حكايا البيدر

مالك الجندلي .. محارب نبيل بسلاح الموسيقى

مرهف دويدري

يجلس خلف سلاحه، ويبدأ بالقصف بكل ما أوتي من صدق وحب للحرية، في وجه الفكر الديكتاتوري الذي يُجسده نظامٌ اعتاد على القتل وسفك الدماء.
يحاول بأصابعه الواثقة الصادقة أن يدافع عن الثوار، الذين استقبلوا الرصاص الحي بصدورهم ثمناً للحرية التي يعشقها.
بدأ رحلته المتمردة بسيمفونيته «نشيد الأحرار»، مُجسّداً من خلالها  فهمه للثورة، الذي راح يرسله عبر آلة «البيانو» للعالم أجمع، من أجل أن يسمع العالم صرخة الحرية التي عشقها وأدمنها فأدمته، لتطال يد الظلام والبغي العجوزين اللذين أرضعاه مع حليب الطفولة ألفباء الحرية.
مالك الجندلي، مؤلف الموسيقي، استطاع أن يضع الإيقاع والهارموني لأقدم تدوين موسيقي اكتشف في العالم في مدينة أوغاريت السورية، وتقديمها على أهم مسارح العالم بمرافقة أكبر الفرق السيمفونية العالمية، ليذهب باتجاه هؤلاء البسطاء الذين قالوا لا لديكتاتور الذي يحرق البلاد والعباد، ويجعل من الصوت الشجي، الذي انطلق من الحنجرة التي اقتلعها النظام السوري لبلبل الثورة إبراهيم القاشوش، وأهزوجته التي حفرت مفرداتها في ضمير كل مواطن سوري يهفو إلى الكرامة: «يا الله إرحل يا بشار»، هذه المقطوعة التي جعلت من –الجندلي- ذاك الفاسد، والمطرود من وطنه، وفق توصيف النظام، وهذا حال كل الذين خرجوا عن حظيرة الطاعة والولاء، خاصة أنه لم يقدم «سمفونية» تجعل هذا القائد الديكتاتور، المخلّص، المبجّل،  والبطل في التصدي للإرهاب والمؤامرة الكونية التي اعتاد مؤيدو المجرم على تكرار أسطوانتها المشروخة، من أجل إقناع الجميع أن هذا «الطاغية» بريء!
لم تعد صالات المسارح الكبرى، ودور الأوبرا في العالم تتسع لأحلامه الحرّة التي تحلّق في فضاءات مالك الجندلي، فراح يعزف موسيقاه من أجل أطفال سورية في محطات القطارات في كبرى العواصم العالمية؛ ففي الحفل الذي أقامه مالك الجندلي في محطة قطار سان لازار في العاصمة الفرنسية باريس، أسمع الموسيقار المبدع كل ركن في قارة أوربا صرخته من أجل إنقاذ أطفال سورية، الذين يموتون بلا سبب، من خلال مشروع أطلق عليه تسمية «صوت أطفال سوريا الأحرار».
وفيما يقدّر عدد الأطفال القتلى في سورية 11747 طفلاً دون سن الـ 16 سنة، حسب تقديرات منظمة اليونسيف التابعة للأمم المتحدة، فقد استطاع أن يحظى هذا المشروع باهتمام المواطنين الفرنسيين، الذين اجتمعوا حول بيانو مالك الجندلي، معلنين بدموع رقيقة تضامنهم مع موسيقاه ومع أطفال سورية، وبدأت هذه الفكرة تكبر في قلب مالك الجندلي، ليعزف صرخته في قاعة مسرح توزيع جوائز نوبل العالمية معلناً الحرية والسلام لأطفال سوريته التي أحبها وعاش فيها طفلاً، السبب ذاته الذي دفعه للعزف في كنيسة «مارليبون» في مدينة لندن.
مالك الجندلي، ذلك الإنسان الذي استطاع أن يحول الموسيقا إلى لغة محبة وتضامن مع عذابات السوريين الذين يتعرضون يومياً إلى قصف وقتل ممنهجين، وهو الإنسان الذي انحاز،  ومنذ بداية الثورة لها، رافعاً لواء الحرية فوق سلاحه الذي يتقنه تماماً، فهو مثل أي سوري اتخذ مكانه إلى جانب الثورة، ابتعد عن المجد الشخصي، الذي يمكن أن يجعل منه شخصاً ذا نفوذ إنساني واجتماعي عظيم؛ المكانة ذاتها التي وصل إليها الموسيقي العملاق «كارل اورف» بعد سمفونيته العظيمة «كارمينا بورانا»، أو كما فعل «بيتهوفن» عندما جعل للفرح نشيداً، والذي مازال حتى الآن يعزف على مسارح العالم، تحت عنوان «نشيد الفرح».
مالك الجندلي ليس أقل أهمية من هؤلاء العباقرة الذين استطاعوا أن يضيفوا مفاهيم جديدة للموسيقا، إلا أن مالك الجندلي استطاع أن يُصدّر مفهوماً جديداً لمعنى المحبة التي تجعل من الإنسان، والطفل، والحرية، وصراع الديكتاتور من الأهمية بمكان، الأمر الذي يجعله عبقرياً موسيقياً، وعبقرياً إنسانياً، فالموسيقا والإنسانية صنوان لا انفصام بينهما.
لكل هذا، استحق الموسيقار السوري الثائر مالك الجندلي أن يكون له ركنٌ خاصٌ في ضمير كل مواطن سوري حر، وهو الذي استطاع أن يقدم لنا مفهوم المثقف الذي تمكن من أن ينزل إلى ميدان المعركة بسلاح البيانو، المكان الوحيد الذي لم يستطع النظام تدمير الحب فيه!
حنطة العدد عشرين24

برومو الشهيد ناجي الجرف