خميرة

مسرح ثوري

زوربا باخوس

وأنا‭ ‬أشاهد‭ ‬إحدى‭ ‬الأعمال‭ ‬المسرحية‭ ‬المحسوبة‭ ‬على‭ ‬الثورة،‭ ‬أو‭ ‬بتعبير‭ ‬أدق‭ ‬مشغولة‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المحافل‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬للثورة‭ ‬السورية،‭ ‬حيث‭ ‬مظاهر‭ ‬الفن‭ ‬والثقافة‭ ‬كانت‭ ‬حاضرة،‭ ‬من‭ ‬شعرٍ‭ ‬وكلمات‭ ‬وأغانٍ،‭ ‬تتغنى‭ ‬بالسوريين‭ ‬في‭ ‬ثورتهم‭.‬

كان‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬عدة‭ ‬عروضٍ‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬سريعة‭-‬قصيرة‮»‬‭ ‬في‭ ‬تكوينها،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬‮«‬سكيتش‮»‬‭ ‬مونودراما‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬زمن‭ ‬الاضطهاد،‭ ‬ومنه‭ ‬للتغيرات‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬الجمهورية‭ ‬العربية‭ ‬السورية،‭ ‬لتصبح‭ ‬حسب‭ ‬تعبير‭ ‬البعض‭ ‬الجمهورية‭ ‬السورية‭ ‬حاف،‭ ‬دونما‭ ‬أدلجات‭ (‬قومية‭ .. ‬عرقية‭ .. ‬دينية‭ ..‬الخ‭).‬

تابعتُ‭  ‬العمل‭ ‬‮«‬المصوّر‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬شبكة‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬‮«‬فيس‭ ‬بوك‭ ‬–‭ ‬يوتيوب‮»‬،‭ ‬كان‭ ‬العمل‭ ‬مونودراما‭ ‬من‭ ‬أداء‭ ‬إحدى‭ ‬الممثلات‭ ‬السوريات،‭ ‬اللاتي‭ ‬واكبن‭ ‬الثورة‭ ‬السورية‭ ‬بأيامها‭ ‬الأولى‭ ‬‮«‬سلميتها‮»‬،‭ ‬لفت‭ ‬انتباهي‭ ‬ضمن‭ ‬أجواء‭ ‬العرض‭ ‬وسير‭ ‬العمل،‭ ‬والذي‭ ‬خُصص‭ ‬له‭ ‬ديكورٌ‭ ‬مشغولٌ‭ ‬على‭ ‬عجالة،‭ (‬أحجار‭ ‬مترامية‭ ‬على‭ ‬الخشبة‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭)‬،‭ ‬كدلالة‭ ‬على‭ ‬دمار‭ ‬المدن‭ ‬السورية‭.‬

قادت‭ ‬الممثلة‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬بدايته‭ ‬وبأداءٍ‭ ‬متقن‭ ‬حقيقةً،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬اختارت‭ ‬الصراخ‭ ‬والنواح‭ ‬وسيلةً‭ ‬للتعبير،‭ ‬فمرت‭ ‬بالعمل‭ ‬كله،‭ ‬بنفس‭ ‬الإيقاع‭ ‬ندباً‭ ‬ونواحاً،‭ ‬يشبهان‭ ‬أنيناً‭ ‬متواصلاً‭ ‬على‭ ‬الخشبة،‭ ‬ومنه‭ ‬لمفردات‭ ‬صاخبة،‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬نسمعها‭ ‬جهراً،‭ (‬شارع‭ ‬الشهداء‭.. ‬ساحة‭ ‬الحرية‭.. ‬بيت‭ ‬مدمّر‭… ‬خراب‭.. ‬اعتقالات‭… ‬نظام‭ ‬قاتل‭.. ‬ظالم‭.. ‬جزّار‭… ‬عم‭ ‬يقتل‭ ‬شعب‭… ‬عم‭ ‬يدبحونا‭… ‬بدنا‭ ‬حريتنا‭.. ‬بدنا‭ ‬نعيش‭… ‬الخ‭ ) ‬كدلالةٍ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬القائد‭ ‬يقمع‭ ‬ويقتل‭ ‬ويهجّر‭.‬

استغربت‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الشكل‭ ‬الذي‭ ‬اختارته‭ ‬المؤدية،‭ ‬والتشنج‭ ‬والانفعال‭ ‬اللذان‭ ‬تحكما‭ ‬بها‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬لحظات‭ ‬العمل‭.‬

بدأت‭ ‬الأسئلة‭ ‬تأخذني‭ ‬لسياقات‭ ‬اللبوس‭ ‬الفني‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬والحلول‭ ‬الفنية،‭ ‬بطرحها‭ ‬للمادة‭-‬الفكرة،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬حالنا‭ ‬في‭ ‬البلد‭-‬سورية،‭ ‬لكن‭ ‬انقذتني‭ ‬العدسة‭ (‬عدسة‭ ‬كاميرا‭ ‬المصور‭)‬،‭ ‬لأشاهد‭ ‬طفلاً‭ ‬صغيراً‭ ‬على‭ ‬ملامحه‭ ‬دهشة‭ ‬أبعد‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الدهشة‭ ‬التي‭ ‬انتابتني،‭ ‬بذكر‭ ‬المفردات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نجرؤا‭ ‬على‭ ‬قولها‭ ‬أيام‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬الذي‭ ‬حكم‭ ‬على‭ ‬صمتنا‭ ‬طيلة‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭. ‬

هذا‭ ‬الطفل‭ ‬دفعني‭ ‬لأسئلة‭ ‬أخرى‭ ‬هي‭ ‬جوهر‭ ‬القضية‭:‬

‮«‬تُرى‭ ‬مالذي‭ ‬أدهش‭ ‬الطفل‭ ‬الصغير»؟‭!!‬

مالذي‭ ‬ينتظره‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي؟‭!‬

هل‭ ‬يعي‭ ‬المفردات‭ ‬التي‭ ‬تتسربل‭ ‬في‭ ‬أدراج‭ ‬الصالة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الممثلة‭ ‬‮«‬النّواحة»؟

أم‭ ‬هو‭ ‬جائع‭ ‬وينتظر‭ ‬الدقائق‭ ‬العصيبة‭ ‬عليه‭ ‬ريثما‭ ‬ينتهي‭ ‬النواح؟

في‭ ‬الحقيقة‭ ‬عُدت‭ ‬لرشدي‭ ‬وربما‭ ‬للصواب‭ ‬الذي‭ ‬ذكّرني‭ ‬بالالتفافات‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬استخدمناها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬النظام،‭ ‬كي‭ ‬نمرر‭ ‬معارضتنا‭ ‬له‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬عقر‭ ‬حكمه‭ \‬في‭ ‬ديارنا‭\‬وطننا‭… ‬عبر‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬قدمناها‭ ‬على‭ ‬خشبات‭ ‬المسرح‭ ‬السوري،‭ ‬كشباب‭ ‬نعي‭ ‬الموقف‭ ‬وخطورة‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬ننطق،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬دولة‭ ‬أمنية‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬بقاء‭ ‬نظامٍ،‭ ‬يُبقي‭ ‬سُلطته‭ ‬صلبة‭ ‬متينة‭ ‬على‭ ‬شعبٍ‭ ‬اعتاد‭ ‬الجوع‭ ‬والفقر‭ ‬والسكوت‭ .‬

راحت‭ ‬بي‭ ‬ذاكرتي‭ ‬لمعضلة‭ ‬أو‭ ‬حالة‭ ‬ليس‭ ‬باستطاعتنا‭ ‬نسيانها،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الأجدر‭ ‬بنا‭ ‬ألاّ‭ ‬نصبح‭ ‬فلسطينيين‭ ‬بالمعني‭ ‬المجازي‭ ‬في‭ ‬قضيتنا‭ (‬القضية‭ ‬السورية‭ ‬وثورتها‭)‬،‭ ‬فيأخذنا‭ ‬الملل‭ ‬على‭ ‬مضض‭ ‬بطرح‭ ‬قضايانا‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬الجهوري‭ ‬المباشر،‭ ‬دونما‭ ‬جوانب‭ ‬إبداعية‭ ‬تمرر‭ ‬للآخر‭ ‬الهم‭ ‬الإنساني،‭ ‬بشكل‭ ‬يقنع‭ ‬المتلقي‭ ‬بأننا‭ ‬خلاقين،‭ ‬ولسنا‭ ‬فقط‭ ‬ناقلي‭ ‬خبر‭ ‬كما‭ ‬المنابر‭ ‬الاعلامية‭ ‬التي‭ ‬ترصد‭ ‬الخبر،‭ ‬أو‭ ‬تنشأها‭ ‬حسب‭ ‬الرغبة،‭ ‬أو‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬يتبّعها‭  ‬‮«‬إمام‭ -‬خطيب‭ ‬الجامع‮»‬‭ ‬فيملّ‭ ‬الحضور‭- ‬الجمهور‭ ‬الذي‭ ‬يشاهد‭  ‬موتنا‭ ‬ونواحنا‭ ‬وصراخنا‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬المدن‭ ‬المجاورة،‭ ‬كي‭ ‬يسمعنا‭ ‬المُخلّصون‭ ‬وننجو‭ ‬من‭ ‬الظلم‭ ‬والقهر‭ ‬الذي‭ ‬انقلبنا‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬كرامتنا‭.‬

ربما‭ ‬مادفعني‭ ‬بهذا‭ ‬الشعور‭ ‬هو‭ ‬الإحساس‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينتابنا‭ ‬غالباً‭ ‬عندما‭ ‬كنا‭ ‬نتابع‭ ‬النشرات‭ ‬الأخبارية‭ ‬عن‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وأيضاً‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية‭ ‬والنشاطات‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نشاهدها‭ ‬بملل‭ ‬أشبه‭ ‬بالقتل،‭ ‬فالتكرار‭ ‬في‭ ‬الطرح‭ ‬وبذات‭ ‬الطريقة،‭ ‬دونما‭ ‬إضافات‭ ‬ذكية،‭ ‬تحيل‭ ‬المتلقي‭ ‬لمعرفة‭ ‬ماهو‭ ‬قادم‭  ‬من‭ ‬يأسٍ‭ ‬وبكاء‭ ‬يعرفه‭ ‬فلا‭ ‬يكتشف‭ ‬جدة‭ ‬وفرادة‭ ‬الأزمة‭ ‬المطروحة‭ .‬

وربما‭ ‬كي‭ ‬لانصبح‭ ‬فقط‭ ‬قضية‭ ‬سورية‭ ‬مملة‭ ‬للغير،‭ ‬ونصبح‭ ‬أرقام‭ ‬يترصدونها‭ ‬دونما،‭ ‬عمق‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تفصيل‭ ‬وحكاية‭ ‬هي‭ ‬بذاتها‭ ‬مأساة‭ ‬ترهق‭ ‬ما‭ ‬يجيئنا‭ ‬مستقبلاً،‭ ‬علينا‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أدوات‭ ‬وأشكالٍ‭ ‬فنية‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬الإنساني‭ ‬والكوني‭ ‬في‭ ‬تراجيديا‭ ‬وجعنا‭ ‬السوري‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬المباشرة‭ ‬والتكرار،‭ ‬علينا‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الهم‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬خياراً‭ ‬إنسانياً‭ ‬وهوية‭ ‬لكل‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زمان‭ ‬ومكان،‭ ‬علينا‭ ‬أيضاً‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الفكرة‭ ‬بين‭ ‬أنقاض‭ ‬بيوتنا‭ ‬المهدمة‭ ‬تأكدوا‭ ‬الصورة‭ ‬وحدها‭ ‬ليست‭ ‬كافية‭.‬

حنطة ١٩42

برومو الشهيد ناجي الجرف