حكايا البيدر

البحث عن الحمّص المفقود

لقمان ديركي

كم أحب الحمُّص أو المسبَّحة كما يقولون له في دمشق، في حلب اسمه حمُّص على أية حال، وفي الدول العربية إذا جاز التعبير بكلمتي الدول والعربية بآن، فإن اسمه حمُّص بالطحينية كما يكتبون على غلاف معلبات الحمّص المتواجدة في البقاليات والمولات، لكن الحمّص من عند الحمصاني غير شكل، خاصة عندما يديره بالعصا الخشبية على الصحن، فتطير به إلى البيت محاذراً أن تسول لك نفسك أن تلحس ما تيسر على الطريق. تقاوم، أنا في منتصف الطريق الآن ولم أمد إصبعي إلى صحن الحمص، ليس ترفعاً، وإنما خوفاً من انكشاف الأمر، فاستعادة رونق الصحن كما في ماركته المسجلة من عند الحمصاني أو الفوال شبه مستحيلة، إن لم نقل مستحيلة، بينما كان من السهل علي الرشف من مرقة الفول المدمس على الطريق ببذخ لا مثيل له، فنقص المرقة بالكاد يمكنه أن يكون دليلاً على جريمة سوء لائتمان، أما الحمص فالإعتداء عليه مصيبة، وجريمة قد تصل عقوبتها إلى الجلوس على مائدة الطعام ممنوعاً من التفكير حتى بالحصول على لقمة حمص، كُلْ ما تشاء إلا حبيبكَ الحمُّص يا من وسوست لك نفسك الأمَّارة بالسوء بالإعتداء على الأمانة التي حمَّلتك إياها العائلة الكريمة ألا وهي صحن حمّص من عند أبو عبدو الفوال، الطريق طويل يا أمي ولم أستطع تمالك نفسي، الحمّص لذيذ، الحمّص شهي، الحمّص هو وجبتي المفضلة في كل الأوقات، أعطني حمُّصاً فأعطيكَ شعراً ومسرحاً ومقالات، أعطني حمّصاً فأعطيكَ إبداعاً على الدوام، وجبتي المنفردة مع فحل بصل، صحني المفضل حتى لوكان مرافِقاً على مائدة زعيمها الكباب، إنه الحمّص صديق الفقراء، زميل الطلبة، رفيق الحزبيين من اليمين إلى اليسار مروراً بالوسط، زاهدٌ وقنوع صحن الحمص، لا يطلب مرافقاً له سوى البصل، أو البندورة، أو المخلل، أو فبلا حاشية أو مرافقة يستطيع القدوم إلى رغيف خبزك، لكنه حتماً لا يتنازل ولا بأي شكل من الأشكال عن زيت الزيتون على سطحه، يستغني عن الفلفل الأحمر المرشوش عليه، يستغني حتى عن الكمون، أما الزيت..فلا وألف لا، لكنه لن يمنعك، تستطيع أكله دون زيتٍ ورضاه بآن.
مر وقت على خروجي من دمشق إلى بيروت، في بيروت الحمّص موجود، والحمص البيروتي بالبقدونس موجود، لكن ما إن طرنا من بيروت إلى أربيل حتى بدأت المعاناة، في أربيل لا يوجد حمّص، لا وجود للحمصاني أو الفوال، هناك اللحم فقط، الكباب يصدح برائحته مشوياً في الشوارع منذ الصباح الباكر، الباجة والتشريب والكباب وسائر أنواع اللحوم على موائد الصباح، لا وجود للحمّص هناك، لكنني اهتديتُ إلى معلبات حمص قادمة من لبنان، أخلطها بملعقتي طحينة وملعقتي لبن وسنيّ ثوم مهروس وأجرب، ليس سيئاً، لكنه ليس كالحمص الذي يقدمه الحمصاني، أعيد البحث فأعجز، يتحدثون عن إشاعات هنا وهناك من بعض الكورد السوريين عن افتتاح محل فول وحمص وفلافل، لكن لا إفتتاح، أمضي إلى تركيا، تركيا بلد الطعام، لا بد وأنك لفظت كلمة مطبخ تركي لكثير من المرات وأنت تتشدق بالحديث عن الطعام، لا بد وأن المطبخ التركي يحتوي على الحمّص، لا شك بذلك، وتخبطك المفاجأة المزعجة، لا حمّص في تركيا، أسمعُ عن مطعم هنا وهناك في الأنحاء والمدن، أسافر في الباص لساعات بحثاً عن الحمّص المفقود، الحمّص الذي كان جاري الحمصاني في دمشق يتفنن في تحضير عدة أنواع منه، الحمّص الكلاسيكي، حمّص بالكمّون، حمص بدبس الرمان، وأصل إلى المدينة البعيدة بصحبة أصدقاء، وندخل مطعم الفول والحمص، لكن لا ..ليس الحمّص المشتهى، ليس الحمّص الذي في ذاكرة اللسان، ونكتشف مطعماً آخر ومقلباً آخر، وصفةُ الحمّص السرية بقيت في الشام، لم نرها في ميرسين ولا عنتاب، لم نتذوقها في استنبول أو حتى على حدود اعزاز، طالما عبرت الحدود إلى هنا فعليك بنسيان الحمص، لم تجده في أوربا، مطاعم كثيرة تدَّعي الفول والحمص والفلافل في باريس، لكن لا حمّص، وكأنما تختلف في هذه البلاد المواد، كما يقول أصحاب المطاعم في معرض دفاعهم عن أنفسهم أمام ملاحظاتك القاسية وأنت تلتهم آخر لقمة من صحن الحمّص الذي قدموه لك، لا تستطيع مقاومته حتى لو لم يكن مثالياً، لكنك لن تتخلى عن حق إبداء ملاحظاتك الجارحة، فأنت ذوقكَ صعب، سوري مدمن على الحمّص، متخصص في الحمّص، خبرة في الحمّص، ويشهد لك العالم بذاك، لذلك يطأطئون أمام حضرتك أصحاب المطاعم خارج البلاد، فأنت لا تريد شيئاً سوى الحمّص، لكنك لا تريده إلا كما يكون، وكما تشاء.

حنطة العدد عشرين26

برومو الشهيد ناجي الجرف