ملف

فقدان روابط الثقة

أحمد عيساوي

على  مدى ثلاث سنوات، لم يرق العمل السياسي للمعارضة السورية إلى الطموحات الوطنية التي كانت في بال المنتفضين منذ آذار 2011، وأصبح التمثيل السياسي، في الأطر المحلية والعربية والدولية،  يشكّل معضلة أساسية تعترض بقوة إمكانية التقدم في الإتجاه الذي خطاه السوريون سعياً لتحقيق الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية.
بالرغم من كل الإنتكاسات التي تعرّض لها العمل السياسي السوري المعارض، لم يجرِ أي تعديل يذكر يطال مؤسسات المعارضة وهيكليتها وعملها الميداني،  وظلت المبادرات التأسيسية  في واقع الحال شكلاً من أشكال الهروب إلى الأمام، ظنّا من المبادرين- وهم كثر- أنّ الصيغة الجديدة قد تجمع وتربط وتساهم في تذليل العقد بين أفرقاء المعارضة.
اتّسم الأداء السياسي المعارض بالضعف والترهّل وعدم القدرة على مجاراة الزخم الشعبي، ومع عودة السياسة إلى المجتمع السوري، نشأت أجسامٌ، وهياكلَ، وتنظيمات جديدة على الساحة كان يُنتظر منها أن تلعب دوراً محورياً إلى جانب قوى المعارضة التقليدية، لكن سرعان ما كانت الخلافات الشخصية، وحبّ السيطرة طاغيان على المشهد العام. وبدا واضحاً أنّ أوائل الهيئات التي تشكّلت مع بداية الثورة هي التنسيقيات، التي عملت على تنظيم المظاهرات، وتنسيق فعاليات الحراك الشعبي في المناطق الثائرة، وكان الجزء الغالب من الفاعلين في التنسيقيات هم الشباب المتعلّم، والمثقف، ونشطاءٌ من المجال العام، منهم من كان منتسباً إلى أحزاب لها إرثٌ وتاريخٌ نضاليّ، ومنهم من دخل فجأة إلى النشاط السياسي بفعل تراكم الأسباب الموجبة لقيام الثورة.
هنا لا بد من التنويه بالدور الكبير الذي تلعبه لجان التنسيق المحلية، لا سيما إصرارها على إعطاء أولوية للحراك المجتمعي، خاصة بعد انتقال الثورة إلى طورها العسكري. وكان كلام اللجان واضحاً في البيان الذي أطلقته في شباط من عام 2012 وتشديدها على أهمية الحراك الشعبي وتوجيهها نقداً لاذعاً لسياسة المجلس الوطني السوري وأعضائه، متهمة إياه بالارتهان لسياسات إقليمية.
وجدت قيادات المعارضة التقليدية نفسها متأخرةً عن قطار الثورة، ولم تتمكن من نسج علاقات قوية مع التنسيقيات الفاعلة على الأرض، ومع ازدياد الزخم الشعبيّ، ظهرت إلى العلن تيارات وهيئات جديدة، منها «تيار مواطنة»، و«تيار بناء الدولة السورية»، و«ائتلاف اليسار السوري»، و«تجمع نبض للشباب المدني السوري»، و«المنبر الوطني الديمقراطي»، وغيرها من التجمعات التي طالبت بالحرية لشعب سورية الواحد.
كان مطلب المنتفضين منذ بداية المظاهرات توحيد المعارضة السورية في إطارٍ تنظيميّ جامع، يُساعد الناس على تبنّي السياسات التي تتمخض عنه، ويُقدّم برامج وأسئلة واضحة حول الخط التي تتبناه تلك المعارضة.
تشكّل المجلس الوطني السوري وحظي بشبه إجماع في بدايات التأسيس في الشارع المنتفض، فتبنت الهيئة العامة للثورة تسمية جمعة
7 تشرين أول/ اكتوبر 2011 بـ «المجلس الوطني يمثلني»، تأكيداً منها على تأييد الشارع المنتفض لرؤى المجلس وبرنامجه.
على خط آخر، سعى معارضون موجودون في الداخل إلى الإسراع في عقد مؤتمر تشكلت على إثره «هيئة التنسيق الوطني»، والتي عقدت مؤتمرها الأول في 17 أيلول/ سبتمبر 2011 تحت بنود واضحة عرّفتها بلاءات ثلاث: «لا للتدخل الأجنبي، لا للعنف، لا للطائفية». وبقي نشاط الهيئة ميدانياً متسماً بالضعف بسبب الهوة الكبيرة بين قياداتها المتقدمة في العمر، وشبابها المندفع. وقد ازداد الأداء هشاشةً بعد تكريس الإنقسام بين المجلس والهيئة، أو ما عرف بالإنقسام بين معارضة الخارج ومعارضة الداخل.
لأشهر طويلة غابت المنهجية العلمية الموضوعية عن آليات صنع القرار الوطني في أُطر المعارضة، وأصبح نشطاء الداخل من إعلاميين، وشباب تنسيقيات، ونشطاء الأحزاب التقليدية، يعانون من غياب الدور السياسي الفاعل والهادف، وأصبحت الفوضوية والآنية والمزاجية تسيطر على المعارضين.
تم تغييب الخط الوطني الجامع عن المشهد المعارض، ورضي معارضون تاريخيون لهم إرث نضالي مشرّف أن يكونوا بيادق في حسابات دول كبرى، وأصبحت ممالأة الكتل المهيمنة في المجلس الوطني، ولاحقاً في ائتلاف قوى الثورة نكتة سمجة تدعو للتندّر والتحسّر.
منذ اليوم الأول للثورة آثر النظام في تظهير صورة عن الصراع يبدو فيها المشهد كما لو أنه اشتباك بين الوطنية (النظام)، والأصولية (المعارضة). وفشلت المعارضة في دحض تلك الصورة بل ساهمت الصراعات الداخلية، ورهاناتها المتكررة على القوى الدولية -لإعتقادها أن ما حدث في ليبيا سيحدث في سورية- في فقدان المصداقية لدى عموم السوريين المنتفضين.
خلقت سنوات الثورة حالة من الفوضى الكبيرة، خاصة في المدن والقرى التي انسحب منها النظام، وهذا ما يجعل المعارضة مسؤولةً اجتماعياً، واقتصادياً، وخدماتياً، وسياسياً في تلك المناطق. وقبل أن يتشكل الإئتلاف السوري المعارض بمؤسساته كافة، من هيئة عامة وحكومة مؤقتة وأركان الجيش الحر، سارعت قوى الحراك الثوري إلى إدارة الفوضى في المناطق المحررة، فشهدنا قيام العديد من المجالس المحلية التي عملت على تنظيم العمل المدنيّ، وتأمين الخدمات العامة في المجتمعات الصغيرة، وبإمكانات محدودة للغاية اقتصرت على موارد محلية، في ظلّ حصارٍ خانقٍ، وقد أثبتت هذه التجربة نجاحاً كبيراً في أرياف حلب وإدلب.
لعب النشطاء الإعلاميون دوراً بارزاً في عملية نشر الوعي، خاصّة بعد ما بدأت الثورة تأكل أبنائها، وبعد ما غرق العمل العسكريّ الوطنيّ (جيش حر) في بحر من الأصولية استنزفت الحراك الشعبي بالمال والقتل، وأسّست لصراعات عسكرية مذهبية ومناطقية، وصلت إلى تأسيس «الإمارات» و«الهيئات الشرعية» لها أجندات وأهداف بعيدة عن طموحات الثورة الشعبية وناسها.
تتحمّل قوى المعارضة الخارجية اليوم مسؤولية كبيرة في كبح العسكرة الفالتة من كل عقلانية، وتصويبٍ ناجعٍ يُركّز على منح الثقة وتقوية الراوبط مع الداخل، خاصّة في المناطق المحررة التي استغلها أمراء العسكر بعد غياب سلطة النّظام، وأخذوا يُشكّلون سلطات أمرٍ واقع، يغيب عنها التنظيم الإداري، والالتزام بالعمل الجماعي، فانتشر الفساد الإداري والمالي والسياسي في ظل غياب مطلق للرقابة والمساءلة. كلّ ذلك يُشكّل إرباكاً كبيراً لمسيرة الثورة، ويعيق تقدّم أبنائها، ويوجب مساءلة وطنية شاملة لمعارضتي الداخل والخارج ومؤسساتهما.حنطة العدد عشرين8

برومو الشهيد ناجي الجرف