ملف

لا تخاطبوا ظِلّي

وائل زيدان

كانت المظاهرات التي انطلقت في البداية، وغيرها من أشكال الاحتجاج الأخرى، تعني أن كل سوري شاركَ فيها كان يُمثّل نفسهُ وينادي بمطالبهِ السياسية، من دون وسيط أو تكليف لأحد كي يهتف نيابةً عنهُ. لأن المظاهرة هي شكلٌ ميدانيٌ مباشرٌ من أشكالِ التمثيلِ السياسي، يقوم بها الناس ضِدّ كل مَنْ يزعُم أنهُ يُمثلهم ومن أجلِ سحبِ وإسقاطِ ذلك التمثيل بالذّات. وقد حَدَثَ أن التقى المتظاهرون في مدينة حماة بالسفير الأمريكي علناً وليس في غرفةٍ مغلقة، رافعين أغصان الزيتون تأكيداً على سِلميّتهم. فالبروتوكولات والتقاليد السياسية عموماً تقضي بأنَّ مُمثّلي الشعب /رؤساء- وزراء – نوّاب/ هم الذين يستقبلون وفود وسفراء الخارج، لهذا يُعتَبر ذلك الإستقبال الذي حصل في حماه هو أولُ فِعلٍ يُسقِطُ الشعبُ من خلالهِ الشرعية عن ممثّليهِ من النظام. ولسوف تتغيّر صيغة السؤال لأول مرّة مِن «ما هي مطالبكَ؟» التي تنتهي بكاف الملكية إلى «ما هي مطالبكم؟» التي تنتهي بميم الجمع.
بناءً على ما سبق، يصبح طرح السؤال (مَن هم مُمثلي الثورة؟) في الأشهر الأولى من المظاهرات، كمن يرغب أن يخاطب الناس ظِلّهُ وهو حاضر!.
لعل قيام مجلس إنتقالي يمثّل الثورة في ليبيا، هو ما أغرى بإقامة مجلس يمثل الثورة في سورية، متناسين الفارق الكبير بين المَناخين. ففي الحالة الليبية كانت الثورة هناك قد حَسَمَت خيارها بالتسليح قبل انشاء مجلس تمثيلي. بينما في سورية كان الناس يمثلون أنفسهم بأنفسهم في الشوارع، مُصرّين على سِلميّتهم، وحتى الإجتماع الذي حَصَل في جرمانا نيسان 2011 والذي ضمّ وقتها نشطاء في الثورة يعملون في نطاق مدينة دمشق، لم يكن هاجس التمثيل مطروحاً بقدر ما كان المطروح هو بلوَرَة خطوات فكرية وعملية سينتج عنها فيما بعد وثيقة بعنوان /برنامج سياسي للثورة السورية/.
وبمجرد طرح السؤال (مَن هم ممثّلي الثورة؟) فُتِحت معركة جديدة لم تنتهي حتى اللحظة الراهنة، حول مَن لديهِ الحقّ بالتمثيل؟ هل هم كبار السنّ من المعارضين؟ أم من الشباب؟ هل نقبل بالمُقيمين في الخارج؟ أم المتواجدين في الداخل مِمّن يتعرّض للقتل والإعتقال كل يوم؟. مع العلم أن أحداً لم يهتم بجمع الأفكار وابتكار الوسائل التي قد تدفع بالحراك الثوري إلى الأمام بغض النظر عن السن والتاريخ الشخصي في النضال. ولسوف يؤدي البحث عن ممثلين للثورة إلى كارثتين، الأولى هي إبعاد صاحب العلاقة /الناس/ عن الشارع وترك مطالبهِ لينادي بها آخرين الأمر الذي سيؤدي لنشوء الكارثة الثانية وهي الركون وظهور حالة من الإتكالية فرّغت الناس من طاقة التغيير الأساسية وتنقل المسؤولية إلى جهة مُحدّدة، لأنه وكما يقال في المثل الشعبي (مَن لا يحضر ولادة عنزته، ستنجب جدياً!).
نمطين من التمثيل السياسي للثورة كان يتبلور وتتحدّد معالمهُ على طول الأحداث.
– النمط الأول: تجمعات شعبية نشأت منذ البداية في الأحياء والبلدات، بشكل عفوي وهي لا تتبع لأي تيار أو حزب سياسي أو ديني، وقد أفضى تطورها الطبيعي إلى ما يُسمّى بلجان التنسيق المحليّة والتي كانت رموزها هي الأكثر عرضة من غيرهم للتصفية والاعتقال.
– النمط الثاني: أحزاب سياسية تقليدية وكتل وتيارات مُرتَجَلة، إضافةً لبعض المعارضين المُستقلّين والذين سينقسمون فيما بعد إلى (هيئة التنسيق الوطني) ومقرّها في الداخل السوري، وإلى (المجلس الوطني) الذي سيكون الخارج ودول الجوار مجالاً لكلّ تحرّكاتهِ. وسيعمل التنافس الشديد فيما بينهما على التمثيل السياسي للثورة إلى إضعاف وتهميش النمط الأول أي لجان التنسيق المحليّة والحدّ من تطوّر بنيتها التنظيمية وبالتالي سحب القوة من الناس.
وسط هذا التنافس الشديد بين هيئة التنسيق والمجلس الوطني والذي بَلَغَ حدّ الإتهامات المتبادلة بالخيانة والعمالة سواءً للنظام أو للخارج، وكانت ساحتهُ على الفضائيات. تحوّل المتظاهرون فجأةً إلى لجنة تحكيم، تستعذب كلامَ هذا وتستهجن كلامَ ذاك، توافق على هذا وترفض ذاك، لندخل في لعبة إختيار – المعارض النجم – صاحب الشخصية الكاريزمية، وهي اللّعبة القديمة والمجنونة التي أوصلت طغاة ومجرمين إلى سدّة الحكم، إلى أن سُمّيت إحدى الجمع بـ /المجلس الوطني يمثّلني/ وحُسِمَ الصِراع لصالح معارضة الخارج.
كل الوسائل التي من شأنها أن تُساعد في اختيار ممثلين سياسيين في النُظُم الديمقراطية كالإقتراع والتصويت والإستفتاء واستطلاعات الرأي، ليست نموذجاً كاملاَ خالٍ من العيوب. فما بالك لو علِمنا أنّها في الحالة السورية تُعتبر مُستحيلة الحدوث في ظل القنص والقتل اليومي، مما جعل الناس مُسَمّرين أمام وسائل الإعلام التي تفرض عليهم كل يوم مجموعة من الوصّافين والمُعلّقين على الأحداث، لا بل وخالقي التبريرات عن كل خطأ أو تجاوز صَدَرَ من قِبَل بعض المُحتجّين هنا أو هناك من باب التملّق وزيادة الشعبية.
عملياً كان الجيش وأفرع المخابرات، هي القوّة الماديّة التي تحرسُ وتحمي تمثيل بشار الأسد السياسي للسوريين. وعوضاً عن مشاركة المجلس الوطني الناس بإيجاد حلول لتفكيك هذا التمثيل، عَمَدَ أعضاء وأحزاب في المجلس الوطني إلى إنشاء وشراء ميليشيات مُسلّحة على الأرض تقف في وجه النظام، لكنها في الواقع محاولة لتقوية تمثيلهم للثورة ولمستقبلهم السياسي بعد سقوط النظام!. وهكذا صارت أموال الدعم الإغاثي تصل ليد مُمَثلي الخارج وتتحوّل إلى سلاح وذخيرة ثم تدخل إلى سورية في تجاهل تام لهيئة الأركان التابعة للمجلس ذاتهُ، وكان من الممكن نشوء نسخة إدارية متطابقة مع نسخة النظام. لكن التنافس فيما بينهم أفضى إلى ظهور عشرات النماذج السلطوية المُسلحة الشبيهة بالنظام وبصورة أكثر ابتذالاً، وهو بالضبط ما حدث في العراق عقب الإجتياح الأمريكي، حيث لكلّ نائب أو مسؤول ميليشيا مسلّحة تدعم تمثيلهُ السياسي. وعندما اتجهت الأحداث نحو المَذهَبة والإسلام السياسي بدأت معارضة الخارج تميل مع هذا التوجه الغريزي نزولاً عند رغبة الجمهور.
تمّ أخذ الأمور باتجاه حكومة سُمِّيت بالمؤقتة، ليس لها أي تأثير جدّي لا في الداخل ولا في الخارج، فالحالة الميليشياوية التي نشأت على الأرض تمنع أي وزير أو مسؤول فيها من الدخول وممارسة نشاطه في سورية، فهو إن لم يكن مطلوباً بشكل شخصي من هذا الفصيل فإنه حتماً سيكون مطلوباً من ذاك، لأن الممثل الحقيقي على الأرض هو السلاح. بل أكثر من ذلك، قام حَمَلة السِلاح بإنشاء وارتجال محاكم شرعية، بمعنى أن هؤلاء خَلَصوا إلى شكل الدولة التي يريدونها ويقاتلون من أجلها حتى قبل أن يسقط النظام، ولا نعلم ما هو موقف الحكومة المؤقتة في هذا.
ويمكن قراءة إنشاء حكومة مؤقتة على أنه تكريساً للتقسيم، خاصّةً إذا أخذنا بالحسبان تماسك النظام مؤسّساتياً وانضواء نصف السوريين تحت إرادته، مما يُدخل تلك الحكومة المؤقتة بأزمة تمثيل سياسي جديدة.
كانت المظاهرات وغيرها من أشكال الإحتجاج هي المعيار الأساسي، وكان للمتظاهرين الكلمة الفصل، لكن بعد ثلاث سنوات من الثورة المسلحة وظهور التنظيمات الإرهابية، تمّ إنهاك المجتمع الثائر وإضعافهُ بحيث أنّه عاجز تماماً في الوقت الحاضر عن الخروج بأي مظاهرة لقول أي شيء. لذلك نحن لن نعلم مدى قبول الناس لهذه المسألة أو لذاك السياسي، وكل الإنتخابات التي تحدث بين صفوف المعارضة الآن تحصل في غرف مغلقة بين أشخاص محدودين، كلّ واحدٍ منهم يتبع لدولة مُمثّلاً مصالحها في الثورة السورية.حنطة العدد عشرين11

برومو الشهيد ناجي الجرف