ملف

التمثيل السياسي للمعارضة السورية بين الداخل والخارج

أحمد الشمام – كاتب وباحث

لعله لابدّ من التذكير بمصادرة الحياة السياسية في ظل الدولة الأمنية في سورية الأمر الذي أدى إلى أن تكون المعارضة ضعيفة ومعزولة عن الشارع المحيَّد تماماً، فبقيت مُختزَلة في شخصيات مهجَّرة مسبقاً، وأخرى خرجت فور انطلاق الثورة الشعبية على الأرض، أو خرجت بُعَيدها بقليل بعد أن سدّ النظام أي أفق للحوار مع عدم وجود تيار سياسي معارض واضح وعريض يمكن أن يكون متحدثاً باسم الحراك، علماً أنّ النظام عبر تاريخ حكمه كان يغضّ الطرف قليلاً عن بعض الأنشطة الضعيفة المعارضة ذات التوجه اليساري والقومي منعا لنشوء نواة لأي تيار إسلامي ولو كان معتدلاً، وهو عكس ما فعله إبَّان الثورة. كما أنّ نخباً مثقفة خذلت الثورة؛ كما خسر اليسار التقليدي صوته ورصيده بعدم استيعابه للثورة وتبنيها ماعدا ناشطي المجتمع المدني وإعلان دمشق.
ولعلّ ما يميز الثورة السورية عن ليبيا تونس و مصر، هو عملها على جبهتين: حراك سياسي في الخارج التحق بها من بدايتها؛ وحراك شعبي. الأمرالذي أدّى لانشطارها لداخل وخارج، وهو ما يعني وجود جهدين. ولابدّ من دراسة احتمالات توافق واختلاف بينهما بالآليات والأدوات، داخلٌ ثار شعبياً، وخارجٌ «جغرافي بدايةً»، ليكون منبراً له وتأجيجاً لموقف دوليّ ضاغط قَصَده بعض المعارضين القدماء، وبعض المطلوبين من رموز ونشطاء إضافة لجماعة الإخوان المسلمين التي لا تمتلك رصيداً تنظيمياً على الأرض والمغتربة عن البلاد منذ عقود.
وقد نشط الطرفان، وكلّ منهما يشعر بأنه يسند ظهره لخارج دولي سوف يؤازره لتحقيق هدفه؛ والعلامة الفارقة أن الداخل وعى خذلان العالم له، فبدأ ينحو باتجاه التعويل على قواه، بينما الساسة عولوا على المجتمع الدولي، فشكلت هذه نقطة الاختلاف الأولى لتكرّس رؤية الافتراق بين نهجين، ناهيك عن تسابق القوى الإقليمية لتُوجِد لها رصيداً يضمن تمرير رؤاها المستقبلية ويحفظ مصالحها، من خلال طريقة دعم تشكيل المجلس الوطني، ثم توسعته، ثم تشكيل الائتلاف بضغط ودعم دولي. وتسابقت كل مجموعة في الائتلاف بـ«رؤية اقتسام جلد الدب قبل اصطياده» ودخلت في تحالفات ومناكفات لتكون قوة وازنة تؤسس لنفسها لما بعد سقوط النظام من خلال الإمساك بآليات الدعم والتمويل، فكان الاختلاف داخل الائتلاف الذي صُدِّر للداخل فشتته بعد أن تم استخدام المساعدات كمال سياسي بل و«مليشياوي»، ويجب ألاّ يغيب عن أذهاننا أنّ ظهور أمراء حرب في الداخل كان انعكاساً لظهور ما يمكن تسميته إقطاعات سياسية في هيئات العمل السياسي بالخارج.
وبينما كان الحراك السياسي يستمد مشروعيته إبان الحراك السلمي من شارع ذكي وواعٍ، ويتحرك وفقاً لأسماء الجمع والشعارات التي تضبط الخطوط العامة لسقف مطالبه ومبادئه العامة، تحوّل إلى كتلة سياسية تستمد مشروعيتها من دعم دولة هنا وأخرى هناك، وما عاد يصيخ السمع لشخصيات الداخل و لا لرؤاه «كان يصور معنا بعض أفراده ليبينوا رصيدهم الثوري على الأرض بداية الثورة ثم ماعادوا يردون على هواتفنا» كما يقول ثائر، كما أنّ مجرد حديث عن جهد سياسي يعني الخارج، ومجرد الحديث عن الثورة بجناحها المسلح والمدني الضئيل يحيلنا إلى الداخل، مما يشي بحقيقة مرّة، وهي اختزال السياسة بالخارج ،والتَرك المتعمّد وإشغال الداخل بيومياته، وتغييب أي جهد سياسي من قبل مجتمع ونخب ثورية لها فهمها المنبثق من الأرض، فأصبحت العلاقة على طلاق وشيك. فقد راهن الخارج على الخارج، وراهن الداخل على الداخل، وكلٌّ يقول سأفرض رؤيتي بقوة مادية: الخارج بقوى ومال الخارج، والداخل بسلاحه «أنا على الأرض وسلاحي بيدي ولن يدخل سورية أحد من الخارج ولو على دمي» كما يقول ثائر، مما يعني حدوث هوة حقيقية بين الطرفين من حيث النشوء ودوافعه وآليات عمل كل منها وضوابط هذا العمل.
غير أن اعتبار الخارج كتلة منفصلة عن الداخل اعتبارٌ مشوب بكثير من التداخلات، ففي الائتلاف نفسه شخصيات التزمت بنبض الشارع ومن قوى الحراك الثوري التي تمّ تمثيلها في الائتلاف، لكنها طُمِست وغاب جهدها ولم تُشكّل كتلة وازنة بفعل تفرد القوى المدعومة في الائتلاف بالقرار والتأثير كماً، وفي الداخل من لا يقلون سوءاً أو تعطيلاً للثورة، وحرفاً لها عن مسارها من بعض قوى الخارج.
وقد وقع الجميع في خطأ توقع السقوط السريع للنظام فابتعد عن العمل الاستراتيجي والبرامج والتخطيط، واعتاد الارتجال، وهذا له منعكسه في مجالين، الأول على أرض اشتغل أبناؤها بالحرب اليومية ولم يتفرغوا لخدمة المجتمع ومصالحه ومؤسساته الخدمية ممّا أفقده جزءاً من ثقل الحاضنة الاجتماعية، والثاني في الخارج حيث تسابقوا على الإمساك بزمام الدولة القادمة والحصة من كعكة الحكم. فأُغْفل حق الداخل في النصح والترشيد والتوعية بالمعضلات السياسية وآفاق العمل السياسيّ، كما أُغْفلت حصته من تفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وبعد كل هذا التخبط لم يَدْع الائتلاف لمؤتمر وطني جامع، ولودعا غيره له لحاربه.
على الائتلاف أن يكون مؤسسات لا أن يكون مختزلاً بأشخاصٍ وقوى؛ مؤسسات تهتم بالداخل كونه الرافعة الحقيقية للتغيير المنشود، وتعمل على مأسسة الجيش الحر، وتفعيل العمل المدني، وبناء حكومة مؤقىة تعبر عن السوريين وتتجنب المحاصصات السياسية التي سارت بالداخل نحو شرذمة وفُرقةٍ بترسيخ وتعميق هوة كبيرة بين الفصائل والتيارات الفكرية؛ فإدخال المجلس الوطني الكردي بشروط ليس من حق الائتلاف إقرارها، لم يكن احتراماً لحقوق الأقليات، بل لزياة الكتلة التصويتية لصالح رئيس الائتلاف، وهو ماقاله رئيس مكتبه صراحةً بُعيد فترة وجيزة، وأهمل عن عمد الشارع الكردي الوطني الذي غُيِّب صوته وكان ينتظر اهتماماً وتبنٍّ له من قوى الثورة السياسية في الخارج لصالح الأحزاب السياسية المدعومة إقليمياً.
وتغوَّل الائتلاف على سلطة الشعب فيما يخص تسمية الدولة التي هي من حق الشعب السوري، ودستور يكتبه ويستفتى فيه، فرفع رصيد الأحزاب القومية، وساهم في تفتيت جبهة الشارع الكردي الوطني لصالح جبهة الشارع القومي ذو الميول الانفصالية التي تنطلق من مرجعية «هولير» بدلا من مرجعية ثورة الشعب السوري بكل أطيافه وناموسها العام في أوج انطلاقتها .
إنّ ائتلافاً علمانياً يسعى لتحقيق دولة المواطنة إذ يتصارع بين كتله، لا يمكن نصحه بتأجيل طرح شكل الدولة تجاه فصائل وقوى التأمت على بعضها في الداخل، وبدأ يظهر نزوعها الإسلامي، وتختلف في توجهاتها معه. رغم أن سياسات الائتلاف الداخلية، ورهانه على القوى الدولية، كانت تثير تحفظ كثير من الإسلاميين أكثر ممّا تثيرها علمانيته، فكثير من إسلاميي الطرح كانوا يؤمنون بضرورة إسقاط النظام وتحديد شكل الدولة عبر صندوق الاقتراع، ممّا يُشكّل نقلة نوعية في الطرح والمنهج، وهذه الرؤية إن لم تتضح في تيارات سياسية واضحة فهي الأقرب إلى شباب الثورة وناشطيها.
وعلى صعيد الممارسة لابد من التساؤل هل كان الائتلاف ديمقراطياً؟ أم أنه مجرد مطالب بالديمقراطية، ولم ينحُ وفقا لمبادئها في عمله ونهجه بل تطورعمله من مراهن على القوى الدولية إلى رهين لإملاءاتها، «ولا أعتقد أن اختيارُ البحرة لرئاسة الائتلاف أتى لأنه مقربٌ من السعودية. لكن، تم اختيارُهُ كي يتستر على ما أنتجه عامٌ من حكم الجربا للائتلاف، الذي تكلل بسلسلة طويلة عريضة من الهزائم جعلت وجود الثورة محلَ شك شديد. ولو كان البحرة رجل السعودية، لكان تمَ تبليغُ جماعة الكتلة الديمقراطية بذلك، وبالتالي يجب التصويتُ له، ولما تمَ إسقاطُهُ في انتخابات الكتلة» هذه الفقرة من متن حديث ميشيل كيلو بمقابلة لإيلاف في موقع عكس السير.
وفي البحث عن مخرج ممّا وصلت له الثورة من تشويه وحرف عن مبدأي الحرية والعمل الديمقراطي في المجتمع السوري، وتشتته بين نهجين: طرفٌ خارجيّ نشط لم يقم بذلك كتوجه وكداعم واع؛ وطرفٌ مُتحرك في الداخل، وهو العسكري المرتجل. ولابدّ من ملاحظة طرف ثالث ساكن ظاهرياً، وهو مجموع المثقفين والنشطاء الشباب المهمّش، الضائع صوتهم من خلال «ضياع الطاسة» بين الطرفين على سطح العمل السياسي والمختزلين له تحت مقولة «الوعي بالقوى الإقليمية وتأثيراتها ورغباتها وممكناتها»، في الخارج و مقولة «لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص» في الداخل.
وقد حصلت اجتماعات كثيرة وهامة في الداخل لتأسيس نسق ثوري بشقيه السياسي والعسكري، ممن لهم رصيد في محافظاتهم تعمل على تجاوز انغلاق الداخل، وانشغاله بنفسه، ويوميات قتاله. وتُرغم سياسي الخارج على سماع صوتها، بل وانتداب من يمثلها سياسياً في صناعة القرار الملتصق بالأرض، وإعادة القرار للشارع السوري، والمنفتح على وعي معادلات القوى الدولية والإقليمية، والتي لم تخرج للنور لأن الدعم كان ضرورياً، وكانت تحمل من الأفق السياسي بحيث تستطيع تفعيل حراك مدنيّ، ومؤازرته بالمسلح تحت شعار إعادة بث الروح في الشارع كبوصلة حقيقية، ورافعة للثورة تحترم مبادئ حاملها الاجتماعي. لكن تقدم «دولة الإسلام في العراق والشام» أربك حراكها، وطفت على السطح صورة الفصائل التي قاتلت، وهي لم تقاتل بقرار ذاتيّ، بل برعاية الائتلاف الذي استخدمها فقط، ولم يستشرها في كيفية معالجتها لـ«دولة الإسلام في العراق والشام» التي كانت تحتاج حراكاً مدنياً ونشاطاً من الإسلاميين المعتدلين، الذين يعون فكر «دولة الإسلام في العراق والشام»، وشبابها من أبنائهم، ليحاججوهم من خلال رؤية ثورية تبتعد عن محاباة الإئتلاف للقوى الغربية، وهذه ثورة في قلب الثورة ولكنها حوصرت أيضاً.
لابد للائتلاف من جسر الهوة بينه وبين الداخل، بحيث يُقوّي ويُمتّن مجموعاتٍ وأنساق ثورية في الداخل لتكون شريكاً له بالقرار والرؤية، لا على أنها جملة فصائل تدعم بشروط لتكون تابعة لا قرار لها، وتلك لا تبني وطناً، ولا قراراً سياسياً، وهي من الهزال أنها إما بايعت «دولة الإسلام في العراق والشام»، أو أنها انهزمت أمامها.
لابدّ من إنجاز مؤتمر وطني يسمي الأخطاء والأشياء بمسمياتها، ويقوم بوضع أرضية و أسس بناء دولة تحترم حقوق الجميع، وتؤسس لدستور يكتبه الجميع، وتخضع له كل القوى، وتؤسس أو ترمم العقد الاجتماعي بما يضمن حقوق الجميع. وتُميّز بين العقد الاجتماعي الممهور بخاتم ودماء المناضلين، وبين ما تفرضه القوى من محاصصات سياسية، وعليه يجب العمل بشكل دؤوب ومخلص لتوسيع الخيار الثالث بين «دولة الإسلام في العراق والشام» والنظام، وتفعيل جبهة العمل الوطني، وإلاّ فما على أساطين الائتلاف إلا انتظار تفتت البقية من الفصائل المرابطة، وتمدد «دولة الإسلام في العراق والشام»، ثم تُشنُّ حرباً عالمية عليها على غرار الحرب على طالبان، ثمّ تقديم أحد أعضاء الائتلاف ليكون «كرزاي» سورية، ممّا يعني عزلةً أشبه بعزلة ما سمي بـ «المعارضة العراقية» لصدام قبل ضرب العراق 2003، وقدومهم على ظهر الدبابات الأمريكية لتبدأ دولة تسير على خطا ما نراه في العراق الآن.

حنطة العدد عشرين3

 

حنطة العدد عشرين4

برومو الشهيد ناجي الجرف