ملف

ماذا بعد «النقد الأعور»؟

مروان عبد الرزاق

-1-
عندما انطلقت الانتفاضة السورية في (آذار2011)، لم تجد من يساندها، سواء من المعارضة السياسية، أم منظمات المجتمع المدني، أو النقابات كما هو الحال في تونس ومصر. ولذلك سميت بحق، بالثورة «اليتيمة». لأنه ببساطة لم تكن مثل هذه المعارضة موجودة. وقد اقتصر وجود المعارضة على بعض النخب المتبقية العجوزة من الأحزاب القديمة، وبعض نشطاء «ربيع دمشق»، وهي رموز متشظية، صنع كل فرد فيهم صومعته، و«سريره» الخاص به.  لكن الجميع شعر بالارتباك، وعدم القدرة على الفعل. لأن الجميع أحس بالرعب من شعار «إسقاط النظام» الذي رفعه الثوار.
-2-
وقد بدأت «هيئة التنسيق» الخطوة الأولى للخروج من الارتباك وإصدار بيانها الأول في (30-6-2011) الذي أشاد بالانتفاضة، ورفض الحل الأمني والعسكري الذي يمارسه النظام، و دعا إلى تهيئة المناخ الملائم لعقد مؤتمر وطني عام، لتشكيل حكومة انتقالية تنقل سورية من الاستبداد إلى الدولة المدنية الديمقراطية. لكن دون الإشارة إلى إسقاط النظام الذي ترفعه الانتفاضة والذي تم استبداله بالتغيير الوطني الديمقراطي. وتم الاختباء خلف الشعارات الطنانة الكبيرة «لا للعنف، لا للطائفية، لا للتدخل الخارجي»، في المرحلة السلمية للثورة. وبعد ذلك استراحوا في حديقة النظام الخلفية.
بالمقابل، بعد نصف عام من انطلاقة الانتفاضة، عبرت مجموعة من الناشطين المناطق المحررة، ليصلوا الى اسطنبول ويشكلوا مع العديد من المهجرين الإسلاميين، «المجلس الوطني»، الذي أصدر بيانه الأول في (2-10-2011)، والذي تضمن ضرورة تشكيل «واجهة سياسية للثورة»، وتأمين الدعم الدولي المطلوب للثورة، من أجل إسقاط النظام والانتقال للدولة المدنية الديمقراطية. ونصبوا «الأبله المفيد» رئيساً للمجلس، حسب تعبير هاشم صالح.  وليس المقصود هنا غليون أو غيره. إنما هو المثقف اليساري الساذج الذي تستخدمه الحركات الأصولية كواجهة سياسية تزينيه مقبولة من قبل الغرب والطبقات المستنيرة من الشعب، قبل أن تتخلص منه لاحقاً، بعد أن تنتفي الحاجة إليه.
من حيث التكوين، تتشابه الرموز التي شكلت الهيئة والمجلس، والتي ضمت  في البداية ممثلين عن القوميين، واليساريين، والليبراليين، والأكراد، والسريان. إلاّ أنّ الإسلاميين شكلوا الكتلة الأكبر في المجلس، إلى جانب الاتجاهات الأخرى. بالإضافة إلى «الحراك الثوري» وهم شباب تنسيقيات الثورة، كي ينال المجلس ثقة الشارع المنتفض، كما حصل في جمعة «المجلس الوطني يمثلني» في(17-10-2011).
ومن الطبيعي أن يحصل هذا الانقسام في البداية حول شعار إسقاط النظام. وهو انقسام سياسي بالدرجة الأولى. بين من يدعو لإسقاط النظام كمدخل لبناء الدولة الديمقراطية الحديثة، والذي اتخذ الخارج مقراً له. وبين من يبحث عن الحل السياسي والحوار مع النظام من أجل التغيير الوطني الديمقراطي. وبقي مقيماً في الداخل. ورغم أن الهيئة رفعت شعار إسقاط النظام بعد العنف الفظيع والمستمر للنظام ضد الشعب، لكن عبر الحل السياسي، وليس بالثورة المسلحة القائمة على الأرض.
-3-
لكن الإشكالية ليست في هذا الانقسام الأولي، وأيضا ليست في الإقامة الجغرافية، رغم تأثيرها على الموقف، والفعل السياسي. لأن الخلاف السياسي لم يكن حقيقياً، وكان يمكن الاتفاق حول مسائل الثورة الأساسية لو كانت الإرادة الوطنية موجودة. فالخلاف السياسي يستند بالضرورة إلى رؤى وبرامج سياسية مختلفة، بالإضافة إلى آليات عمل لتحقيق هذه البرامج. لكن لو تفحصنا هذه الرؤى والبرامج لوجدناها جميعها ترسم مرحلة ما بعد سقوط النظام: مرحلة انتقالية، جمعية تأسيسية.الخ، والانتقال للدولة المنشودة. وهناك اتفاق بين الجميع على الهدف النهائي البعيد. لكن كيف الوصول اليه؟ هنا تختفي البرامج والآليات اللازمة، ويبرز الارتهان للآخر.
فالجميع لم يمارس السياسة. أو لم يلاحظ وجود أي نشاط أو فعل سياسي على الأرض. فالنظام لا يسمح بأي هامش للعمل السياسي في الداخل الذي يسيطر عليه. وهو لا يؤمن أصلاً بالحل السياسي. ولذلك بقيت رموز هيئة التنسيق بدون حراك في الداخل، لكنها بقيت تستمر في دعوتها للحل السياسي. وحين تمت الدعوة إلى مؤتمر جنيف للبحث عن الحل السياسي رفضت الهيئة الذهاب مع وفد الائتلاف بحجج واهية.
وفي الخارج وضع المجلس الوطني، ومتحوله الائتلاف الوطني، نفسه تحت تصرف الدول الداعمة، وخاصة السعودية وقطر برعاية أمريكية وأوروبية، والتي رأتها فرصة لا تُعوض للتدخل في مسار الثورة السورية، وهم الأشد عداء لثورات الشعوب العربية قاطبة. كما وضع لنفسه منذ بداية تشكله مهمة استجداء التدخل الاجنبي على الطريقة الليبية، وتقديم الوعود والأوهام للشعب بالسقوط السريع للنظام. ومازال يردد نفس معزوفة الاستجداء دون جدوى حتى الآن.
وهذا هو البعد الثاني للمعارضة، أقصد الارتهان للآخر. الداخل مرتهن للنظام، ويوزع مسؤولية تدمير الوطن على النظام والثورة المسلحة. والمعارضة في الخارج مرتهن لدول إقليمية ودولية، ويحملهم المسؤولية لأنهم لم يتدخلوا لإسقاط النظام. وهذا ما عبر عنه صراحة العديد من أعضاء الائتلاف بدون أي خجل، لفقدانهم القرار الوطني المستقل.
والبعد الثالث للانقسام هو الشخصانية المقيتة وإقصاء الآخر. حيث بدأت الدعوات لتوحيد المعارضة بعد الانقسامات مباشرة، مما يؤشر على أن الخلافات لم تكن سياسية فقط، إنما كان للجانب الشخصي التنافسي على الزعامة دوراً هاماً في هذه الانقسامات. وكانت أغلب هذه الدعوات غير حقيقية، ولم يتم عقد أي لقاء جدي مثمر، لأن كل طرف يُريد تضخيم ونفخ الأنا الشخصية، عبر انضمام الباقين إليه. وكان هذا واضحاً في مؤتمر القاهرة الذي انعقد في
(3-7-2012)، بموجب قرار وزراء الخارجية العرب الصادر عن الجامعة العربية، وليس بدعوة من أحد أطراف المعارضة.
وبمقاييس الوثائق الصادرة عن المؤتمر، وهي: «وثيقة العهد الوطني» و»الرؤية السياسية المشتركة» فهو ناجح، ويحقق مطالب الشعب السوري. حيث تؤكد الوثائق بعد اتفاق كل المشاركين، من كافة التيارات، على إسقاط النظام، ودعم الجيش الحر والحراك الثوري، ورؤية مشتركة للمرحلة الانتقالية، نحو بناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية مستقلة حرة. والوثائق المذكورة تعتبر أفضل تعبير عن أهداف الثورة. ومع ذلك فشل المؤتمر في توحيد المعارضة. لأن المؤتمر لم يشُرْ إلى «المجلس الوطني» العظيم!. باعتباره «المظلة الجامعة لجميع أطياف المعارضة، وممثلاً شرعياً وحيداً لها». بمعنى آخر، وببساطة، كان على الجميع أن يذهب إلى اسطنبول لتقديم طلب انتساب للمجلس. وهذا لم يكن مقبولاً عند باقي أطراف المعارضة. وهنا تبرز الشخصانية الأنانية المقيتة بأوضح صورها. بالإضافة إلى دور السعودية وقطر وتركيا، في دعم المجلس في احتكار تمثيل المعارضة والثورة. وعندما قررت هذه الدول أن المجلس لم يعد كذلك، عملت على تشكيل الائتلاف الوطني(تشرين الثاني2012)، ثم توسعة الائتلاف واضافة أسماء جديدة لم يسمع بها الشعب السوري من قبل. بالإضافة إلى أغلب التشكيلات الفندقية التي تشكلت في الخارج مثل، اتحاد الديمقراطيين، وكلنا سوريون، وسوريون مسيحيون، وتركمان. الخ وأدخل الى الائتلاف آلية تفكيك، ثم تجميع المكونات العرقية والقومية والدينية تحت سقف واحد.
لكن تمثيل المعارضة، واحتكار هذا التمثيل أمام العالم الخارجي، لا يعني أن هذه المعارضة تمثل الشعب السوري، أو الثورة الراهنة. وقد عبرت أكثرية الكتائب المسلحة فيما بعد، عن أن «الائتلاف لا يمثلنا». وكذلك  الناشطون في الداخل في جمعة «الائتلاف لا يمثلني»، (11-10-2013). بالإضافة إلى أن الرأي الشعبي العام يلعن النظام والائتلاف على قدم المساواة.
-4-
والأصح في التقسيم الراهن بين داخل النظام والخارج. لأنه من الضروري أن نلاحظ وجود ثلاث مناطق جيوسياسية في سورية بعد انطلاقة الثورة، وتحولها إلى ثورة مسلحة. داخل النظام، وداخل الثورة، وخارج سورية. والبعد الرابع، والذي يشير إلى عقم الرموز التقليدية المعارضة وانقساماتها، والتي لم يخطر في ذهنيتها العقيمة، أن مكانها الطبيعي هو الانتقال إلى مناطق «داخل الثورة»، ويشكلوا مع شباب الثورة قيادة سياسية للثورة تعمل بالتوازي مع الكتائب العسكرية، وتشكيل جيش وطني ثوري، وإدارة المناطق المحررة، وتقديم نموذج لبديل وطني ديمقراطي عن النظام. وليس البقاء في داخل النظام، أو العبور من المناطق المحررة مهرولين نحو الفنادق المكيفة. وليس هذا وحسب. إنما تم تفريغ داخل الثورة من الثوار، ليس بهدف مساعدتهم في تشكيل قيادة سياسية للثورة، إنما استغلالهم من أجل اعتراف الشارع المنتفض بهم. بالإضافة إلى إفسادهم، بالإقامة المريحة، والرواتب المغرية، ومنظمات المجتمع المدني بتلاوينها المختلفة، وإبعادهم عن ساحة الثورة. وهذا التفريغ والهروب للأمام، كان السبب الأساسي لعدم الالتفات إلى تأسيس مرتكزات الثورة الفعلية، على المستوى العسكري والسياسي والاجتماعي. وبالتالي انتشار الفوضى غير الخلاقة، ودخول التكفيريين ليحتلوا صدارة الثورة في الداخل والخارج، ويؤسسوا لمرحلة مظلمة في تاريخ سورية المستقبل. وسيدفع الشعب السوري أجيالاً من الضحايا، وثمنا باهظاً، يتحمل الائتلاف الذي احتكر تمثيل الثورة، القسط الأكبر من المسؤولية.
-5-
الثورة في مأزق، والمتسلطين على الثورة في مأزق. والدعوة إلى إسقاط الائتلاف المتحكم بالثورة في الخارج ليس هو الحل.، مع أن وعود الائتلاف الجديدة حول الانتقال للعمل في داخل الثورة مهمة. إلاّ أننا محكومون بعدم الثقة بالوعود إلى أن نلمس ترجمتها على الأرض. وليس هناك من يمثل السوريين سياسياً. ولا وجود «للعطار» القادر على إصلاح ما أفسده الدهر، وتجميع الفقاعات الفندقية الجديدة لا ينتج إلاّ فقاعة أكبر، تنهار أمام وخزة إبرة صغيرة. وليس من أمل سوى أن يعود الثوار إلى ثورتهم، ويؤسسوا لبؤر ثورية منظمة في الداخل والخارج، ملتزمين بمبادئ وأهداف الثورة، ومسلحين ببرامج وآليات عمل، ويشكلوا الأساس لتيار سياسيّ وطنيّ يعيد للثورة ألقها من جديد.
إن مائة من الثوار المكافحين، النشيطين، وليس مثل «نشطاء الموضة»، قد يؤسسوا لنواة لفعل وطني ثوري يُعيد للثورة إشراقتها، ويدفع بالمترددين واليائسين نحو الفعل، ويحدّ من سيطرة الانتهازيين والمتسلقين على جدار الثورة.
حنطة العدد عشرين6 حنطة العدد عشرين7

برومو الشهيد ناجي الجرف