ملف

هاجسنا: دولة المواطنة

جديع عبدالله نوفل – مركز الديمقراطية والحقوق المدنية

المقالة بالأصل عبارة عن رسالة وجهها الكاتب باسم «مركز الديمقراطية والحقوق المدنية» إلى «التحالف المدني السوري-تماس» بمناسبة الملّف الذي طرحته مجلة حنطة في عددها السّابق.
الزملاء الأعزاء في تماس..
وتجاوبا ما طرح للنقاش وإبداء الرأي حول أسئلة مجلة حنطة،  نحن مركز الديموقراطية والحقوق المدنية في سورية نرى ما يلي:
من أجل إجابة تقارب الحقيقة، لابد من تحديد الأسباب الجوهرية التي فجرت الوضع في سورية في أذار 2011. وبقراءة سريعة للأحداث في البلاد العربية في الأربع سنوات الأخيرة، وخاصة تلك التي شهدت صراعات داخلية مسلحة، نعتقد أنّ أحد أهم الأسباب الجوهرية لتفجر الأوضاع في هذه البلاد ،ومنها بلادنا سورية هو: أنّ شكل وجوهر ما يُسمّى (بالدولة) في هذه البلاد، أصبح عاجزاً وغير قادرٍ على تلبية وتأدية وظائف الدولة العصرية الحديثة، بمعنى أنّ استحقاقاً تاريخياً للدولة القادرة  والمقبولة على العيش والاستمرار حضر بقوة في المنطقة، والتي هي دولة المواطنة التامة، دولة الحقوق والدستور، دولة تحترم وتلتزم بتطبيق حقوق الإنسان. وهذا الحضور للاستحقاق التاريخي للدولة هو مطلب الضرورة العالمية للتطور في كل المجالات، أكثر بكثير من كونه مطلباً من مطالب شعوب المنطقة. هذا الاستحقاق التاريخي حضر في بلدان ما كان يسمى المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، في بداية تسعينيات القرن الماضي ونعرف جميعا ما آلت إليه الأمور في تلك البلدان.
السبب المباشر للانفجار في بلادنا وغيرها، هو الفسادز ونتائجه عبر خمسين عاماً من شمولية الدولة الأمنية في كل مجالات الدولة، والقمع الذي مورس على كل صوت كان معارضاً أو حتّى ناقداً لهذه الأوضاع، والآليات المتخلفة لإدارة أمور الدولة في كل مؤسساتها، نتيجة لآلية تعيين الموظفين الفاسدة والتي جوهرها المحسوبية والأقلوية، لا الكفاءة والمواطنة. وبناء على ذلك، المطلوب في بلادنا بناء الدولة العصرية الموصوفة أعلاه، وهنا نؤكد نحن، بأنه لا الدولة التي كانت قائمة قبل انفجار الوضع، عندها هذا التصور عن الدولة المطلوبة، ولا هي قادرة على بناء الدولة المطلوبة لا بالشكل ولا بالجوهر نتيجة بنيتها الفاسدة العاجزة عن الاصلاح. ولكون هذه الدولة أصلاً ليست من تطلعاتها. وكذلك بالنسبة لما سمي بالمعارضة على كل المستويات، فمسألة الدولة المستحق تاريخياً غير واضحة المعالم ولا هي من برنامجها، وهذا ما لاحظناه وما نلاحظه الآن في الأداء السياسي للمعارضة في الداخل والخارج. نعود لنقطة أخرى قبل الأجوبة على الأسئلة وهي: أنّ الدولة السورية القائمة الآن ليست كلاً متجانساً في كافة المجالات وعلى كل المستويات، وهذا ينطبق على ما يسمى معارضة. بمعنى آخر سقطت الدولة ككيان موحد، وبالتالي لكل مستوى من المستويات غير المتجانسة المصطفة تحت مظلة الدولة أهداف وآليات في التعامل مع أحداث البلاد. وهذا ينطبق على المعارضة والتي هي معارضات. وأول خطأ نقع فيه عندما نرى الدولة جسماً متجانساً وكذلك الأمر بالنسبة للمعارضة. وبالتّالي ستكون أجوبتنا خاطئة، لأنّها أجوبة لأسئلة خاطئة. وتالياً التقسيم بين معارضة داخلية وخارجية هو تقسيم لفظي أكثر بكثير مما هو واقعي، لأن الاصطفاف والتقسيم يجب أن يكون على أساس البرامج والتوجهات نحو دولة المستقبل. التنسيق في المواقف ضرورة ملحة بين كل مكونات المجتمع السوري -نحن نتكلم عن مكونات مدنية سلمية- من أجل الخروج من عنق الزجاجة، نحو الدولة المنشودة والمقبولة تاريخياً. ومن هنا ضرورة التنسيق بين مكونات والداخل والتنسيق مع كل من يقف معنا في العالم ومن يتفهم مطلبنا، نقول مع كل من يقف معنا… على كافة المستويات ومهما حتى ولو كانت مواقفهم لا تلبي كل طموحاتنا، فالآخرين ليسوا عمالاً عندنا… نقول مكونات مدنية سلمية لإيماننا إن صح التعبير بأن أهم أسباب تأخرنا في بناء الدولة المستحقة العيش والاستمرار هي (العسكرتارية) بكل مستوياتها وأشكالها، بدءا من السلاح وانتهاء بالتفكير… العسكرتارية تؤسس للعنف والقتل ولا يمكن أن تبني دولا قابلة للعيش والتطور، ونالنا الكثير والكثير من المآسي والآلام من كذبة الحرب الثورية… وحول السؤالين الثالث والرابع ليس لدينا معلومات للجواب عليهما، لأنه بتقديرنا أن الجواب الصحيح يقتضي قاعدة بيانات صحيحة، وهنا نرى أن أجوبة الأغلبية الساحقة من السوريين وخاصة في الحقل السياسي هي مواضيع انشائية ورغبات وشعراً أكثر بكثير من الأجوبة المستحقة.. نعود للعلاقة بالعالم الخارجي: نحن نعتقد أن الخطاب السوري بمجموعه حكومة ومعارضة ما زال يستند للخمسينات، خطاباً يستند على أنّ العلاقة بين دول العالم مبنية على الصراع والتنافس. نحن نرى ونعتقد أنّ عالماً جديداً بدأ يتشكل منذ انهيار المنظومة الاشتراكية، وهو عالم يخطو بخجل نحو الانسجام، وهذا استحقاق تاريخي أيضاً. عالم عمره ربع قرن تقريباً.. عالم يحمل تركة ثقيلة من حربين عالميتين وحرب باردة استمرت ما يقارب النصف قرن تقريباً. وهذا العالم الذي يحبو وببطء.. يفسر لنا المواقف غير المنسجمة وغير المتوافقة مما يجري في بلادنا.
نعود للداخل لأنه الأساس، ولأنه المكان الذي من الضرورة تسليط الضوء عليه :سؤال يؤرقنا ونسمعه من غيرنا من السوريين، نحن الذين في الداخل: من أعطى هذه الجهة أو تلك تمثيلنا؟  هل يريحنا من يقيم في الخارج وهذا حقه، الاقامة من حقه.. هل يريحنا من إدارة شؤننا من الخارج..؟  هل نستطيع نحن من ندعي طلاب التغيير الديموقراطي، ونتطلع لمستقبل إنساني لبلادنا، هل نستطيع أن نفهم ونتقبل بأن قاطرة التطور الانسجام والتوافق وليس الصراع والمؤامرة هي التي ستسير؟
هل نستطيع أن نقبل أننا جميعاً ثمرة التشويه الذي طال بلادنا منذ 1958 وحتى اللحظة؟ فقد كان العام .1958 بداية التأسيس لاستبداد وعنف الدولة الممنهج والمدروس جيداً، والذي أنتج ما سمي نقيضه والذي هو على شاكلته؟ هذه هواجسنا… وإن تجرأنا أكثر نقول : هذا شيء من جنوننا.. مع احترامنا لكل الآراء.
حنطة العدد عشرين12

برومو الشهيد ناجي الجرف