جرن حنطة

الحرية (وجهة نظر سوري) خصوبة المفهوم وإشكاليته

مأمون جعبري

ينفرد الإنسان عن بقية الظواهر الطبيعية، كونه الكائن العاقل الذي يمتلك القدرة على أن يتحول إلى إرادة فاعلة وفق مبادئ مولودة من ملكية خاصة به هي العقل كفاعل، العقل هو المُحدّد لمبادئ الفعل الأخلاقيّ، ومن هنا تصبح الحرّية مُنتج خاص للعقل، تقوم عليها كل إمكانية التفكير. أي أنّ الشرط الأساسي للعقل كي يكون مشرعاً أخلاقياً أنْ يكون حرّاً، وهذا يعني قطعياً متلازمة العقل والحرّية. هذا ملخص لمدخل الفيلسوف (كانط) في بحثه عن مفهوم الأخلاق، فهل الربط بين الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً والحرية هو شطط فلسفي أم  حقيقة؟
من هذه المقدمة سنحاول الوصول إلى جزء من الحقيقة، وإعتماداً على صحة النظرية الكوانتية حتّى الآن، والتي تقول أنّ خصائص الكل الفاعلة تبدأ من خصائص الجزيء المُشكّل، أيْ أنّ الأولوية للوصول إلى استنتاج ما عن ظاهرة، هي ضرورة دراسة الجزء أولاً. وفي محاولتنا هذه يُعتبر الجزء هو الفرد، والذي سوف نتوسّع منه إلى مفهوم الجماعة.
حُكم على جاليلو بالموت لأنه اعتبر أنّ ما قاله كوبرنيكوس عن دوران الأرض حول الشمس صحيحاً، بالإضافة إلى قوله أنّ عدد نجوم الكواكب السّيارة هي أكتر من سبعة، وهذا مخالف للتعاليم الكنسية. وفي مرحلة من مراحل الحكم الإسلامي، اعتُبر كلّ من (الرّازي، التوحيدي، أبي العلاء المعري، الحلاج، ابن سينا، عمر الخيام، الجاحظ) زنادقة ويجب قتلهم.
إذاً نحن أمام كارثة حقيقية تقول أنّ هناك صدام وجودي بين مُفرز عقليّ اسمه الحرّية، وناتج تجميعيّ بشريّ اكتسب قدسية ماورائية اسمها الأخلاق، فأين هي الحقيقة وهل الحرّية على تضاد مع الأخلاق؟
بالعودة إلى الوصايا العشرة، التي أقرّتها الأديان السماوية، ومن قبلها الأساطير نجد أن كل المتهمين السابقين لم يخرجوا عن هذه الوصايا وجرمهم كان حقيقة، هو السماح لملكة الحرّية (العقل) بالتّغريد خارج قوالب ونظم أُضيفت إلى الوصايا العشرة لغاية سنأتي على ذكرها لاحقاً، ولنتخيّل لو امتثل هؤلاء المفكرين إلى تلك القوالب، أي لو أنّ جاليلو وكوبرنيكوس وابن سينا وغيرهم، لم يطلقوا عقولهم من قيودها المصطنعة المضافة إلى القيم الأخلاقية حينها، لا بد كنّا لا نزال نتداوى بالسحر والتعاويذ، واندثر وجود إسمه الفضاء الخارجي، فأي تاريج لمنطقتنا دون هؤلاء المفكرين، فما الذي يخيف صانعي القيد من إنطلاق العقل من قمقمه؟
يبدأ إرهاص العقل الحر بسؤال لماذا؟ وهنا يبدأ قلق كل السلطات (دينية، سياسية، ذكورية…) لأن لماذا تقود إلى مفهوم السببية، والبحث العميق في العلّة، وصولاً إلى إيجاد تفسير مقنع للعقل أولاً، وحين تنتظم الجهود الباحثة عن الإجابة لهذا السؤال المتولد من العقل الحر تتشكل طاقة خلاقة تؤدي في تعاظمها لإحقاق حق المسلوب ممن اغتصبوه.
ومن هنا كان محاولة العقل التزامه بفاعليته الإنسانية (الحرية) تهديداً لكل مغتصب، أياً كان، وبناءً عليه يأتي سؤالنا الأكبر حول مشروعية الانتفاضة السورية، التي انطلقت رافعة شعار الحرية، فأي حرية تلك التي كان يبحث عنها الشعب السوري، ومن يظن أن العوز المادي هوفقط المحرك لإنتفاضة الحرية يكون قد ظلم الشعب السوري كثيراً، فحرية العقل تنطلق من إثبات وجوده ككائن بشري، والسوري ككائن فاعل بشرياً، أثبت في مرحلة من التاريخ وجوده الحضاري المميز، وبالتالي هي حاجة لا تُشترى أو تُقايض، ولم يزل يدفع ثمنها أغلى مقتنياته فهل هي حقيقة تستحق ما دفع لأجلها؟
المراجع للتاريخ السوري المتوقف عن أي فاعلية فاعلة، منذ أربعين عاماً على الأقل، يُدرك أنّ العقل السوري، وبالترابط الإنساني كان غائباً عن فعله النوعيّ، كونه يعيش ضمن قيود مصاغة تحت بنود مختلفة، غايتها الأساسية أن يبقَ السوري في حالة قطيعية لتضمن استمرار نظام مُغتصب لشعب كامل بكل تشكيلاته القومية، والمذهبية وما بينهما وخارجهما.
شعبٌ كامل يُحكم بمنطق الواحد الفرد، ويقوم على ترسيخ هذه الوحدانية حزب واحد جيّر كلّ مفاهيمه، ومنطلقاته لاستمرار أبدية نظام. وخلال أربعين عاماً لم يُسمع في سورية إلاّ كلمة واحدة (نعم)، وأسقطت خوفاً مفردة (لا). وتمّ تنمية العصبيات القبلية، والمذهبية، والقومية، والشللية، وتجهيزها، في دعم لاشرعية استمدت استمراريتها من كلّ ما هو مخالف للقانون، وزرع الخوف والمآل من كل هذا استمرار نهب مقدرات شعب بكل مجالاتها، مع قتل كل ظاهرة فردية أو جماعية تحاول تحريك العقل كمفهوم حر خوفاً من طرحه السؤال الإشكالي (ماذا) الذي يعني تحطيم جدار الرعب.
السوري خلال أربعين عاماً دُجّن ليصل إلى عبادة رأس النظام، الذي أسبغ عليه الصفات الألوهية، وأصبحت سورية جغرافيا وتاريخ وشعب، ما هي إلاّ رد فعل لتفاعلات ذلك الإله المفترض، ومن لم يعترف بتلك الألوهية المطلقة، فمكانه في سورية خلف القضبان وخياراته الموت أو الرحيل. وانتمائك السوري لأربعين عاماً مقبول فقط إن حققت هذا الشعار بعثياً عربياً موالياً، وكلّ خروج عن هذه المنظومة هو خيانة وكفر، على الرغم من أن هذه المنظومة وضعت سورية بالمقارنة مع مقدراتها في أسفل الدرك الإنساني والحضاري، والأبدية المزعومة للإله ترجمت في استمرار هذه الصفة في نسله، أي اعادة استعباد الشعب إلى مالانهاية كمفهوم توريثي.
وساهمت المنظومة الدينية، وكعادتها التاريخية في دعم الإستبداد عن طريق محاصرة العقل الحر بكل إنفعلاته وتأطير الإنسان السوري ضمن أطر تقوده إلى الرضوخ للعبودية، ورغم كل هذه العوائق لم يقنع الإنسان السوري بوقف البحث عن إنسانيته، ودوره الطبيعي ضمن منظومة العقل بوصفه فاعلاً حضارياً كما كان في حضارة غابرة، وكل المحاولات لتغطية وجه الانتفاضة أيديولوجية كانت أم دينية، أم قومية، هي محاولات تصبّ لإعادة السوري إلى قمقمه، وخوفاً من انتشار فعل الحرية بمفهومها الحقيقي لأنها تهدد كل منظومة تُبنى على مفهوم استبدادي، حيث في القرن الواحد والعشرين تُختصر المسافات، وهذا ما زاد عدد المتآمرين المحاولين خنق الانتفاضة بكل الأساليب الممكنة من شراء شعاراته بدفع ملايين الدورالات، إلى محاولة إدخال الطابع المتشدّد الأصولي إلى بنيانها،  فانتفاضة الشعب السوري هي ثورة إنسان باحث عن إنسانيته، وجدارته كفاعل بشري، وتأخير قيام هذه الثورة بالمعنى الحقيقي هو حكم على أجيال كاملة بالإنتماء إلى قطيع لا يحمل صفات الإنسان المرتبطة حتمياً بالحرية كمتلازمة عقليةً مع النوع البشري، والتي لايمكن الوصول إليها إلا بتحطيم حاجز الخوف من التفكير، وصولاً إلى إنتاج بنية معرفية فلسفية، تستند إلى مفاهيم الإنسان الحر المنفلت من تعصباته، ومن كوامن خوفه الوجودي المهدد في لحظة إشراعه لراية الرفض عند لزومها، والمنفتح على البحث في الماضي من وجهة نظر نقدية متجاوزة تابو التحريمات والمسلمات، مُسقطاً عن أي نصٍّ قدسيته إنْ تعارض مع الشرائع العالمية لحقوق الإنسان، لذلك نجد المحاولة المستميتة من الوجه الآخر للفاشية، المتمثل في السلطة الدينية السياسية، القضاء على محاولة السوريين بحثهم عن وجودهم المتمايز ككائن بشري كون هذه السلطة الدينية السياسية على طرفي نقيض مع مفهوم الإنسان الحرّ.

حنطة العدد عشرين30 حنطة العدد عشرين31

برومو الشهيد ناجي الجرف