خميرة

القناص / V «أُجيد الخطأ خارج تصالبي.. بمهارةٍ»

عباس‭ ‬علي‭ ‬موسى

نصّ‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬القنّاص‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬يعُنى‭ ‬بفلسفة‭ ‬الرصاصة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الأدب،‭ ‬والقتل‭ ‬بعيني‭ ‬القنّاص‭ ‬الذي‭ ‬يقتلك‭ ‬أحياناً،‭ ‬وفي‭ ‬أحايين‭ ‬أخرى‭ ‬يقتل‭ ‬عدوّك،‭ ‬أو‭ ‬يصيرُ‭ ‬نافذةً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭. ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬فاتحة‭ ‬لتجريد‭ ‬الطلقة‭ ‬من‭ ‬الرصاص،‭ ‬وحشوها‭ ‬بالحبر‭. ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬عديدة‭ ‬تحمل‭ ‬العنوان‭ ‬ذاته،‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أحيلها‭ ‬إلى‭ ‬القرّاء،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬قرّاءً‭ ‬فقط،‭ ‬إنهّم‭ ‬ثائرون‭.‬

I

‭-‬رصاصة‭/ ‬شامةٌ،‭ ‬على‭ ‬صدرك،‭ ‬لكن‭.. ‬

لا‭ ‬أظنّ‭ ‬أنّها‭ ‬وحِمت‭ ‬على‭ ‬رصاصة‭!‬

‭-‬هي‭ ‬رصاصةٌ‭ ‬تركها‭ ‬القنّاصة،‭ ‬لم‭ ‬ينأَ‭ ‬بها‭ ‬جسدي‭.‬

في‭ ‬زمن‭ ‬الخوف‭ ‬شقّوا‭ ‬صدري‭ ‬وأخرجوا‭ ‬مضغة‭ ‬الخوف‭ ‬منه،‭ ‬ثم‭ ‬زرعوا‭ ‬رصاصة‭.. ‬

ومضوا‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬سَوء‭.  ‬

II

الجدارُ‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬اتكأت‭ ‬عليه،‭ ‬وأنا‭ ‬أرسمُ‭ ‬مساراً‭ ‬لرصاصتي‭ ‬قاتلاً‭. ‬سيعلّق‭ ‬إليه‭ ‬الأطفال‭ ‬شموساً،‭ ‬وفوارغَ‭ ‬رصاصٍ‭ ‬مَلأَى‭ ‬بحبّات‭ ‬طلعٍ‭.‬

الجدار‭ ‬الذي‭ ‬تصالبتُ‭ ‬عليه،‭ ‬في‭ ‬وحدتي،‭ ‬سيفوحُ‭ ‬أطفالاً‭ ‬ومراجيحَ،‭ ‬وتظنّون‭ ‬بي‭ ‬مشتعلاً‭ ‬أبداً‭!‬

يوماً‭ ‬ما‭ ‬سأفزعُ،‭ ‬وأنا‭ ‬على‭ ‬فراش‭ ‬الغد،‭ ‬من‭ ‬جندبة‭ ‬تحرّكُ‭ ‬العتمة‭ ‬بصريرها،‭ ‬سأهرعُ‭ ‬إلى‭ ‬قنّاصتي‭ ‬المعلقةِ‭ ‬كذكرى‭ ‬على‭ ‬خاصرة‭ ‬الجدار،‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬مسعورة،‭ ‬ثمّ‭ ‬سيقرصني‭ ‬الضوءُ‭ ‬على‭ ‬الشرفة،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬ستفعله‭ ‬جندبة‭ ‬سوى‭ ‬أنّها‭ ‬تعطي‭ ‬الليلَ‭ ‬صوتَهُ‭.‬

الجنادب‭ ‬هي‭ ‬شفاه‭ ‬الليل‭!‬

والرصاصُ‭ ‬هو‭ ‬شفاه‭ ‬العتمة؛‭ ‬يقتلُ‭ ‬إذ‭ ‬يئزُّ

III

‭ ‬سيارات‭ ‬الإسعاف‭ ‬بنفيرها‭ ‬تفتقُ‭ ‬ما‭ ‬يلتئمُ‭ ‬من‭ ‬الليل،‭ ‬وكيف‭ ‬سأتصالحُ‭ ‬مع‭ ‬الضوء‭ ‬وأنا‭ ‬أقضي‭ ‬ما‭ ‬أقضي‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬العتمة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يرشح‭ ‬مسامي‭ ‬ضوءاً‭.‬

IV‭ ‬

في‭ ‬فرصة‭ ‬حياةٍ‭ ‬لأحد‭ ‬المارّة،‭ ‬يمضي‭ ‬به‭ ‬الفزعُ‭ ‬مسرعاً‭ ‬وهو‭ ‬يتأبط‭ ‬الخبزَ،‭ ‬لم‭ ‬يتسنَّ‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يحدس‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬خاطري‭:‬

أنا‭ ‬لا‭ ‬أقنص‭ ‬الخبز‭ ‬وهو‭ ‬يتأبط‭ ‬مارّاً‭!‬

حين‭ ‬غفوتُ‭ ‬فجراً‭ ‬خُيِّلَ‭ ‬إليّ‭ ‬أنّه،‭ ‬هو‭ ‬ذاته،‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يقول‭ ‬لي‭: ‬لا‭ ‬تُشعل‭ ‬سيجارتكَ‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬ثمّة‭ ‬من‭ ‬يتحيّنُ‭ ‬قتلكَ،‭ ‬كما‭ ‬وأنّه‭ ‬من‭ ‬زرعَ‭ ‬في‭ ‬مروري‭ ‬فزعاً،‭ ‬وفي‭ ‬خبزي‭ ‬تهديداً‭ ‬دائماً‭ ‬بالموت‭.‬

كم‭ ‬أتذكّرُ‭ ‬تماوج‭ ‬السنبلة،‭ ‬وأنا‭ ‬أدرّب‭ ‬عيني‭ ‬على‭ ‬قتل‭ ‬الموجة‭ ‬في‭ ‬حركتها‭. ‬حين‭ ‬أصبتُها،‭ ‬علمتُ‭ ‬أنّ‭ ‬في‭ ‬وسعي‭ ‬قتلُ‭ ‬رغيف‭ ‬خبزٍ‭ ‬أيضاً‭.‬

‮«‬لكنني‭ ‬يا‭ ‬صاحبي‭ – ‬إذ‭ ‬صحوتُ‭  – ‬درّبتُ‭ ‬عيني‭ ‬على‭ ‬الخطأ‭ ‬أيضاً،‭ ‬فلتمرَّ‭ ‬وخبزَكَ‭ ‬بسلامٍ،‭ ‬فأنا‭ ‬قنّاصٌ‭ ‬أجيد‭ ‬الخطأ‭ ‬خارج‭ ‬تصالبي،‭ ‬بمهارةٍ‭.‬

حنطة ١٩47

برومو الشهيد ناجي الجرف