ملف

الديكتاتوريّات العسكريّة الوطنيّة والاحتلال الأجنبيّ

عارف حمزة

إنّ أسوأ ما تعرّضت له بعض البلدان العربيّة، وشعوبها الغضّة، بعد تخلّصها من الاستعمار  الأجنبي، هو وثوب عدد من الضبّاط الشبّان على كرسيّ السلطة فيها. ولأنّ هؤلاء الضباط قد عركوا الحياة السياسيّة أثناء الاحتلال الأجنبيّ، سواء كتجربة شخصيّة أو كقراءة صنعتْ فكراً سياسيّاً في اتجاه معيّن، ناهيكم عن عراكهم للحياة العسكريّة الخشنة، التي تعتبر من أسوأ الحيوات ضمن الحيوات الشخصيّة لأحدنا، حيث تتلبّس الشخص العسكريّ تلك الحالة من التسلّط المبنيّ على القوّة المفاجئة لشخصيّته الوصوليّة، وربّما الانتهازيّة، والقتال من أجل المحافظة عليها في كثير من الحالات، وقد تتحوّل في بعض الحالات إلى وحشيّة مفرطة، ربما بسبب الخوف من فقدان تلك القوّة والسلطة لأيّ سبب كان، فتراه يعيشها في كلّ مكان، ومع جميع الأشخاص، بدءاً من البيت والشارع إلى الثكنات العسكريّة… فإنّهم يستعملون كافة الوسائل والسبل التي تُبقي زمام السلطة في يدهم، ولو على حساب التخلّص من أكثر المقرّبين لهم، حتى لو كانوا شركاءهم في ذلك الوثوب عليها.
ورغم أنّ الشخص العسكريّ هو غير مثقف ثقافة مدنيّة على العموم، فإنّه يجهد في الاقتراب من المثقفين كي يستفيد من أفكارهم ودواخل شخصيّاتهم، ثمّ التخلّص منهم، في طريقه التخلّص من تلك الأفكار التي تعتبر، في نظره، اعتداء من الحياة المدنيّة «المتعالية» على الحياة العسكريّة التي يريد أن يتمسّك بها بأسنانه الفولاذيّة والدمويّة. لذلك تراه يعتبر، مثلاً،  منظومة حقوق الإنسان كلّها عبارة عن «غزو ثقافيّ»، وصنيعة غربيّة لتهديم الأوطان العربيّة، ليس لأنّه لم يوجد «الإنسان» سوى في الغرب، بل هو يعرف بأنّ نشر منظومة حقوق الإنسان، واحترامها، هو فتح للعيون المغمضة على حقوقها الراسخة، وبالتالي تقريب الزلزال الذي قد يضرب سلطته إلى أقرب وقت. وتراه يتحدّث عن المصلحة العليا على أنّها مصلحة الوطن في الظاهر، ولكن في الباطن يراها مصلحته التي لن يفرّط بها بسهولة لتلك «الهرطقات» التي تُسمى حقوق الإنسان.
وبسبب تلك التجربة الشخصيّة و«الفكريّة» أخذ أولئك الضباط أسوأ الأسس من ذلك الاستعمار، وخاصّة: «فرّق تسُدْ»، و «لا أحد فوق القانون»، و «الشعوب العربيّة ما زالت متخلّفة ولا تعرف كيف تدير شؤونها»… فأخذها أولئك العسكريّون كأسس ذهبيّة لبناء «احتلالهم»، هذه المرّة. الاحتلال القائم على إقامة دولة أمنيّة، على مقاس استمرارهم، داخل الدولة الغضّة، والتي من مهامها الأولى زرع التفرقة والشقاق بين مدن الدولة نفسها، وبين العشائر والأديان والمذاهب والأثنيّات … الخ. لكي يبدو النظام القائم بأنه هو الضامن الوحيد لإحداث التوازن في البلاد، وعدم الاقتتال الأهلي.
وكذلك في نشر ثقافة «تأليه» رأس السلطة، وجعله خالداً بكل الوسائل القانونيّة والغير قانونيّة. بجعله متوافراً في كل ساحة وحائط، كصور وتماثيل، وفي كلّ وسيلة إعلاميّة مسموعة أو مرئيّة أو مقروءة، وحتى في تحيّة العلم في المدارس والثكنات والنقابات والمؤتمرات الشعبيّة، بتلاوة أقواله الخالدة، وببثّ أغانٍ عن أمجاده الوهميّة.
وكذلك العمل البنّاء، من خلال تلك الدولة الأمنيّة، على إبعاد الصفات الجيّدة والمميّزة، كالنزاهة والخبرة والتواضع والدراسة الدائمة للتجارب الخلاّقة وحبّ العمل والاستقلال بالرأي وتغليب المصلحة العليا على المصلحة الشخصيّة، عن المجتمع، باستبعادها في عمليّة انتقاء الشخصيّات العامة التي ستقود مفاصل الحياة في البلد، وبإبعاد الشخصيّات التي تملك تلك الصفات عن الوظائف الإداريّة والفنّية العليا، وعن الجامعات، وحتى عن البلد نفسه، وهذا ما يناسب تحويل البلد إلى بحر ثريّ في يد قرصان عظيم.
الأساس الثاني هو صنع منظومة كاملة من الفساد الوحشيّ في كل مناحي الحياة، وحتى بالتدخّل في الجينات الوراثيّة للمواطنين لصنع أجيال فاسدة بكاملها، حيث تقوم تلك المنظومة بتعطيل كافة القوانين التي تجعل الحق مصاناً ولا يُعلى عليه، إلى قوانين شخصيّة، متقلّبة ومتغيّرة وآنية، إذا صحّ التعبير. لذلك كان من المهم جداً إفساد منظومة القضاء بالكامل من أجل إغراق القاعدة التي تقول: إذا كان القضاء بخير فالبلد بألف خير.
القاعدة الثالثة هي إذلال الناس في شتّى المناحي، وبشتى الطرق؛ لمحو شخصيّاتهم في الوظيفة والجامعة والأحزاب والنقابات والبيت والشارع والملاعب والمجالس المحلية ولقمة العيش. وإفهام المواطن، أيّ مواطن كان، بأنّه عبارة عن «عبد» في «إقطاعيّة كبيرة» يملكها رأس النظام، وأعوانه المتنفّذين، وبأنّ ثمن ذلك المواطن، وكلّ المواطنين، لا يزيد عن ثمن رصاصة واحدة، وهذا بالضبط ما جعل التخلّص من أيّ شخص سهلاً ومتاحاً إلى ذلك الحدّ.
لقد شهدت سبعينات القرن الماضي صعود أسوأ الديكتاتوريّات في العالم العربيّ، وربّما في العالم أجمع، وخاصة في سورية والعراق وليبيا، ومصر بدرجة أقل، وكانت كلّها تملك كاريزما فارغة للضحك على شعوبها، ونهبها وإذلالها وإدامة تخلّفها وجهلها، وحتى قتلها بدم بارد، باسم القضايا القوميّة.
متى ترى الشعوب العربيّة نور الحق والقانون والعدالة في كلّ جانب من حياتها؟
متى يكون القانون هو الناظم، والنظام الوحيد والمحترم لجميع مناحي الحياة؟
متى يكون بإمكانها القيام بحركات تحرّر جديدة للتخلّص من استعمارها العربيّ؟
إذْ مَن قال بأنّ الشعوب العربيّة تحرّرت بعد جلاء الاستعمار الأجنبيّ عنها؟ مَنْ؟.

حنطة العدد عشرين5

برومو الشهيد ناجي الجرف