جرن حنطة

المرأة والتشاركية

محمد الجرف- مركز المواطنة المتساوية (مساواة)

تعدّ التشاركية أحد أهم عوامل التحولات الاجتماعية، لأنها أساس التنمية البشرية التي تضع النّاس في مركز الاهتمام بغضّ النظر عن تمايزاتهم الجنسية، والعمرية، والمعرفية، والطبقية.
والتشاركية، هي وسيلة تسمح بالإنصات لأصوات الجماعات الضعيفة والمهمّشة، مثل: النساء، والفقراء، والمعوقين، والأطفال، والقرويين، والعاطلين عن العمل. وتمنحهم الفرصة للتعبير بحرية وبصراحة.
والتشاركية تتضمن الطرق والأساليب التي تساعد هذه الجماعات على التدبير الذاتي، وذلك بحصولها على الثقة، وعلى الفهم، وعلى الشعور بامتلاك مشاريع التنمية التي ستحدث تغييرات دائمة. هذه الطرق والأساليب تستهدف احترام كرامة الناس وتحسين ظروف عيشهم. كما أن إشراكهم يعني أنهم مُقرّون بالتزامهم وبموافقتهم على تحمل المسؤولية وعلى التحسينات المقترحة.
تؤدي المقاربة التشاركية إلى حدوث نوع من الاستقلالية الفكرية للجماعات بدل التبعية والخنوع للآخر، سواء كان القطاع العام أم المنظمات الدولية المانحة. بحيث يصبح المواطن فاعلاً ومتفاعلاً ومسؤولاً، يمكنه اتخاذ القرار بنفسه، والتحكم في مصيره واختيار الحلول لمشاكله وبالتالي تنمية نفسه بنفسه. وهي مقاربة تنقل الناس من وضعية الانتظار التي ينتجها الفهم غير السليم والممارسة الخاطئة للمقاربة الحقوقية، إلى المبادرة والفعل، وتكون المساعدات الخارجية في هذه الحالة (المساعدات المالية والتقنية) للتغلب على المعيقات لا أكثر.
ويمكن اختصار مفهوم المقاربة التشاركية في عبارة «العمل مع»  عوض «العمل من أجل»، بمعنى عمل في اتجاه أفقي عوض العمل في الاتجاه العمودي من أعلى إلى أسفل.
تعمل أغلب الحكومات والمؤسسات العمومية في الأنظمة المركزية التي تفرض على شعوبها سياسات فوقية دون استشارتها ودون إشراكها في التنفيذ والتتبع والتقويم، وهذا ما يفسر فشل هذه السياسات بالرغم من صرف أموال طائلة على الدراسات القبلية التي ينجزها أحسن الخبراء. بعبارة أخرى المقاربة التشاركية جاءت لتصحيح المنهجية المعتمدة في العمل العمومي والمتمثلة في الاعتماد على الخبير وعلى القطاع العام في إنجاز مشاريع وبرامج التنمية دون إشراك المواطنين المستفيدين من هذه التنمية، كما جاءت لتصحيح أيضا المنهجية المعاكسة التي التجأ إليها المجتمع المدني والمتمثلة في استشارة وإشراك المستفيدين دون الرجوع إلى الخبير ودون الاعتماد على إمكانيات وقدرات القطاع العام.
وعلى هذا، يُشكل العمل التشاركي ركيزة أساسية من ركائز تفعيل المجتمع المدني الذي يصبو الجميع إلى تكريس أهدافه وبلورة غاياته، وذلك بالنظر إلى الدور الريادي والأهمية القصوى التي تنهض بها فعاليات المجتمع المدني في ضبط العلائق مع الدولة والمساهمة « المكثفة» في إعادة إنتاج حقل السلطة على صعيد شتى تجلياتها: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وحتى الثقافية .
إنّ الوظيفة الوسائطية، باعتبارها من أبرز وظائف المجتمع المدني، هي التي ترسم البعد التشاركي لفعالياته في الصيرورة التنموية. هذه الفعاليات تلعب دورا وسائطياً ذو وجهين : الأول بين الفرد والدولة، والثاني بين الفرد والمنظمات التنموية. وذلك من منطلق أنها تسعى إلى التحفيز وبايجابية على تبني ثقافة التشارك على مستوى خلق المبادرات واقتراح البرامج وبلورة المشاريع، وبالتالي دعم «الإبداع التنموي» وكل ذلك بالرجوع الى قدرتها المتنامية في القيام بدراسات ميدانية، تعطي الجواب الشافي على احتياجات الفئات المستهدفة والفعاليات الأخرى المشاركة في صياغة المقاربات التنموية.
وقد تطور مفهوم التشاركية من المقاربة التشاركية إلى الديمقراطية التشاركية، وهي شكل من أشكال التدبير المشترك للشأن العام المحلي يتأسس على تقوية مشاركة السكان في اتخاذ القرار السياسي، وهي تشير كذلك إلى نموذج سياسي «بديل» يستهدف زيادة انخراط ومشاركة المواطنين في النقاش العمومي وفي اتخاذ القرار السياسي.
المشاركة والجندر
شكل مفهوما «المشاركة والجندر» جزءاً من الخطاب التحرري وممارساته على مدى العقد المنصرم، وقد زعم دعاة هذين المفهومين أنهما يسمحان بتمثيل أكثر الفئات تهميشاً، أي النساء والفقراء.
ومنذ السبعينات، ازدادت أهمية الجندر (النوع الاجتماعي) كمسألة بارزة في التنميـة. وأدرك العاملون في مجال التنمية، أن النساء حُرمن من معظم منافع أنشطة التنمية. فتمّ تأييد جدول أعمال «النساء في التنمية» رداً على ذلك، والذي يهدف إلى زيادة مشاركة -النساء المحليات في اقتصاد السوق وأنشطة المشاريع. ولكن سرعان ما ظهرت المشاكل المرتبطة بهذه المقاربة، فالنساء -ولا سيما الفقيرات منهن- كنّ بالأصل يعملنّ بجدّ، وكانت عمالة النساء جزءاً من السوق، رغم عدم الاعتراف بذلك وعدم تقاضيهن أجراً مقابل عملـهن. فزيادة «مشاركتهن» في المشاريع والسوق، كانت تؤدّي مبدئياً، وفي بعض الأحيان إلى زيادة عبء عملهن.
في الواقع، هناك توجهات أعاقت العمل التشاركي حول الجندر والتنمية، منها :
• تميل الأطر العملية إلى معاملة الرجال والنساء وكأنهم يشكلون مجموعات يمكن تحديدها فورياً بالاستناد إلى عامل الجنس وحده وكما لو أنّ للنساء مصالح مختلفة ومطالب تتنافس مع الرجال. مما يعزل الرجال والنساء عن نسيج العلاقات الاجتماعية الهامة لرفاههم.

• قد يُخفي التركيز على النساء أشكالاً أُخرى من الأبعاد والاختلافات ضمن فئة «المرأة»، كما تنشط النساء أيضاً في علاقات قائمة على الهيمنة والحرمان، ولسْنَ بالضرورة مستعدات لمشاطرة السلطة أو النفوذ أكثر من الرّجال.

• تُشير العلاقات الجندرية إجمالاً إلى البعد القائم على العلاقة الجنسية بين الذكر والأنثى فعلية كانت أو محتملة. ويتم تجاهل غيرها من أنواع العلاقات بين الذكر والأنثى، كما يتم الأبعاد الجندرية في العلاقات بين أبناء الجنس الواحد.
تفترض بعض المناهج التشاركية أن المجتمعات متجانسة إلى حدّ ما، وبإمكانها التوصل إلى توافق في الآراء حول نطاق واسع من المشاكل والحلول. وتفترض بعض المقاربات الجندرية أنّ للنساء مجموعة من المصالح تختلف عن المصالح التي يتشاطرها الرجال. إلاّ أن ثمة أمثلة تظهر اليوم إجماع هذه المقاربات في إدراك أنها قلّلت من أهمية التنوع والنزاع القائم ضمن المجتمعات، وضمن مجموعات النساء والرجال، كما أدركت أنّ الاختلافات قد تكون متعددة: الإثنية، والطبقية، والعرقية، والثقافية، والجنسية، والتربية، والقدرة الجسدية. بالإضافة إلى الجندر والاختلافات الاقتصادية وغيرها من العوامل.
كذلك واجهت النساء عقبات اجتماعية مثل إبعادهن عن الأماكن أو الفضاءات العامة  لأسباب ثقافية وعن النشاطات العامة. وتمحور تعبير النساء عن مصالحهن بالإجمال حول مسائل مثل الصحة العامة، والعناية بالأطفال، والتغذية، والعمل في المنزل، والنشاطات المنزلية المدرّة للدخل، وبالتالي شكل ذلك وصفاً مقبولاً من الناحية الاجتماعية لنشاطات المرأة. كما أُبعدت  النّساء عن عملية رسم خريطة الموارد الطبيعية، وفشلت كافة الطرق المستخدمة في إدماج عدد من الاهتمامات النسائية مثل أعباء العمل والعنف المنزلي، بسبب صعوبة التعبير عنها من إحصائياً خلال الرسوم والخرائط. إضافة الى ذلك ، فقد طغى العام على الخاص، مما أدّى إلى وجهة نظر موحدة حول المصالح وخفف من أهمية الاختلافات والنزاعات.
تشير الكثير من الحالات المدروسة إلى أنّ أهم القيود التي تحول دون قيام الرجال أو النساء الفقراء بتحديد مصالحهم والتفاوض بشأنها هي التالية:
• تميل المناهج التشاركية إلى التركيز على المجتمعات «إلاّ أنّ المجتمعات ليست وحدات متناسقة لها مصالح موحدة. إن اعتماد المجتمع ركيزة غطى على الاختلافات في المصالح بين مختلف المجموعات الاجتماعية وعلى الآراء التي يعبرون عنها.
• للمنظمات التي تقوم بعملية التسهيل، كما الأفراد أنفسهم، نظرة متحيزة إزاء واقع الفقراء والنساء. وقد ساهموا في إقصاء أو إبعاد أصوات عديدة من الصيرورات التشاركية وذلك عندما لم يعيروا الصيرورة القائمة على الأبعاد الاجتماعية الأهمية التي تستحق.
في سورية
• مؤشر الفرص والمشاركة في الاقتصاد:
تراجعت سورية في مؤشر الفرص والمشاركة في الاقتصاد واحتلت المركز الأخير بين الدول المدرجة في التقرير 135/135.  نظراً لزيادة فجوة الجندر في الدخل المتوقع بمعادل القوة الشرائية، ذلك أنه يبلغ لدى المرأة1362 دولاراً أمريكياً، ولدى الرّجل 9071 دولاراً أمريكياً.
والشكل التالي يوضح موقع سورية في تقرير فجوة الجندر للعام 2012 من خلال مؤشر الفرص والمشاركة في الاقتصاد

1
• مؤشر التمكين السياسي:
احتلت سورية مرتبة متأخرة في مؤشر التمكين السياسي  111/135، ، حيث بين التقرير أن نسبة المرأة إلى الرجل في البرلمان 14%، وفي الوزارة 11%.
وانخفض تمثيل المرأة في الدورة الحالية لمجلس الشعب إلى  30 من بين 250عضواً، وبالتالي تبلغ نسبة المرأة إلى الرجل  13،6% ، في حين يبلغ عدد أعضاء الحكومة الحالية 35 وزيراً  بينهم ثلاث وزيرات، وبالتالي تبلغ نسبة المرأة إلى الرجل في الوزارة 9،375% ،فما لم تستلم أي امرأة رئاسة الحكومة في سورية.
والشكل التالي يوضح موقع سورية في تقرير فجوة الجندر للعام 2012 من خلال مؤشر التمكين السياسي.

2

————————————–

1- البكوري، د.محمد، و بريس لهبة: العمل الجمعوي وإرهاصات الحكامة التشاركية في المغرب- موقع هبابرس- انظر الرّابط: http://hibapress.com/details-16006.html
2- نفسه.
3- بنشريف، محمد: العمل الجمعوي وآفاق الديموقراطية التشاركية- موقع مثقف- انظر الرّابط:
http://almothaqaf.com/index.php/maqal/66532.html
4- الجندر والتنمية- تقرير عام- معهد دراسات التنمية- تشرين الثاني نوفمبر 2001-ص 15
5- الفضاء العام حسب تعريف نانسي فريزر هو «مسرح في المجتمعات المعاصرة تحدث فيه المشاركة السياسية عبر الكلام»، وهو شبكة للتواصل وتبادل المعلومات ووجهات النظر، تجري ضمنه عمليات التصفية والتنقية بحيث ينضوي في النهاية رزم من الآراء العامة المتعلقة بموضوعات محددة. انظر: طرابلسي، فواز: المجالات العامة والفضاء الحضري: مقارنة نقدية مقارنة-ترجمة مها بحبوح- مجلة إضافات- العدد الخامس- شتاء 2009.
6- الجندر والتنمية- تقرير عام- معهد دراسات التنمية- تشرين الثاني نوفمبر 2001-ص 16
7- زعتري، رامي وآخرون: قراءة في مؤشرات سورية في التقرير العالمي لفجوة الجندر للعام 2012-المرصد الوطني للتنافسية- دمشق 2013- ص 19
8- نفسه، ص 21.

 

 

حنطة العدد عشرين28 حنطة العدد عشرين29

برومو الشهيد ناجي الجرف