ع البيدر

فراس طلاس على بيدر حنطة

حاوره محمد الجرف

-لدي قناعة بأنه لا يحق لمن كان جزءاً من النظام أو قريباً منه أن يكون في أي موقع قيادي في سورية المستقبل ومن الطبيعي أن أنفذ قناعتي هذه على نفسي.
-هشاشة الشعور بالانتماء الوطني ليست نتيجة ما يجري في سورية بل الأرجح أنها كانت سبباً له.
-رؤيتنا تقوم على ثنائية التنمية والتمثيل.
-الشكل الأمثل لنظام الحكم المأمول هو نظام نصف رئاسي مع قانون إدارة محلية عصري.
-نحن نعيش عدة ثورات لا تشبه بعضها وكأنها ثورة واحدة.
الثورة منحتني الفرصة لأصوب مسار حياتي، وأنتقل للضفة التي أفخر بالانتماء إليها، وأشعر أني خرجت رابحاً من هذه المقايضة.

• في 9 نيسان الماضي، كتبتَ بوستاً على موقع التواصل الاجتماعي تقول فيه «أُعلن أنّي انضممتُ إلى مجموعة من الشباب والصبايا، وسينضمُّ إلينا الكثير من السوريين الذين وضعوا همّ بلدهم فوق كل اعتبار، وآلوا على أنفسهم العمل حتّى وصول بلدنا إلى شطّ الأمان، والوصول إلى مؤتمر سوري عام بتمثيل حقيقي من السوريين». وكان هذا البوست هو الإعلان عن ولادة تيار «الوعد السّوريّ»، كيف تصف التيار، ولماذا لم يكن حزباً، وأين موقعك الحقيقي منه؟
•• تيار الوعد السوري وصف نفسه في بيان تأسيسه، وفي رؤيته السياسية، وفي كل ما صدر عنه من وثائق وبيانات، ولا أقول جديداً حين أقول، بأنه تيارٌ وطنيّ تنمويّ يؤمن بسورية موحدة ديموقراطية، ويأخذ على نفسه تخفيف آثار الحرب على السوريين من خلال إعادة تدوير عجلة الحياة وخلق مشاريع تنموية، خصوصاً في المناطق التي تشهد فوضى كبيرة، وهدفنا النهائي هو الوصول لشكل تمثيلي حقيقي، يُمكّن السوريين في لحظة ما من الوصول لمؤتمر وطني عام يُؤسّس لسورية جديدة.
طبعاً يدرك تيار الوعد السوري أن الطريق شاق وطويل، ولذلك وضع التنمية وسيلة حتمية لعبور هذا الطريق، لأن حياة ومعيشة السوريين هي الواجب الأول لكل غيور على سورية ومحب لها. وقد يبدو أن كلمة تنمية غير واقعية في ظل الظروف التي تزداد سوءاً كل يوم، لكن كل من يعرف السوريين، يعرف أن أكبر مساعدة يمكن أن تقدمها لهم هي فرصة العمل لا المساعدة المباشرة، وأنه يصعب عليهم تلقي المال أو المواد الغذائية، لكنهم سيكونون أكثرُ رضىً إذا ما فتحت لهم الفرصة ليعملوا وينتجوا مهما كانت الظروف، والمشاريع التنموية التي نستعد لإطلاقها متناسبة مع الظروف وهي واقعية ومجدية، وحين يتم الإعلان عنها سيدرك الناس ما معنى التنمية التي نقصدها.
أما لماذا لم يكن حزباً، فببساطة لأنه ليس حزباً، هو طريقة تفكير أكثر مما هو تنظيم، هو السير باتجاه محدد يمكن أن تلتقي فيه مع آخرين قد لا تتطابق معهم بالضرورة، ولأقل لك الفكرة بطريقة أخرى: أنت تسير في طريق ويمكن أن يسير معك شخص يمسك بيدك ويسير بنفس سرعتك ووقع خطواتك، وأيضاً يمكن أن يسير شخص آخر لا تعرفه ولا يعرفك، يتأخر عنك وتتأخر عنه، لكنه يستمر بالسير بنفس الاتجاه ولنفس الهدف، الشخص الأول هو رفيقك في الحزب، والثاني هو شريكك في التيار.  أما موقعي ودوري في التيار، فأود أن أقول أنّ تيار الوعد السوري استطاع أن يمتلك شخصيته المستقلة، وبدأ يُولّد مؤسساته وقياداته، وقد قلت سابقاً أنني مقتنع بأنه لا يحق لمن كان جزءاً من النظام أو قريباً منه أن يكون في أي موقع قيادي في سورية المستقبل، ومن الطبيعي أن أنفذ قناعتي هذه على نفسي، فالتيار له قياداته ومؤسساته، ودوري منذ اللحظة الأولى لولادة الفكرة هي مستشار التيار، وكي أكون واضحاً أكثر، فقد كان لي دور في تأسيس التيار حين التقت أفكاري وأفكار مجموعة من السوريين ومعظمهم من الشباب، عملنا معاً لتصبح أفكارنا واقعاً، ونعمل معاً الآن لتوسيع التيار وإطلاق المشاريع والبرامج، ولكن في كل المراحل لم يتعدّ دوري تلك الصفة التي قلتها لك، أي المستشار.
• طرح «تيّار الوعد السّوريّ» في أولى بياناته العمل على «خلق الوعي بالهوية السورية بوصفها انتماء» وعلى «استعادة قيم رواد الاستقلال السوري». كيف ترون الهوية السّورية الآن في ظلّ هشاشة الشعور بالانتماء الوطني بعد أكثر من ثلاثة سنوات على بداية الحراك، وأكثر من أربعين عاماً من محاولة «صهر» المجتمع السّوري في بوتقة واحدة؟ من جهة ثانية، كيف يمكن ربط هذه الهوية بالقيم التي ناضل بها ولها رواد الاستقلال السوري؟
•• هشاشة الشعور بالانتماء الوطني ليست نتيجة ما يجري في سورية، بل الأرجح  أنها كانت سبباً له، وأنا أرى أننا لم نمتلك كسوريين شعوراً عميقاً بالهوية الوطنية، وإلاّ لما كنا وصلنا لما نحن فيه اليوم، ورجالات الاستقلال الذين نرفع شعار استعادة قيمهم، كانوا أصحاب مشروع يقوم أولاً على بناء هوية وطنية جامعة، وسريعاً ما جاء زمن الانقلابات العسكرية ليطيح بهذا المشروع قبل أن يتاح له التشكل. وما ننادي به الآن هو العودة للحالة الوطنية التي سادت صبيحة الاستقلال، حيث أفرزت الحالة السياسية رجالاً مؤمنين ببلدهم وبطاقات شعبهم، متطلعين لسورية ديموقراطية تعددية، تعيش قيم العصر وتعمل وتنتج.  ولو راجعت أدبيات الأشهر الأولى من الثورة، لشعرت أنها محاكاة للصورة المرسومة في وجداننا لعام 1946. بلاد فتية تستعد لبناء اقتصادها وجيشها ومؤسساتها الديموقراطية بإرادة أبنائها.
• قُلتَ –في بوست آخر على موقع التواصل الاجتماعي- أنّ الهدف الأساسيّ لتيّار «الوعد السّوريّ» هو طرح خارطة طريق تُتيح لكلّ السّوريين العيش معاً في وطن يُشْبههم (إلاّ القلّة القليلة جداً بحسب وصفك)، حبّذا لو تُعطينا فكرة عن خارطة الطريق المأمولة، ومن تقصد بالفئة القليلة المستثناة منها؟
•• باستثناء النظام وتنظيم «دولة الإسلام في العراق والشام» (والنصرة بالنسبة لي مجرد يرقة داعشية في طريقها للتحول) فإن سورية المأمولة هي مكان رحب يتسع للجميع. وخارطة الطريق التي يرسمها الوعد تم الحديث عنها كثيراً، ولا أريد تكرار ما قيل لكنها تقوم باختصار على ثنائية التنمية والتمثيل. والتنمية بمعناها الواسع الذي يعني خلق فرص للحياة وإطلاق مشاريع وتعاونيات ويعني تحسين آلية الإدارة المحلية وتسيير حياة الناس اليومية، وخلق آلية واقعية للتمثيل تبدأ من المناطق الصغيرة إلى الأكبر فالأكبر.
– برأي فراس طلاس، ما هو الشّكل الأمثل للدّولة السّورية العتيدة، وما هو أفضل نظام سياسيّ وإداريّ ممكن لإدارة «التنوع الهائل في المجتمع السّوريّ»، هذا التنّوع الذي يحمل على ضفتيه ثنائية (النعمة/النقمة)؟
ـ هناك عدة مستويات لهذا السؤال، فحين تقول الشكل الأمثل للدولة، فالسؤال يتضمن المأمول والواقعي، الحلم والمتاح، يتضمن أيضاً الحدود الجغرافية ونظام الحكم رئاسي أم برلماني، وفيدرالي أو لا مركزي أو مركزي. سورية بحدودها الحالية هي الشكل الوحيد الذي يُؤمّن تنوع الموارد الكافية للقيام بأعباء الدولة، ولو نظرنا إلى خارطة المياه وحقول النفط والأراضي الزراعية ومحطات توليد الكهرباء والمطارات والموانيء ومراكز الصناعة وغيرها، لوجدنا بان أي حديث عن تقسيم سورية أو اقتطاع أجزاء منها أو إقامة حكم ذاتي، هو أمر غير ممكن اقتصادياً وتنموياً، فحيث يوجد النفط لا يوجد توليد كهرباء، وحيث يوجد القمح لا يوجد صناعة، وحيث يوجد مياه لا يوجد جامعة ومطار ، وهكذا.
بالنسبة لنظام الحكم فإن الشكل الأمثل المأمول هو نظام نصف رئاسي مع قانون إدارة محلية عصري، فلا أرى فرصة واقعية لنظام برلماني يؤدي دوره بكفاءه وإنما برلمانات محلية، فالتنوع والتعقيد في البلد لن يتيح إنتاج كتلة برلمانية أكثرية، وبالتالي فأي حكومة ستنتج عن انتخابات ديموقراطية ستكون حصيلة تحالف بين كتل برلمانية عديدة، مما يجعل البلاد دائماً عرضة لشلل العمل الحكومي.  ونظام الإدارة المحلية الذي نحتاجه يجب أن يتيح للمناطق إدارة شؤونها الذاتية بآلية تمثيلية حقيقية، وهذا الموضوع المعقد جداً موجود في عقلي بشكل كامل ويحتاج لجلسات حوار طويلة..
• كيف يُقيّم فراس طلاس العمل المُسّلح ضد النظام بعد ثلاثة أعوام على تبنيه كاستراتيجية (وحقيقةً كإيديولوجيا) لمحاربة النظام السّوريّ؟
•• هناك فارق كبير بين أن أقيّم العمل المسلح، وبين أن أقيّم هذا العمل المسلح.  فالعمل المسلح هو استراتيجية لجأت إليها الكثير من الثورات عبر التاريخ، نجح بعضها وفشل بعضها، ولكل بلد ظرفه الخاص، أما هذا العمل المسلح فلا يحتاج لتقييم مني، والجميع صار على دراية بكم الأخطاء الذي رافق مسيرته، وعلى رأسها الفوضى والتشتت، وألاعيب المال السياسي، ومسخرة الدعم الدولي. ولكن أودّ أن أوضح أن العمل المسلح لم يكن سوى خياراً  اضطرارياً، ولم يكن إيديولوجيا، بل جاء كخيار من لا خيار له، والأشهر الأولى من الثورة شاهدٌ على أن خيار السوريين لم يكن العمل المسلح.
• كيف ينظر فراس طلاس لحال «الثّورة السّورية» بعد أربعين شهراً على انطلاقها، هل ما زالت حيّة، هل ماتت، هل انطفأت جذوتها وتحولت لمجرد صراعات عسكرية بين عدّة مجموعات مسلحة؟
•• أظن أنه صار من واجبنا الاعتراف بأننا نتحدث عن عدة ثورات لا تشبه بعضها وكأنها ثورة واحدة، فما العلاقة –مثلاً-  بين غياث مطر، وأبو صقار، وأبو بكر البغدادي؟ نحن نتحدث عن ثلاثة أنماط مختلفة لا رابط بينها سوى أنها تتابعت زمنياً في منطقة واحدة وضد عدو واحد، ولكن ما يبقي بصيص الأمل في هذا النفق المظلم، هو أنه -ورغم كل ما جرى- فما زال هناك ملايين من غياث مطر، هم محبطون الآن، وصامتون، ويائسون، لكن بذرة الثورة السورية ما زالت داخلهم،  وإيماني أنهم هم الرافعة الحقيقية لسورية عندما يحين الآوان .
• لنعد قليلاً إلى الوراء، من المعلوم أنّ والدكم السيد العماد مصطفى طلاس، كان من أكبر الدّاعمين لتوريث بشّار الأسد رئيساً للجمهورية في العام 2000، وأنت منذ فترة قلت بأنك كنتَ «تُحبّ» حافظ الأسد. بالتأكيد حدثت تطورات كثيرة بعد ذلك، انشقاق شقيقكم العميد مناف طلاس، وأحاديث كثيرة، وأقاويل طاولت العائلة، كيف تنظر الآن إلى تلك الفترة؟
•• قلت سابقاً، وأكرر ما قلت بأنني لست في موضع الدفاع عن تاريخ العماد مصطفى طلاس، هو كان جزءاً من مشروع، في مرحلة حساسة، ومهما قلنا عن جيل حافظ الأسد فقد كانوا مجموعة من السوريين لديهم تصورهم عن سورية، عملوا جاهدين لتحقيق هذا التصور، كيف انحرف عملهم عن إيمانهم الذي بدأوا فيه فهذا الموضوع تدرّج وتغيّر.  وصدقني، منذ ثلاثة أعوام كنت ألومهم أكثر بكثير من الآن، لأنني شاهدت كيف ينحرف الجميع عن قناعاتهم، كانوت يعتقدون أنّ ما يقومون به هو لمصلحة سورية وتعزيز مكانتها.  وكي لا أبدو  وكأنني تجاهلت جزءاً من سؤالك، فما زال حافظ الأسد يثير إعجابي بطريقة ما، وأكرهه جداً بطريقة أخرى، يثير إعجابي لأنه انسان ذكي جداً وقيادي جداً، وأكرهه جداً لأنّه كان بإمكانه أن يبني مستقبلاً رائعاً لسورية، ولكنه – بدلاً من ذلك- بنى لها مستقبلاً أسوداً.
• بعيداً عن السياسة وأجوائها، كيف يحيا فراس طلاس حياته بعيداً عن «معشوقته» دمشق، ومالذي جعلك تتراجع عن رفضك لفكرة القيام بأي عمل خارج سورية؟.
•• أعيش خارج دمشق لكنها لا تعيش خارجي، وفي كل لحظة من حياتي خارج دمشق أنا اتحدث مع شخص موجود في دمشق، أو قادم من دمشق، أو أجلس مع أجنبي لأحدثه عن دمشق التي أُؤمن بعودتي إليها كإيماني بأن الشمس ستشرق غداً.
بالنسبة للعمل، فكل ما كنت أملكه سابقاً كان موجوداً في سورية، وقد خسرته كله، وأعيش الآن في بيت مستأجر لأني مؤمن بأنني عائد إلى دمشق، وأنا منذ سنوات طويلة ألزمت نفسي بمسؤوليات تجاه كثيرين، وكان لا بد من العمل كي أستمر بالقيام بمسؤولياتي، كما أنني مؤمن بأن خير ما نفعله لبلدنا الآن، هو أن يعمل كل منّا، أو يدرس، أو يُطور خبراته، ففي لحظة ما سنعود لبلد مدمر  يحتاج لعقولنا وخبراتنا وأموالنا، وسنبنيه معاً، وإن لم نعمل فلن يكون لدينا ما نبني به بلدنا، الخبرة التي يكتسبها محررو مجلتكم في المنفى الآن ستحتاجها سورية، والعمل الذي أبنيه الآن ستحتاجه سورية.
• أبو مصطفى، كلمة أخيرة؟
•• الثورة السورية بالنسبة لي كانت أكبر مقايضة يمكن أن أحظى بها في حياتي، لقد خسرت شركتي ونفوذي وبلدي وبيتي وملكيتي، وكسبت بالمقابل معرفة سورية بشكل عميق، ومعرفة سوريين حقيقيين أعتز بهم وبأني عرفتهم يوماً، ومنحتني الفرصة لأصوب مسار حياتي وأنتقل للضفة التي أفخر بالانتماء إليها، وأشعر أني خرجت رابحاً من هذه المقايضة.

حنطة العدد عشرين14 حنطة العدد عشرين15 حنطة العدد عشرين16

برومو الشهيد ناجي الجرف