حصيدة

ليس للطفولة غير لغتها.. الأطفال ينتمون للأغاني

عباس علي موسى

صحيحٌ أنّ الكبارَ هم من يصطنعون الخلافات ويزرعونها في نفوس الأطفال، لكن ثمّة من يعملُ على نزعها من هذه النفوس البريئة أيضاً. إنّ فكرة الحزب الواحد والأب القائد وطلائع البعث الذين سيبنون بلادَ السعادة للبعث الأبي أثبتت تشويهها لنفوس أجيال عديدة منذ عهد الأسد الأب إلى ما قبل الثورة التي كسرت أول ما كسرت هذا الانسياق صوبَ الفكرة الأبوية التي كرّسها البعث ودعاته وزرعوها في كل ركن من أركان حياتنا، فلقد تربّت أجيالٌ كثيرة وهم يهبون الشجرة الأولى التي يزرعونها للأب القائد، ويهدون أول طلقة رصاص يطلقونها في صفوف الفتوة في المرحلة الثانوية إلى صدر العدو الغاشم!
مع هبوب نسائم الحرية وانكسار الجدران حول قلعة الصمود والتصدي، وبين ركام الدّمار الذي تركته آلة القتل، نمت على أنقاض هذه الجدران زهور متسلّقة صوبَ الأفق.
في تجربة جديدة وجديرة افتتح نادي كنار «Kenar kids club» نجدُ كيف أنّ الأطفال ينتمون إلى طفولتهم متجاوزين حاجز وهاجس اللغة ومعها كتحصيل حاصل للفكرة القومية، لأول مرة ستتفاجئ بالأطفال وهم يدندنون أغنية كردية بإتقان مع مدرّسهم، بل إن الوصف الأجدى لمدرسهم هو صديقهم، كان من بين الأطفال من هم من مدينة حمص وحلب وديرالزور يتقنون الأغنية كردياً،  المشهد صادمٌ بقدر ما سيسعدكَ. إذن، بإمكاننا أن ننتمي إلى أوطانَ بدون أن نلغي لغة الآخر.
إنّ اللافت في هذا المشهد ليس فقط كون الأغنية بالكردية؛ اللغة التي منعها البعث لأكثر من أربعة عقود، بل اللافت والجميل هو كون الأطفال ضمن جدران النادي منتمين للطفولة والطفولة فقط، يغنون بالكردية والعربية وبكل اللهجات التي يتكلمها الأطفال دون أن يقف رقيبٌ ما، ويكمّ أفواههم.
يقول الأستاذ كنان حسن صاحب فكرة المشروع، ومدير النادي: «مع أنّ أرباب الأطفال وعائلاتهم ينتمون إلى تيارات سياسية ومرجعيات مختلفة دينية وقومية، ولغات ولهجات مختلفة، إلاّ أن النادي يرفع فيما بينهم كل الحواجز كي يكون الكلُّ مع الكلّ، لأن الطفولة هي ذاتها انتماء، ونحن في النادي نعمل على تأصيل هذا الانتماء».
كنان حسن يصفُ تجربة النادي على أنّها هي الأولى في المنطقة: «ففي دول الجوار لا توجد مثل هذه التجربة، فقط سنجدُ مثيلاً لها في لبنان ودبي، ونحنُ بإمكاناتنا البسيطة استطعنا النهوض بهذه التجربة بدءاً من مدينة قامشلي، وسنفتتحُ شيئاً فشيئاً فروعاً أخرى في المدن والبلدات الأخرى في الجزيرة على أمل تعميم التجربة في عموم سورية».
تقوم فكرة النادي على نظامٍ مدروسٍ بعناية إذ لا يوجد لها منهاج معيّن ولا كتب ولا تكليف لوظائف منزلية للأطفال، بل يقوم كامل المنهاج على مبدأ التفاعل بين الأطفال ومادة الرسم مثلاً أو الموسيقا واللغة، فكل فكرة أو درس هي عبارة عن حلقات دردشة ومناقشات.
مع الأطفال ذاتهم، وهم من يختارون عن طريق التوجيه غير المباشر من المرشد/ة النفسي/ة والآنسة أو الأستاذ المواضيع ويعملون عليها، وثمة خطة عمل للنادي تتضمن أربعة مراحل كل منها أربعة أشهر، وللأطفال من عمر الأربع سنوات إلى اثني عشر عاماً تشبه بذلك الفصول الأربعة، تكون الفترة الأولى هي فترة اكتشاف للمواهب للعمل عليها لاحقاً في المراحل الأخرى، في المراحل الأخرى يكون هناك تركيز على مواهب الأطفال مع عدم حرمانهم من المواهب الأخرى، فالطفل مُحبّ الرسم يحضر جلسات العزف والغناء أيضاً.
يجري تعليم الأطفال على أداء الأغاني وتدريبهم عليها أداءً وموسيقا عن طريق تعلّم النوتة الموسيقية وفي حصة الرسم يكون لدور مدرسة الرسم والمرشد/ة النفسي/ة كبيراً حيثُ يكون الرسم تفريغاً للشحنات ومعالم عن الانكسارات النفسية في العائلة، فالمجتمع عن طريق العائلة والأبوين بخاصة يحاول جبل الطفل على شاكلته، وبالتالي تنمية نسخة عنه في جميع أفكاره وتوجهاته، تقول الآنسة سلالة المرشدة النفسية في النادي: «إنّ الرسوم هي مرآة وصدى لنفسية الطفل ومعاناته الشخصية وتأثير العائلة فيه، فالطفولة يجب أن تنمو كلبلابٍ وتتسلق دون أن تكبح جماحها بعد أن تدلّي لها خيط الحقيقة الحياتية التي ترشده دون أن تتدخل في خياراته بطريقة مباشرة ليحس الطفل بالحرية ويحلّق عالياً في طفولته».
ومن الحالات التي أثّر فيها برنامج النادي إيجاباً الطفل أحمد دارا الذي تُحدّثنا عنه أمّه حين التقيناها: «كان أحمد طفلاً انعزالياً قبل الآن وكونه الطفل الوحيد للعائلة فقد كان يأخذ مجده في إطار المنزل أو منزل جده إلاّ أنّه لم يكن يستطيع التآلف مع الضيوف أو الغرباء ولم يكن يخرج إلى الشارع ولا الاندماج مع الأطفال في الروضة التي ارتادها لمدة سنتين. لم يستطع تجاوز هذه المشكلة، ولم يندمج مع محيط الأطفال، الأمر الذي اشتكين منه آنساته، لكن الآن وبعد التحاقه بالنادي صار يستطيع الغناء، ويجلس في الغرفة ويرسم لأوقات طويلة ويحكي لي عن رسوماته، فنحنُ نعتبر مجرّد إمساكه للقلم إنجازاُ كبيراً فما بالك بالأغاني والرسم واندماجه مع الأطفال».
مع الأطفال تغدو الرسوم بديلة عن الشحنات التي يكتسبونها من الشارع، أو أصوات الرصاص أو الانفجارات بين كل فترة وأخرى، أو الأحداث السياسية التي تُلقي بظلالها على الأحاديث العائلية وحتى أحاديث الأطفال بطريقة أو بأخرى، تقول الآنسة سمية وهي آنسة الرسم في النادي، «أشعر بالأطفال وهم يرسمون كيف أنهم يعكسون مشاعرهم ومشاكلهم على رسموماتهم، فالأطفال الذين يعانون من مشاكل بين الوالدين تكون رسومهم مليئة بالألوان السوداء والأطفال الذين يشاهدون العنف بأعينهم سواء في المنزل أو الشارع تكثر في رسومهم الألوان الحمراء، لكن هذه تبقى ملاحظات أولية يتم رصدها ومقارنتها مع الوضع العائلي للطفل وتفسيرها على ذلك الأساس بعد أن تتم المناقشة مع المرشدة النفسية، ويتم اقتراح الحلول أيضاً على أساس دراسة حالات الأطفال».
يقوم النادي من ناحية التمويل على عاملين اثنين الأول هو الدعم المادي الشخصي من كنان حسن الذي يقول: «إن من يحمل فكرة جديدة وجديرة كفكرة «Kenar kids club» عليه أن يقضي ستة عشر سنة في الغربة هي الفترة التي قضيتها في كازاخستان وتعاملت فيها مع دور الأيتام واللقيطة وكسبت مهارات ومعارف وتعرفت على التجربة الفنلندية  السباقة في مجال النوادي والتعامل مع الأطفال.
بعد عودتي، وبعد أن تبنّيت فكرة النادي وعملت عليها على أرض الواقع ابتداءً من شباط 2014، واجهتني العديد من المشاكل، لدرجة أنني بعد أشهر من ذلك عزمت على التراجع والعودة إلى غربتي، إلاّ أن الهاتف الذي كان يرنّ كان يُسمعني صوت الأمهات وهن يُثنين على العمل ويسألن عن أطفالهن، والعبارة التي تروادني وتدفعني قُدماً إلى الأمام كانت عبارة سمعتها من أم أحد الأطفال ألا وهي: «ماذا فعلتم بأطفالنا» عندها ارتعدت لكنها استدركت وقالت لقد سحرتم أطفالنا فهم لا يتحدثون إلاّ عن النادي، لأجل ذلك لم أبخل على النادي بمالي الخاص الذي جمعته في غربتي، إضافة إلى خطة اقتصادية تسعى إلى تمويل النادي ذاتياً، حيث نأخذ من الأطفال رسوماً رمزية تتضمن 2000 ل.س دون أن يتضمن ذلك اليتامى والفقراء الذين لا يستطيعون الدفع بعد معرفة عدم قدرتهم بالفعل على الدفع. وهذا المبلغ يقسّم إلى أقسام بعد أن قمنا بدراسة اقتصادية للاستفادة من المبلغ بحيث يخصص منه جزء يتضمن حتى المساعدات الدوائية للأطفال المحتاجين لأدوية نوعية نقوم على تأمينها».
وسط الفوضى العارمة التي خلّفتها الأحداث المرافقة للثورة، كان الأطفال ضحية ولا يزالون، فضلاً عن التشوّهات التي تركها النظام في الأجيال السابقة والتي أثّرت في الطفولة، الأطفال في سورية يتعرّضون للتشوّه النفسي في المناطق الساخنة، إذ يمُضون يومياتهم مع أصوات الرصاص والقصف اليوميّ، ومن يمكث في المناطق الهادئة النسبية يتعرّض للضغط المترافق مع حديث الشارع، وسط هذا الضغط تنمو مشاريع صغيرة وتكبر مع أصوات الأطفال وهم يغنون، «Kenar kids club» يعملُ بخطى ثابتة ويمضي بعمله دون أن يقيّد خطاه بقيود الأطراف، في النادي انتماءٌ للطفولة فقط، فالطفولة أيضاً انتماءٌ.
حنطة العدد عشرين18 حنطة العدد عشرين19

برومو الشهيد ناجي الجرف