ملف

لا ينبغي الإفراط في جلد الذات

محمد كيّاري

ثلاث سنوات ونصف على بداية الثورة السورية ودخولها منعطفات وفصول مختلفة، وردّة فعل النظام والقوى المُساندة لهُ، وتخاذل المُجتمع الدولي، كُل هؤلاء ساهم بإضفاء صفة المأساة والألم على هذه الثورة، للقضاء عليها لم يدّخروا جهداً في تصويرها ككارثة إنسانية يصعب التعامل معها للتضييع على السوريين حقهم في الحياة الكريمة فضلاً عن دعمهم.
كانت نتيجة هذا الوضع، الذي تزداد مأساويته يوماً بعد يوم، أن اضطرَ الكثير من السوريين أن يهجروا مُدنهم وقُراهم بسبب انعدام أبسط مقومات الحياة، ناهيكَ عن القصف والحصار والقتل اليومي المُتكرر، فكان اللجوء إلى الدول المجاورة أحد الحلول التي لا مهرب منها ، كتركيا مثلاً التي تستضيف اليوم بما يزيد عن المليون لاجئ سوري غالبيتهم من محافظتي حلب وإدلب. وبالغوص أكثر في موضوع لجوء السوري لتركيا، نجد أنها تعود مُنذ الأشهر الأولى للثورة مع تصاعد عنف النظام على المناطق الحدودية في ريفي إدلب و حلب، وموجة اللجوء حينها كانت بسيطة و كان أغلب من ترك بيته و لجأ لتركيا لا يساوره الشك أنها ما هيَ إلاّ أيام قليلة و سيعود للوطن، لكن استمرار إفراط النظام بالعنف فتح الباب على مصراعيه للهرب، لكنّ العدد أخذ بالارتفاع بشكل يومي، هذا السوري الذي لجأ إلى تركيا وجدَ فيها بدون شك بلداً أفضل حالاً من بلده التي هُجّر منها.
يتركز السوريون في المدن الحدودية، خاصة مدينة غازي عنتاب التي يوجد فيها ما يُقارب مائتا ألف سوري، كذلك منطقة هاتاي و مدينة اسطنبول التي استقطبت الكثير من السوريين بدءاً من العامل وصولاً لمكاتب المعارضة السورية. لاشك أن السوري في تركيا كان لهُ عيناً على حياته اليومية و معيشته، و عيناً أُخرى على وطنه الذي باتَ لا يراه إلاّ في نشرات الأخبار ، مُحاولاً الاندماج بالحدود الدنيا مع الشعب التركي، لكن و على ما يبدو أن للجوء السوري في تركيا  قصة طويلة، و بالتالي سيترتب عليها الكثير من الأبعاد والانعكاسات بسبب المدة الغير متوقعة للأزمة، ومن الطبيعي جداً أن تطفو على السطح معوقات ومشاكل تُلقي بظلالها على السوريين و الأتراك خاصة أولئك الذين على تواصل مباشر و مُستمر مع اللاجئين. فمثلاً أدت زيادة تدفق اللاجئين إلى ارتفاع أسعار العقارات السكنية و المحلات التجارية في عدد من المناطق، وأضف إلى ذلك أن السوري في تركيا غالباً يكون عمله بالورشات الصناعية والمعامل بصفة عامل غير شرعي، وغير خاضع للتأمين، وبأجور منخفضة مقارنة مع الأتراك، وهذا ما يكون أشبه بالاستغلال. و لا ننسَ الظاهرة التي التي أزعجت الأتراك و المنسوبة للسوريين غالباً، وهي ظاهرة التسول في شوراع وعلى أبواب مساجد تركيا، في حين أن هؤلاء المتسولين ما هم إلا فئات معروفة في سورية بالغجر أو «النور» الذين كان دخولهم لتركيا فرصة للتسول بوفرة، وبالتالي تشويه صورة السوري، وقد يكونوا بالأصل ليسوا بسوريين. وانتشار ظاهرة لاقت رفض وانزعاج الأتراك، وهي اتخاذ بعض السوريين من الحدائق والأماكن العامة مسكناً لهم، أو بصورة أقل كمأوى مؤقت بطريقة غير مقبولة، والتراتب اليومي بحيث أن الأتراك معتادون على النوم باكراً والعمل مُنذ الصباح، بخلاف الكثير من السوريين الذين يروق لهم السهر حتى ساعات متأخرة مما أزعج الروتين اليومي للأتراك.
و في المقلب الآخر كانت قضية اللاجئين السوريين ورقة في يد المعارضة التركية للضغط على حكومة أردوغان للتأثير على النتائج الانتخابية، وتعبئة الشارع ضد الوجود السوري بحجة أن ذلك يهدد الأمن القومي التركي، وما تقوم به الحكومة من جعل الأبواب مُشرّعة لكل قادم من جديد فاق طاقات الأتراك وسبب لهم إزعاجات، ففي الانتخابات الرئاسية الأخيرة كان من بين شعارات الحملة الانتخابية لإحسان اوغلو المُعارض لحكومة اردوغان و المدعوم من أحزاب المعارضة أنه فيما لو فاز بالرئاسة سيضع حد للوجود السوري وسيعمل على إعادتهم من حيث أتوا.
لا ينكر أغلب السوريين المعاملة الحسنة التي أغدق بها الأتراك ضيوفهم السوريين بالمجمل، لكن هناك انقسام حول هذا الأمر، فالبعض يُقيم هذه التجربة من واجب ديني إنساني وأخلاقي فُرض على حكومة أردوغان كومضة مُشرقة للمشروع الإسلامي الذي يتوسمه البعض في وصول أحزاب ذات خلفية إسلامية للسلطة كحزب العدالة والتنمية التركي، ويتجه البعض الآخر إلى القول بأن تركيا كانت طرفاً رئيسياً في الأزمة السورية، وهي مُلزمة باستضافة السوريين، ويدعم هؤلاء قولهم بأن تركيا هي من فتحت مطاراتها وحدودها في وجه الجهاديين الذين قدموا من شتى دول العالم للجهاد في سورية، وهو ما أدى إلى تغيير كبير في صورة الثورة السورية والمُجريات على الأرض، التي بدأت بظهور تنظيمات متطرفة ومؤخراً بقيام تنظيم الدولة الإسلامية، وهو ما ساهم بسبب إضافي لتهجير السوريين الذين سبق وأن آثروا البقاء حتى هجرتهم ممارسات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وبالتالي فإن تركيا مُلزمة بأن تأوي اللاجئين لأنها شريك رئيس فيما يحصل، دون التوسع في الخوض والحديث عن الغايات و التقاطعات السياسية للموضوع.
الأحداث الأخيرة التي طغت على المشهد في مدن غازي عنتاب ومرعش على سبيل المثال من مظاهرات وبعض الإجراءات التي استهدفت السوريين، ومن وجهة نظري كمُتابع للأزمة في تركيا، أرى أن لا ينبغي الإفراط في جلد الذات ووضع كل المشاكل على عاتق السوري وجعله شماعة لكل أمرٍ غير مرغوب ، أرى من الطبيعي جداً عندما يُهجر مئات الآلاف وينتقلون لمنطقة أُخرى مختلفة لحدٍ ما عن الموطن الأصل  بظروفه المعيشية والتعليمية و الصحية المُتدنية، وأضف أن نسبة لا بأس بها كانت تعيش في مُجتمعات مُنغلقة بسبب سنوات طويلة من الكبت والحرمان، دون إغفال أن النظام لا يصعب عليه التدخل والتأثير سلباً على وجود السوريين هناك، أو كردّ بعضاً من حقده على موقف الحكومة التركية من خلال إثارة البلبلة بين السوريين والأتراك، فمن البديهي أن تحدث احتكاكات وتظهر عيوب نحاول تحاشيها قدر الإمكان، وهذا لن يكون سوى بالاسراع بعودة السوريين لبلادهم، وحتى تلك اللحظة يجب الاعتماد على التوعية و توفير العمل والتعليم، وأن تأخذ مُنظمات وجمعيات أهلية ومدنية دورها في ذلك.
حنطة العدد عشرين9

برومو الشهيد ناجي الجرف