جرن حنطة

معالجة التشدد

رياض درار

معالجة التشدّد لا تكون بتشدّد مماثل، ولابدّ من تفكيك أسباب التشدّد ومن ثمّ معالجة مخاطره، وهذا يتطلب تصحيح الأوضاع المسبّبة له، وتبيين مواطن الخلل في أصوله ومنابعه، ووضع العلاج المناسب له.

أولاً- تعريف التشدد
والتشدّد هو عبارة عن تطرّف فكريّ، وعنف ماديّ أو معنويّ. حيث أنّ:
ـــ التطرّف الفكريّ: يرتبط بمعتقدات وأفكار بعيدة عمّا هو مُتعارف ومُعتاد عليه سياسيّاً واجتماعيّاً ودينيّاً.
ـــ العنف: ويكون مادياً أو معنوياً، ويحتوي نوعاً من القهر للآخرين بغية تحقيق هدف يؤثّر في حرّية القرار لدى الخصم.
التطرّف يُمثل الناحية البعيدة من كلّ شيء، وقد يأخذ معنى الغلوّ في الأمر أو الدين، أي الزيادة وتجاوز الحدّ. ويرتبط التطرّف بالانغلاق والتّعصّب للرأي، ورفض الآخر وكراهيته وتسفيه رأيه وأفكاره، وقد يصل به الحد إلى التّخوين في الوطنية، والتكفير في الدّين، وقد يقود إلى استباحة الدماء.
لاشكّ أنّ هذا ضدّ الاعتدال والتّوسط، وضدّ الرّفق والتيسير.
والتّطرف السّلوكيّ عادةً ما يكون نتيجة التشبّع بتطرفٍ في الفكر وفي القناعة والاعتقاد، وهو بين إفراط وتفريط ، أي بين تشدّدٍ أو تمْييع، بين غلوّ أو تجافي.
والغلوّ منْهيٌّ عنه لما فيه من هلاك، فقد روى الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عبّاس: (إياكم والغلوّ في الدّين، فإنما أهلك من كان قبلكم).
ووصف الإسلام المتطرفين أوصافاً سالبة، فهم المتنطّعون، وهم الغالّون. عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال (هلك المتنطعون . هلك المتنطعون . هلك المتنطعون). والهلاك: ضدّ البقاء، يعني أنهم تلفوا وخسروا.  والمتنطّعون: هم المتشدّدون في أمورهم الدّينيّة والدنيويّة، ولهذا جاء في الحديث (لا تشددوا فيشدد الله عليكم).
والتّشدّد ظاهرةٌ موجودة في كلّ مجتمع، فهي نتيجة التّعصّب للرّأي والقناعات وإلغاء الآخر، وله عدّة عوامل:
1ــ الجهل والمعرفة النّاقصة: الجاهل تربة خصبة لكلّ زرعٍ  يُثير الفتنة ويُؤجّج الغرائز، وأسوأ من الجاهل ذاك الذي حصل على معارفَ قليلةٍ جعلته يُصاب بالعجب، فلا يقبل نصحاً ولا يعترف بقصور. والجهلة يُشكّلون جماعات ضغطٍ على العلماء بما يواجهونهم  به من اعتراضات سفيهة، وبتسلّطهم وتخويفهم. قال الشّيخ محمد الغزالي (المصيبة أنّ بعض المتحدّثين في الإسلام لديهم مقدار هائل من قصر النّظر، وقلّة الوعي، والأدْهى أن يتحوّل هذا الفكر السّقيم إلى مبدأ تُؤلّف فيه الكتب، وتنتهي إليه مواقف ).
2ـــ المغالطة في الفهم: والمواقف السطحية التي تقود إلى ضلالات، وتُشتّت الجهد، وتُركّز على المظاهر على حساب الجوهر، كما تُفسّر النّصوص والأحكام الشرعية بصورة بعيدة عن روح الإسلام وتسامحه، وتُؤدّي إلى ممارسات متعسّفة حديّة تُضْعف منْطق الدّعوة، وتُنفّر منها (ولوكنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك )، عدا عن أنّ المُغرضين يستترون وراء شعارات عريضة، ويتشدّدون في الشّكليات، ويتهاونون في أمور جوهريّة، وذلك من سوء فهم الدّين أو من اجتهادات مغالية، ومن آراء شخصية واحتكام لمعارف محليّة وشعبية، لا لروح الدّين وغاياته التّغييرية.
3ـــ التعصب: فالمتعصّب (يعبد الله على حرفٍ، فإنْ أصابه خيرٌ اطمأنّ به، وإنْ أصابته فتنة انقلب على وجهه، خسر الدّنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) وذلك من قصر النّظر والجهل. فالمتعصّبون يقفون على طرف الأمر لا يقتحمون مآلاته، وبالتالي يبقون منفعلين، بعيدين عن الصّواب، يخْشون الفتنة فيقعون في التّقصير، ويغلقون على أنفسهم باب التّطور الفكريّ، فهم بما يُمارسون من محافظة يظنّونها ديناً أو مبادئ والتزاماً، إنّما يوقفون الزّمن، ويُجمّدون روح المكان، وللدّين خاصة روح يجب أن تتنفّس في كلّ مكان وعبر الزّمان، ولا تتوقّف على مظاهر وشكليّات فقط، بل على مقاصدَ وجوهرٍ مُتجدّدٍ ومُتطوّر.
ومعروف أنّ العصبية تقود إلى الاقتتال وتدمير النّسيج الاجتماعيّ، وتفريطٍ بحرمة الدّم والمال والعرض، وإلى الفتنة، والفتنة ضلال، وهي كُفرٌ إذا أدّت إلى قتال، قال النّبي في خطبة الوداع (لا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وهذه دعوةٌ إلى الحوار وعدم استخدام السّلاح حين الاختلاف، والصّبر على الحجّة، واستخدام المنطق للإقناع.
إنّ التطرّف، والتشدّد يقود إلى التّفريط بالقيم والمُثل، ويقودُ إلى الغلوّ الذي يصل إلى أحكام ومواقف تكفيريةٍ وتخوينيةٍ مُدمّرةٍ لأُسس الاجتماع، ولعقلية الأفراد.
والغلوّ مع التّطرف والتّشدد إنّما تنْشأ في أجواء النّقص والحاجة (كاد الفقر أن يكون كفرا)، كما تنْشأ في بيئة الجهل والأمية، وفي ظلّ مناهج التّعليم المتشدّدة، لكنّ القهر أكبر أسبابها فهي تنشأ في ظلّ الاستعباد والاستبداد، وتنتظر الفرصة السانحة حتّى تظهر، في ظلّ إنكار الحاجات الإنسانيّة الأساسيّة كالحاجة إلى الأمن والكرامة. ومن علائم الاستبداد كذلك عدم الاعتراف بالهوية للجماعات المختلفة، ومنْع أصحاب الأفكار من الدّعوة لها مما يُلجئهم إلى السّرية، وبالتّالي التّطرف والتّشدّد، ثمّ تأتي ردودُ الدّول العنفية، من الاعتقال العشوائيّ، والسّجن من غير محاكمة، وقوانين الطوارئ والأعمال التّعسفيّة، واقتحام المنازل من غير إذن، والحدّ من الحرّيات، كلّ ذلك يؤدّي إلى مزيدٍ من العنف والإرهاب.
والإرهاب وسيلة أو أداة لتحقيق غاية سياسيّة، فالإرهاب ذو طابع رمزيّ لا يُقصد لذاته، بل هو رسالة موجّهة تُخيف الضحايا المحتملين، وتوقع الرّعب في القلوب، وتُثير التّساؤل عن ماهية الضّحية التّالية، وهو يتضمّن انتهاكاً عمدياً للقواعد القانونيّة والشّرعية.
طبيعةُ الفعل الإرهابيّ تفترض إشاعة الإحساس بعدم الأمان، واستحالة التّنبؤ به، والإرهاب لا وطن له، ولا دينن ولا جنس.
ثانياً- معالجة التشدد:
قلتُ بدايةَ الحديث أنّ معالجة التّشدد لا تكون بتشدد مماثل، ولابدّ من تفكيك أسباب التّشدد، ومن ثمّ معالجة مخاطره. ويجب التّفريق بين معالجة التّطرف الفكريّ والقناعات الرّاسخة، ومعالجة التّطرف الماديّ والسّلوك العنفيّ. فالأولى من الأفضل أن تكون المعالجة بالأساليب السياسيّة والفكريّة، أمّا الثّانية فلا بدّ من الأساليب الأمنية والبوليسية.
الأسلوب السياسي والفكري: ويكون باستيعاب المتشدّدين وفتح قنوات للحوار، والسّعي للإصلاح والتأثير بالطرق السّلمية، وأفضل تلك الطرق:
1ـــ إنهاءٌ للأحادية والتفرّد السّياسي الذي تمارسه الحكومات، والتّوقف عن سياسة القمع وكمّ الأفواه، وفتح باب الحرّيات المسؤولة.
2ــــ إعطاء الفرصة للحركات الاجتماعية والمدنية للمشاركة في العلاج عبر الأنشطة والبرامج والفعاليات الثقافية، ومشاركة الأسرة والمرأة بشكل خاصّ.
3ــــ إعطاء الاستقلالية للتوجيه الدّيني من أجل التّصدي لمظاهر الفهم الخاطيء للدّين، والتّوقف عن توظيف المؤسّسات الدّينية لمصالح السّلطات، وأن تكون محمية كأيّ جهة مدنية، وترك الحركات الواعية تمارس دورها بحرية.
4ــــ السّعي لوقف التّطرف العلمانيّ  بمواجه التّطرف الدّينيّ، ووقف التّصريحات المعادية من الطرفين.
5ــــ إطلاق حملات إعلاميّة شاملة، وحزمة كاملة من البرامج، والأنشطة، والفعاليّات.
6ــــ تقليص الفجوة بين العناصر المسحوقة والمقهورة في المجتمع، وبين المتنفذين وأصحاب الثروات المتحكمين بمقدرات البلاد.
7ــــ التّعاون الدّولي، ودعم الانتقال لإقامة أسس الحكم العادل والرّاشد من خلال مؤسّسات دستورية، وقيام القانونيّة التي تحترم حقوق الإنسان، وإيجاد قواعد التّداول السّلمي للسلطة وفق الدّستور.
وهنا، يرد السّؤال:
هل يتوقف نمو الإرهاب على نشر الديمقراطية؟
الإرهاب ينحدر من عوامل أكثر خصوصية من نوعية الأنظمة، فالقاعدة، والدولة الإسلامية في العراق والشّام،  وملحقاتهما لا تُقاتل من أجل الدّيمقراطية. بل إنّ الديمقراطية كانت تبشّر بصعود الإسلاميين منصّة الحُكم، ولقد راهنت مشاريع غربية وأمريكية على تنظيمات بعينها، ولكنّ المقامرة على الإسلاميين إذا ما وصلوا إلى السلطة لا يمكن توقع نتائجها، فالغرب يُفكّر بالتّعاون مع التّنظيمات المُصنّفة معتدلة، وهذا غير مضمون النتائج بسبب الخلفية الفقهية والعقائدية التي تُلزمهم مع بقية الفصائل بما فيها المتشدّدة، فالمرجعية المشْتركة تُلْزمهم ولا تسمح لهم بالاندفاع نحو مزيدٍ من التّحديث والمعاصرة، والتّحدي ليس في البنيان واستخدام أدوات العصر، فلا بدّ من تصحيح مواقفهم مع مفهوم الجهاد والقتال ودار الكفر والإيمان، وأيّ دور يريدون للمرأة، وتسلّمها مقاليد الحكم والإدارة، وموقفهم من تداول السّلطة ومشاركة الآخرين من بقية المواطنين، ومفهوم أهل الذمّة والجزية، والموقف من مفهوم الردّة، كلّ هذه وغيرها يجب أن تنضبط في صيغ مقبولة قبل أن نتقدّم الخطوة التالية.
الدّولة الدّينية هي هدفٌ للإسلام السّياسي والجهاديّ، وإنْ كانَ التّوجه لها تحت عنوانين يبدوان مختلفين ولكنّ النتيجة واحدة، فالإسلام الجهاديّ يريد إقامة دولة الخلافة، ويريد الإسلام السّياسي تطبيق الشريعة، ولقد طوّر الإسلاميون في تنظيماتهم السّياسية، نظاماً متكاملاً، خاصّة بعد فشل الدّولة الوطنية، اعتبروه بديلاً لها ولقي رواجاً.
الذين يربطون الديمقراطية بصندوق الانتخاب لا يدركون منها إلاّ الشّكل، وصندوق الانتخاب قد يأتي مع التّخلف، والجهل، وانعدام الوعي بأسوأ أنظمة الحكم، قبل الانتخابات لابدّ من ترقية العلمانيّة والوطنيّة، ومنظّمات التّحرر السّياسي التي يُمكنها أن تُنافس على أرضيّةٍ متكافئة مع الأحزاب الأُخرى، الإسلاميّة خاصّة.
الإسلاميّون فازوا في عدد من الانتخابات، فازوا في المغرب، وفي اليمن، وفي الكويت، وفي مصر، وفي تونس، وفي ليبيا. وكلّما أصبح العالم العربيّ أقرب للدّيمقراطية ازداد احتمال وصول الإسلاميين إلى السّلطة، ومع ذلك هم يحملون السّلاح ليتسلموا الحكم من بعضهم، وخطورة التشدّد أنّ الدّاعين لدولة إسلامية صاروا يملكون أطروحة سياسيةً تدّعي أنّها تمْلك الحلّ للمشكلات العالقة ( لإسلام هو الحلّ ).
يجب ألاّ ننسى أنّ الدّيمقراطية لن توقف الإرهاب، وأنّ أكثر الأعمال الإرهابية تجري في دول ديمقراطية، وتعزيز الدّيمقراطية في العراق بعد 2003 رافقها تنامي كبير للأعمال الإرهابيّة، ذلك لأنّ الإرهاب له منابع أخرى غير نظام الحكم.
إنّ استراتيجية حفظ السّلام لابدّ أن تعتمد تغيير الظّروف المساعدة على التشدّد والتطرّف، وبالتّالي على بروز الإرهاب، ولدينا عناوين كبيرة لابدّ من علاجها في الطّريق إلى السّلام:
-مسألة الدّيمقراطية والإصلاح السّياسي، تتطلّب مواجهة الاستبداد.
-مسألة الفقر ونقص التّعليم، تتطلّب مواجهة مسائلَ تتعلّق بالتّنمية.
-مسألة السّلام العربيّ الإسرائيليّ، تتطلّب حلّ القضيّة الفلسطينيّة.
-مسألة العنف والتّشدد، تتطلّب حلّاً نتوقّف عنده كونه من صلب هذه المحاضرة:
فظاهرة العنف والتشدّد شديدة الخطورة على أمن العالم، عداك عن خطورته على الأوطان من ناحية أُخرى، ومع إصرار البعض أنّ هذه ظاهرة عابرة لأن معظم المسلمين في ديارهم يكرهون العنف، ويكرهون العنيفين، ولديهم قاعدة تُنفّرهم من العنيفين وهي تشبيههم بالخوارج إلاّ أنّ هناك ما يطيل في عمر هذه الظاهرة، ونذكر عاملين:
1ـــ الهجمة الإيرانيّة باسم التشيّع، ممّا يُثير نزعات قديمة وصراعات رأينا تعبيرات سيئة عنها، ومنها في مسيرات النّدب وأناشيدها المُحرّضة على الانتقام.
2ـــ تلاعب السّياسات الدّولية والإقليميّة بالمتطرّفين، وتحويلهم إلى الاقتتال الدّاخلي لزعزعة المجتمعات والدّول.
هذا يتطلّب وقفةً قبل السّعي لعلاج ظاهرة التشدّد والعنف المتأتّي عنه.
ويمكن التوقّف عند المعالجة الأمنية للظّاهرة، إضافةً للمعالجة الفكرية. والمعالجة الأمنية تكون بالقوة نفسها لحماية المجتمع والدّولة، ولا نتحدّث عن البادئ والبادئ أظلم، ولكنّا هنا نتحدّث عن سلامة مُجتمع، وكيان دولة.
مع الإصرار على دور المرجعيات والتّنظيمات الدّينية، وامتدادها في الإسلام الوسطيّ السّاعي إلى التجديد والنهوض الدّيني المعاصر، والذي يستوعب الحاجات الجديدة للحياة ولا يتناقض معها، تحتاج هذه الأطروحة لنقدٍ من داخلها، وإعادة بنائها بشكل لائق بمجتمع مدني وحداثة ومعاصرة ، ولابدّ مع ذلك من الاهتمام بإعادة بناء أنظمة الحكم الصّالح، وعدم ربط الدّين بالدّولة (منهج الأصوليات المعاصرة التي تسعى للرّبط بينهما ).
لقد عملت الأنظمة السياسيّة على أسلمة المُجتمع، لكن عبر ربطه بها والانخراط في التّدخل بالدّين وإلحاقه بأجهزة الدّولة، ما يتطلّب إعادة النّظر في المؤسّسة الدّينية واستقلاليتها كفرع مدنيّ من فروع المجتمع المدنيّ، وليس كفرع سياسيّ. وهذا يُشجّع من جانب آخر رفض تسييس الدّين عبر إلحاق السّياسة به، سواء من خلال نموذج الخلافة، أو من خلال إلحاقه بالسّياسة الشّرعية، فهذه هيمنة أخرى على الدّولة باسم الدين، والفصل بينهما أصلح للدّولة وأبقى للدّين. حنطة العدد عشرين32 حنطة العدد عشرين33 حنطة العدد عشرين34

برومو الشهيد ناجي الجرف