حكايا البيدر

إيميل الذاكرة والموت

عمر يوسف سليمان

كتبٌ جامعية ودفاتر تحوي مسودات قصائد ويوميات، جهاز كمبيوتر وأقراص معدنية وأوراق رسمية وجوائز، كلها كانت مبعثرة في أرجاء الغرفة الصغيرة من منزل العائلة في الخالدية، والتي أقمتُ بها خلال سنوات الدراسة، هذه الغرفة كانت تختزن أرشيفاً كاملاً عن تلك السنوات، وحينَ اضطررت إلى مغادرة حمص عام 2012، مررت بالبيت، فتحت باب الغرفة، وخطر لي أن أجلب معي كل ما فيها، فهو لن يأخذ حيزاً كبيراً من وسائل النقل، لكن ماذا عن حواجز التفتيش؟ إذا فتَّشني الجنود سيجدون أسباباً عدة لمصادرتها ولاعتقالي، وهذه الأشياء العزيزة تبدو قيمتها من كونها توثق أعمق لحظات العمر، والعديد من المظاهرات، لذلك كان من الأفضل الإبقاء عليها في مكانها، وقد كانت فكرةً خرقاء، إذ أن البراميل التي هبطت فوق المنزل بعد شهور من الخروج حوَّلت الغرفة مع كل ما فيها إلى أطلال.
ثمة طريقة اتَّبعها كثير من السوريين بخبرتهم العالية في أخذ الحيطة والحذر، والتي سبَّبها تغوُّل الرقيب، وهي حفظ الملفات الهامة: كتابات، صور، مقاطع فيديو، عن طريق إعادة إرسالها عبر الإيميل، بحيث يكون الشخص المرسل هو المستقبل، وبهذا يضمن حفظ مستنداته حتى ولو زالت عن الجهاز أو الأقراص، كنت أقوم بهذه العملية روتينياً، وقد أنقَذَتْ عشرات الملفات الشخصية الهامة، كما أنقذتني من ضياع تام ومحتم بعد أن زال كل ما أملكه، فهل نقول إن هذا العالم الافتراضي قادر على حفظ أشياء كثيرة لا نستطيع المحافظة عليها في الواقع أحياناً؟.
كان الأمر أشبَهَ بالمونولوج، ترسِل رسالة فيظهر في العداد أن أحداً ما راسلك، أنت المرسل والمستقبل، ثمة حوار بين (أنا) و(أنا) ثانية، وبعيداً عن الشيزوفرينيا التي تكاد تصبح حالة عامة بين السوريين، فإن العالم الافتراضي يزيد معرفة النفس بأسرارها عن طريق إثارة الذاكرة والحفاظ عليها، كما أنه قد يدمر هذه الذاكرة.
مرة أعدتُ فتح إيميل كنتُ قد أهملته لعدة سنوات، فأبهرني كمٌّ هائلٌ من العلامات التي تدلُّ على (أنا) ماضية، رأيتُ ملامحي لا بواسطة صورة شخصية، بل بمراسلات وحوارات وأصدقاء سابقين، خزان من الذكريات يتوارد خلال دقائق، فالإيميل يعني بطريقة ما توثيقاً للتاريخ الشخصي، وهو يأخذ معنىً شاعرياً أيضاً، كسائر الأمكنة المهجورة التي تعيد ذاكراتنا إلى لقاءات حميمة ومفارقات يومية وحوادث هامة تجاوزناها أو لم ننتبه إليها، ثمة (أنا) من الماضي يُحضِرُها العالم الافتراضي الآن، وثمة مسافة بينك وبينها، ولهذا تراها بشكل أوضح، وكأنك في تلك اللحظة العجيبة من مداهمة الموت، والتي قال جميع من مروا بها ثم عادوا إلى الحياة بأن شريط حياتهم مر بكامله أمامهم، هذا يحيلنا إلى فكرة أخرى: الوفاة واقعياً وبقاء الحسابات الافتراضية مفتوحة، أي البقاء حياً على الإنترنت، وما أكثر ما حدث هذا في سورية خلال السنوات الماضية، ندخل إلى صفحة أحد الأصدقاء الشهداء على الفيس بوك، وينتابنا فضول في أن نرسل إليه رسالة، لعله يرد من العالم الآخر!.
في إيميل المتوفِّي أرشيف غزير من حياته، فالذاكرة الرقمية هي المهيمنة على ذاكراتنا اليوم، لكن ما مصير هذا الأرشيف؟، سيما وأن كلمات السر ترافقه إلى قبره، شركات الاتصالات أوجدت حلولاً لهذه المعضلة، وهي أنه من حق الورثة الدخول إلى حسابات المتوفين، وفي حال لم يكونوا قد أوصوا بذلك فإن للورَثة أن يغلقوها بتقديم شهادة قانونية، وبهذا ينتهي الأرشيف إلى الأبد، حتى ولو كان يعود إلى شخصية هامة ومؤثرة، ذلك الأرشيف الذي كثيراً ما تحول إلى متحف من الرسائل والمسودات قبل وجود الإيميل.
هذا العالم الافتراضي حفظ أشياء كثيرة لم يكن بمقدور الواقع أن يحفظها خلال الحرب، وهو ذاته العالم الذي يمحو كثيراً من الأسرار والحقائق عند الموت.
*تعقيب: من وجوه محو العالم الافتراضي للذاكرة السورية، حذف الرسائل والأحاديث التي كانت تجري عبر الفيس بوك بين سوريي الداخل خشية اختراق حساباتهم من قبل المخابرات، وبهذا ضاعت كثير من اللحظات التي توثق الجانب الإنساني من المرحلة.
هامش افتراضي: كلما فتحنا السكايب أو الفيس بوك ننتظر أصدقاءنا الذين خطفتهم الحرب، أسماؤهم ما زالت على القائمة، لا بد أنهم يظهرون كمتصلين لأننا لم نحذف أسماءهم.

حنطة العدد عشرين25

برومو الشهيد ناجي الجرف