ملف

كلام في إعلام المعارضة السورية

مصطفى عبدي

1
تعاني «المعارضة السورية» من الكثير من المشكلات، منها ما هو بنيويّ، ومنها ما هو تنظيميّ إلى أيديولوجيّ، وغياب خطاب إعلاميّ واضح لهم، وبقائهم في حالة «تغريبة إعلامية» وقطيعة. فالفوضى في مصادر المعلومات وغيابها في الكثير من الأوقات، يساهم في نقل صورة مشوهة عن مجتمعنا وحقيقة الأحداث التي تجري على الأرض، حيث تبحث الوسائل الغربية أو العربية عن البديل «شخص» ينقل لها الحدث، لتصبح وجهة نظره هي التي تشرح وتنقل الحدث وفي الكثير من الأوقات.
الكثير من المناطق في سورية باتت ساحة ساخنة لأحداث مهمة، سواء أكانت من ناحية التطورات العسكرية، أم الإنسانية. ورغم حالة الامتعاض -وخاصّة بين المثقفين من تجاهل الإعلام الاجنبي لأحداث الثورة السورية، وتراجعه عن الاهتمام بها، وتغطيتها- إلاّ أنه وفي الاتجاه الآخر، نتجاهل تماماً بأنّ الجهات التي تدير تلك المناطق تضع الكثير من العراقيل أمام تلك الوسائل حينما تطلب تصريحاً بالدخول إليها، وحتى بعد «التغطية» تُعمم بأن يكون «التقرير المعد» متطابقاً مع «أجنداتها» وأن تغض النظر أحياناً عن الأخطاء أو الأخبار التي «لا تناسب مقاييسهم».
مناطقنا «مغلقة إلاّ أمام الإعلام الرسمي الخاص بالقوة المسيطرة»، حيث اعتقل ووبخ وطرد العديد من مراسلي المحطات والقنوات، وتمّت تصفية واعتقال الكثير من الإعلاميين. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يتمّ «احتكار» مراسلي المحطات والتلفزيونات الأجنبية حينما «يُقبل بدخولهم إلى منطقة ما»، فتكون حريتهم مقيدة في العمل وتغطية الأحداث الدائرة في المنطقة، إلاّ بحسب الجهة أو الفصيل العسكري الذي يسيطر على هذه المنطقة. لذا فإنّ هذا المراسل الغريب، الذي لا يعرف شيئاً عن الخارطة السياسية أو الاجتماعية في المنطقة، سيقوم بنقل أخباره، ومتابعاته بشكل «ضيق» ولن تلقَ الصدى المرجو منها.
2
في متابعة المواقع والوسائل الإعلامية الخاصة بالمعارضة، نجد أنّ غالبها «مدونات» وتلفزيونات مُأدلجة، وغالب المنشور فيها يعتمد على «اجتهادات فردية»،و«متابعات مكتبية» تهدف ليس لنقل أخبار «البلد» و«مآسي الناس» بقدر ما تعمل على «التحفيظ النفسي» و«الدعم المعنوي» و«ملء الصفحات» أو تغطية فقرات البث، لذا فإننا «دائماً وفي أي حرب منتصرون» و«مدننا بحسب إعلامنا» تعيش رخاءً وازدهاراً، ومنجزات لا تنتهي،  فيضيع المتابع، أو القارئ أمام صورة الأحداث ومجرياتها في «الشاشة»، وبين ما يحدث على الأرض، سواء أكان «معركة» أو «حالة مجتمعية». فالوسائل الإعلامية الحالية تفتقر إلى «مصادر الأخبار»، وهي مليئة بالمغالطات والتناقضات، لذا فإن «صفحة فيس بوك لناشط» باتت تضاهي في محتوياتها الخبرية أكبر وسيلة إعلام وتتجاوزها قراءة، أو مشاهدة.
هذا إلى جانب أنّ الخلافات بين الأطراف السياسية والعسكرية في المعارضة، وارتباط الإعلام بالجهة الممولة / الحزب، هو الذي يُشكّل فيصلاً في تماهي دور الوسيلة مع قدرتها في أن تكون مع «الناس» وليس مع «السياسة» ولعلّ لذلك أيضاً دوره الكبير في أن يكون «الخلاف بين الوسائل الإعلامية كبيراً»  بذات الخلاف بين «أحزاب وشخصيات المعارضة» والذي ينعكس في الحالة على «الشارع» و«المجتمع».
3
إعلام المعارضة لم يستطع مراعاة العلاقات، وتنميتها ولم يستطع طمأنة الأقليات ومكونات المجتمع السوري، ولم يعمل على إيصال رسالة الإعلام ونظرة ودور الفصائل المعارضة في الداخل ورؤيتها إلى جانب تجاهله العمل على تنمية حسن الجوار والعلاقات التاريخية وعلاقة الدم؛ ولم يعمل على طمأنتهم بل نجده يزيد من الاحتقان الديني، والقومي، والطائفي. ويُلغي «الآخر» باستخدامه خطاباً «سياسياً» متعنتاً، بعيداً عن أيّ عمق استراتيجي، برسائلَ تهديدٍ بدل تهدئة. لتصبح لغة «العنف» هي «خطاب الإعلام»، كنسخة معدلة عن خطاب إعلام النظام، وليتمّ تسخيره خدمةً للأهداف النبيلة للثورة السورية، فضاعت معه «الرسالة» لتصبح أداة مطيعة ليس أكثر، في وقت نحن فيه الأحوج إلى كل الشركاء والمكونات السورية، وأن يكون إعلامنا هو الوسيلة الأنجع لاختراق حالة القطيعة، والكراهية، والفتنة التي روّج لها النّظام وإعلامه بضياع فرصة «الأخلاق في الإعلام»، وهذا مردّه غياب أيّ أفق أو رؤية صحيحة للقائمين على المؤسسات الإعلامية، فغالبهم يعلمون من منطلقات «شخصية» تخدم الأجندة الحزبية الضيقة وليس القضية أو المجتمع.
لو أخذنا المعيار الغربي لمقاربة الإشكالية بين الإعلام والأخلاق سنجدهم قد تجاوزوا مسألة أنّ الإعلام هو مجرد عامل من عوامل التغيير التي تساهم في قلب موازين القوى أو تثبيتها. بل غدا العامل الرئيس الذي تتجلَّى فيه وبواسطته العوامل الأخرى الأمنية والاقتصادية والسياسية وسواها.
لقد أصبح المعلِّق الصحافي والمراسل بالنسبة إلى المشاهد أو القارئ كمن يأتيه باليقين المفقود، بل ومصدر طمأنينة حتى بالنسبة إلى المتابع الذي تدور الأحداث في منطقته، لذا فإنه من المهم أن يكون الخبر، ومحرره متمتعا بالكثير من الدقة والصدق، أو سيصبح مجرد بوق آخر لا يسمع خطابه احد.
4
المطلوب: الشفافية، وبناء إعلام مؤسساتي يكون بمثابة وكالات أنباء وTVوFM باللغة العربية، والانكليزية وغيرها، ينقل «حقيقة الأحداث» وليس «الأجندات»، ينقل «معاناة الناس» وليس «توزيع سلة اغاثية»، ينقل هموم وآمال الناس وليس «مهرجانات ومؤتمرات المعارضة وصور الزيارات» إلى الداخل والعالم بلغة العالم، ومهنية الإعلام وروحه.
حنطة العدد عشرين13

برومو الشهيد ناجي الجرف