حصيدة

الكهرباء باتت من ذكريات سكان ريف اللاذقية المحرر

مكتب اللاقية – طارق الهادي

قطع النظام  الكهرباء عن قرى الرّيف المحرّر في محافظة اللاذقية منذ بداية الثورة التي ترافقت مع تحرير جبلي الأكراد والتركمان مع نهاية عام 2011 على أيدي أهالي المنطقة المنتمين إلى الجيش الحر، الذين قطعوا خط إمداد النظام من محافظة اللاذقية إلى محافظة إدلب بقطع أول اتستراد دوليّ في سورية.
قطع الكهرباء كان بمثابة العقوبة الأولى لأهالي المنطقة التي احتضنت الثورة، ومدتها بأبنائها وأموالها لإجبارهم على التخلي عن الثورة أو هجر منطقتهم واللجوء إلى المخيمات، أو المصالحة مع النظام، لما للكهرباء من أهمية كبرى على حياتهم اليومية والاقتصادية، واعتمادهم عليها في كل نواحي الحياة.
فمياه الشرب وري الأراضي الزراعية والصناعة البدائية وورش التصليح والمتاجر تعتمد بمجملها على الطاقة الكهربائية.
ومعظم القرى كانت تعتمد على الكهرباء للتزود بمياه الشرب من الآبار المنزلية، لا سيّما تلك التي لم يمد لها النظام شبكة مياه، أما القرى المزودة بشبكة مياه فكانت  تعتمد مضخاتها على الطاقة الكهربائية لضخ المياه إلى خزاناتها التي توزعها على المنازل.
العجوز أم عيسى في جبل الأكراد قالت: منذ ثلاث سنوات لم تجرّ المياه بحنفيات المنزل، ولم أنظف منزلي بشكل جيد، وأرضه قذرة وأعتمد على أطفال القرية للتزود بالمياه التي يحضرونها لي بواسطة العبوات البلاستيكية من عين ماء القرية، والذي يبعد عن منزلي أكثر من 2 كيلو متر، وأنا عجوز لا أستطيع الذهاب إلى العين فجزاهم الله كل خير.
أما الموظف بمديرية المياه ببلدية سلمى سابقاً قبل انشقاقه، والمسؤول عن محطة مياه وادي الأزرق حالياً، فقد قال والحزن بادٍ على محياه:  قطع النظام الكهرباء عن قرانا منذ ثلاثة أعوام، ولم نتمكن من ضخّ المياه إلى قرى سلمى ودويركة، من حينها والقرى تعاني من نقص كبير بمياه الشرب نتيجة لذلك، وقد تبرعت لنا جهة خيرية بمولدة واستبشر الأهالي خيراً بإمكانية تزويد القرى بالمياه ولكنها كانت من نوع رديء، فلم تعمل سوى أيام قليلة وما زلنا من حينها نسعى لتوفير طاقة كهربائية بديلة ولم نستطع، ولم يعبأ المجلس المحلي للمحافظة بنا رغم توفر الأموال لديه، وتوفر المولدات في الأسواق.
انقطاع الكهرباء أدّى إلى توقف العجلة الاقتصادية في المنطقة كلها، حيث تراجعت الزراعة بنسبة كبيرة نتيجة عدم تمكن المزارعين من ري مزروعاتهم السنوية، أو الأشجار المثمرة طيلة ثلاث سنوات متواصلة، وهذا أدّى إلى انعدام الزراعات السنوية أو الفصلية كالتبغ والبندورة والفاصولياء والبطاطا ..الخ. وهاك بعض المناطق الصغيرة التي تعتمد على ينابيع المياه الجارية إلاّ أنّها قليلة جداً.
المزارع أبو العبد، فلاّحٌ يعتمد على بستان التفاح الذي يملكه في قريته، قال بحرقة وهو يقرأ بكتاب تحت شجرة في بستانه: «أملك بستاناً كبيراً، زرعته بكل أنواع الأشجار المثمرة التي تنمو بمنطقتنا، وخصوصاً أشجار التفاح التي يشكل إنتاج البستان منها موردي الوحيد الذي كنت أعيل منه أسرتي لعشرات السنين، أشرف على الهلاك بسبب عدم ريه، نتيجة لعدم وجود الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل بئر الماء الذي حفرته بالأرض، وبدأت الأشجار بالهزال، وبدأ اليباس يتسرب إلى الأغصان، وهذا البستان أخذ من عمري ثلاثين عاماً، وليس لي مورد مالي آخر سوى إنتاجه، ولا أملك مالاً لكي أشتري مولدة كهرباء لضخ المياه من البئر».
وأضاف: «حتّى ما تنتجه أشجار التفاح بوضعها الحالي، نضطر إلى بيعه كله خلال موسم القطاف وبأسعار زهيدة، لتوقف وحدات الخزن والتبريد الموجودة بالمنطقة عن العمل لعدم توفر الطاقة الكهربائية، ولعدم مقدرة أصحابها على تشغيلها لارتفاع أسعار الوقود اللازم للتشغيل، وعدم التناسب بين التكلفة والأسعار الرائجة حيث تصبح التكلفة أعلى من ثمن المنتج المبرد».
وانقطاع الكهرباء له انعكاسات سلبية كبيرة على استقرار الأهالي في المنطقة، فحاجة الناس إلى الطاقة شديدة جداً، وخصوصاً في فصل الصيف، نتيجة ارتفاع درجة الحرارة وعدم عمل الثلاجات المنزلية، وما يُسببه ذلك من تلف للأطعمة المطبوخة، وعدم القدرة على حفظ الخضار غير المتوفرة أصلاً في القرى، والتي يتم شراؤها من منطقة بعيدة، وبالتالي ينعكسا سلباً على السكان من ناحية التغذية لعدم تناولهم الخضار واللحوم، واعتمادهم بشكل أساسي على الحبوب والمساعدات الممنوحة لهم من قبل الجمعيات الخيرية.
أم جميل تقول وهي في قمة السخط: «يا أخي لنا ثلاث سنوات والكهرباء مقطوعة عنا، والأطعمة تتعرض للتلف، ونضطر أن نطبخ يومياً مرتين عل الأقل لكي يبقى الطعام طازجاً، ولا نستطيع الاحتفاظ بالخضار لأكثر من يومٍ واحد، ولا يوجد لدينا ماء بارد حتى في شهر رمضان، وقد تعبت من غسل الثياب باليدين والتي لا أستطيع تنظيفها جيداً». ثمّ ضحكت وهي تقول: «إنني أشتاق إلى صوت الغسالة ((كم كان صوتها جميلاً))، حتّى ثيابنا بتنا نلبسها بشكل مزرٍ حيث لمْ تُكوى منذ قطع النظام عنا الكهرباء، ولنا ثلاث سنوات لم نر تلفازاً يعمل في منزلنا، وأطفالي لا يعرفون أفلام الكرتون، وأصبحنا بشبه عزلة عن العالم، وحتّى أخبار الثورة لا نعرفها إلا نقلاً عن الناس».
أما من أجل الإنارة فقد عاد الأهالي إلى استعمال الوسائل البدائية والموروثة، مثل: القنديل، والسراج، ولمبة الكاز، واللوكس لإنارة منازلهم ليلاً، ولكن مع بدائية هذه الوسائل وسهولة استخدامها كانت هناك مشكلة بتوفير وقود الكاز المفقود، وارتفاع أسعاره إن وجد، إلى أن حضر البديل الذي قدم خدمة لعدد كبير من السكان المحليين الذين نظروا إليه كاختراع عظيم الفائدة.
الليزر صديق الليل
يقول أبو أحمد، والذي يعمل سائق لشاحنة: «عندما رأيت شريط الليزر المضيء أول مرة، كان ذلك في نهاية عام 2012 في أحد المحلات في مدينة سرمدا، لم تكن المنطقة تعلم عنه شيئاً كوسيلة إنارة، استفسرت عنه وعن طريقة استخدامه، واشتريت خمسة أشرطة وجلبتها معي إلى قريتي، وكم كان مدهشاً، حيث أنّ الجيران كانوا يأتون للسهرة عندنا يومياً، ومن ثم انتشر بين الناس».
أبو سعيد صاحب محل سمانة أوضح أنه يبيع أعداداً كبيرة من أشرطة الليزر ولمبات الليزر شهرياً، حيث أنّه اقتصاديٌّ، ورخيص الثمن، وسهل الاستعمال.
أما أبو خالد فقال: «إننا نضع على نوافذ المنزل ستاراً عازلاً للضوء قبل إنارة المنزل بالليزر، نظراً لقربنا من مراصد النظام، ووصلنا كل المنزل بشبكة أسلاك موصولة بستة أشرطة ليزر، إنارتها ممتازة ووصلناها بمفاتيح تشغيل كالكهرباء تماماً».
يحتاج شريط الليزر إلى مدخّرة  سيارة مشحونة، يوصل إليها بأسلاك إلى المكان المراد إنارته، ويمكن للمدخّرة أن تُشغّل خمسة أشرطة ليزر حوالي خمسة عشر يوماً، أما مدخرة الدراجة النارية المشحونة، تشغلها خمسة أيام والصعوبة تكمن بشحن المدخرات.
ووصف العجوز أبو وليد شريط الليزر بأنّه: «اختراع عظيم هذا الليزر ينير المنازل ولا تكلفة له، ولا نحسب حساباً لقطع الكهرباء، وابني سائق جرار بالبلدية يعمل على شحن كل المدخرات الموجودة في القرية خلال عمله يومياً لجمع القمامة، وتغذية المنطقة بالمياه، والتي ينقلها بواسطة الصهريج من منطقة بعيدة، ونور الليزر قد خفف عنا بعض مصاعب الإنارة».
أما بالنسبة إلى أصحاب المحلات التجارية كالمطاعم، فمن كان له مقدرة مالية فقد اشترى مولدة كهرباء، ومن لم يستطع فقد أغلق محله وتحول إلى عمل آخر لا يحتاج الطاقة الكهربائية.
وأما بالنسبة إلى أصحاب المهن والحرف، كمحلات الصيانة الإلكترونية، والتصويج، وورش التصليح، وكل المهن الأخرى، فقد خضعت لنفس المعيار فمن استطاع شراء مولدة حافظ على مهنته ولمن لم يستطع ترك العمل.
وانقطاع التيار الكهرباء انعكس سلباً على حياة الناس بكل النواحي، فقسم هجر المنطقة ومن بقي تأقلم مع الوضع المزري، وتعايش مع الارتفاع الجنوني بالأسعار نتيجة ارتفاع قيمة التكلفة الانتاجية.
ذكرى
«الكهرباء أصبحت من الذكريات عند أهالي ريف اللاذقية المحرر» هكذا قال خالد عندما كان يستعد لإنارة منزله على موعد الإفطار بشبكة معقدة من الأسلاك الرفيعة، التي تم توصيلها بين غرف المنزل وملحقاته، وبعد انتهائه من التوصيل أصبح المنزل مضاء بشكل يُمكّن الإنسان من رؤية الأشياء والتحرك بحرية.
الليزر اختراع مفيد أدخل النور إلى المنازل المظلمة، استخدمته كل الأسر في المناطق المحررة، فهو سهل الاستخدام لا تكلفة تذكر له، ويمكن للجميع استعماله بتوصيله إلى الأماكن التي يراد إنارتها بأية أسلاك كانت ومن أي نوع.
إنّ قطع التيار الكهربائي عن المناطق المحررة في ريف اللاذقية كان له أثر سلبي جداً على حياة الناس، وخصوصاً بارتفاع نسبة البطالة والفقر، وتخلّي البعض عن منازلهم ولجوئهم إلى المخيمات، إلاّ أنّ من بقي في القرى وريف اللاذقية عموماً، أكّد على عدالة الثورة وحتمية انتصارها، من خلال تمسكهم بأرضهم ومنازلهم، وتأقلمهم مع شظف الحياة، وتمسكهم بأرضهم، ودفعهم الثورة إلى الأمام، ولجوئهم إلى بدائل تمكنهم من الثبات والاستمرار.

حنطة العدد عشرين22 حنطة العدد عشرين23

برومو الشهيد ناجي الجرف