‭ ‬من‭ ‬التنويعات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نجدها‭ ‬بهذا‭ ‬الشأن‭ ‬بين‭ ‬أشخاصٍ‭ ‬مختلفين‭ ‬كلهم‭ ‬يدينون‭ ‬بالإسلام‭. ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الأساسية‭ ‬كيف‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬الكائنات‭ ‬البشرية‭. ‬هل‭ ‬ينبغي‭ ‬تصنيفهم‭ ‬وفق‭ ‬التقاليد‭ ‬الموروثة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬الدين‭ ‬الموروث،‭ ‬للمجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يولدون‭ ‬فيه،‭ ‬والنظر‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الهوية‭ ‬غير‭ ‬المختارة‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬لها‭ ‬أولويةً‭ ‬آليةً‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الانتماءات‭ ‬الأخرى‭ ‬الخاصة‭ ‬بالسياسة‭ ‬والمهنة‭ ‬والنوع‭ ‬واللغة‭ ‬والأدب‭ ‬والمجتمع،‭ ‬وعلاقاتٍ‭ ‬أخرى‭ ‬كثيرة؟

5

الحق‭ ‬أن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬المعاصرة‭ ‬حول‭ ‬ادعاءاتٍ‭ ‬متضاربةٍ‭ ‬لهوياتٍ‭ ‬مختلفةٍ‭ ‬تؤثّر‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬أفكارنا‭ ‬وأفعالنا‭. ‬لنأخذ‭ ‬قضية‭ ‬الفقر‭ ‬المدقع‭ ‬والتي‭ ‬يمكن‭ ‬بالطبع‭ ‬أن‭ ‬تنتج‭ ‬التحريض‭ ‬على‭ ‬تحدي‭  ‬القواعد‭ ‬والقوانين‭ ‬الراسخة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬يعطي‭ ‬الناس‭ ‬الدافع‭ ‬والشجاعة‭ ‬والقدرة‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬فعل‭ ‬أيّ‭ ‬شيءٍ‭ ‬شديد‭ ‬العنف‭. ‬فالفقر‭ ‬المدقع‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصحبه‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬الضعف‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬العجز‭ ‬السياسي‭. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أيّ‭ ‬تعيسٍ‭ ‬جائعٍ‭ ‬شديد‭ ‬الضعف‭ ‬وموهَن‭ ‬العزيمة‭ ‬إلى‭ ‬درجةٍ‭ ‬تُفقده‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬النزاع‭ ‬والحرب،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬الاحتجاج‭ ‬والشكوى‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬المدهش‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬حالات‭ ‬الإجهاد‭ ‬الشديد‭ ‬وانتشار‭ ‬المعاناة‭ ‬والبؤس‭ ‬كانت‭ ‬مصحوبةً‭ ‬بالسلام‭ ‬والصمت‭ ‬بدرجةٍ‭ ‬غير‭ ‬عادية‭. ‬والحق‭ ‬إن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬المجاعات‭ ‬حدثت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هنالك‭ ‬كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬التمرد‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬النزاع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أو‭ ‬الحروب‭ ‬بين‭ ‬جماعات‭ ‬المجتمع‭. ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬يُنسب‭ ‬قولٌ‭ ‬صريح‭ ‬بالتمرد‭ ‬المسلح‭ ‬إلى‭ ‬أبي‭ ‬ذر‭ ‬الغفاري‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬المرء‭ ‬خبزاً‭ ‬في‭ ‬داره‭. ‬فالإهمال‭ ‬والتجاهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكونا‭ ‬سبباً‭ ‬للسخط،‭ ‬لكن‭ ‬شعوراً‭ ‬بالتعدي‭ ‬على‭ ‬الحقوق،‭ ‬والحط‭ ‬من‭ ‬القدر،‭ ‬والمهانة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أسهل‭ ‬في‭ ‬تعبئة‭ ‬التمرد‭ ‬أو‭ ‬الثورة‮»‬‭.‬

حنطة ١٩41

حنطة ١٩42

برومو الشهيد ناجي الجرف