جرن حنطة

منظمات المجتمع المدني السورية والحاجة إلى المعايير

زيدون الزعبي

تنامت منظمات المجتمع المدني في سورية منذ بدء الانتفاضة الشعبية في آذار 2011 كالفطر، مُواجهةً تحديات جمة لا تخفى على أحد. فبعد حوالي نصف قرن من تغييب المجتمع المدني عن الحياة العامة في سورية، وجدت منظمات المجتمع المدني نفسها وليدة تُواجه تحديات تعجز عنها المنظمات الناضجة والتي تملك تاريخاً وخبرات عميقة.
قبل آذار 2011 احتكرت السلطة المجتمع المدني، ولم ترَ فيه سوى منظمات تابعة بطريقة أو بأخرى للحزب الحاكم، مع بعض الاستثناءات المرتبطة بتشكيل جمعيات ذات طابع تكافلي يحكمها قانون الجمعيات الذي يسلط الأجهزة الأمنية والحزب الحاكم على جميع قراراتها، واستثناءات أخرى لمنظمات مرتبطة بالسلطة رغم ما تأخذه هذه المنظمات من شكل يقارب مثيلاتها في الغرب.
فجأةً، ودون سابق إنذار، وجد المجتمع نفسه أمام احتياجات هائلة يجب أن يتصدى لها المجتمع المدني دون أن يعي الأخير ما هو المجتمع المدني وما هي متطلباته وما هو دوره الحقيقي.
في بحث أجرته مؤسسة Integrity البريطانية لوضع مخطط لأهم منظمات المجتمع المدني السورية، كانت النتائج مخيبة لجهة الإجراءات والأنظمة التي تحكم هذه المنظمات. إذ لم يكن لدى غالبية هذه المنظمات حسابات مصرفية، ولا عمليات مالية ومحاسبية احترافية، ولا أنظمة موارد بشرية، ولا حوكمة ناهيك عن التخصص. بل أكثر من ذلك، كان هناك العديد من المنظمات التي تنطبق عليها معايير المنظمات غير الحكومية (غير ربحية، تطوعية، غير حكومية، وغير حزبية) إلا أنها لم تكن تعلم أنها كذلك. أحد ممثلي هذه المنظمات قال:(نحن لسنا منظمة مجتمع مدني، ما نحن إلا مجموعة من المتطوعين والذين لا يقبلون التعامل مع الحكومة ولا الانضمام للمعارضة، ونريد خدمة الناس ليس أكثر ولوجه الله تعالى»!.
كانت الغالبية الساحقة من هذه المنظمات قد نشأت إبان الأزمة، وفي ظروف أمنية قاهرة ألزمتها على التعامل بالحد الأدنى من الاحترافية مع حجم أموال هائل يتدفق عليها من الحكومات والمنظمات والمتبرعين، مما ولّد فوضى في هذا الوسط وضعته أمام تحديات التشكيك والاتهام بالفساد والانحياز والمحسوبية. يضع كل هذا المجتمع المدني أمام تحد كبير هو رفع مستوى الاحترافية، وإلا فإنها ستنهار أمام حجم الاحتياجات التي ولدته الأزمة من جهة ومتطلبات المانحين من جهة أخرى.
يتعين على منظمات المجتمع المدني، إما أن تلجأ إلى وضع معايير داخلية لها، أو تبني معايير دولية- كتلك التي توفرها الأمم المتحدة- أو أن تلجأ إلى منظمات سورية بدأت تعمل في الفترة الأخيرة على وضع معايير تساعد في خلق بيئة احترافية داخل هذا القطاع.
الغيرية والإيثار والعاطفة والالتزام التي ظهرت مع بداية الانتفاضة، والتي سبغت هذا القطاع ستنهار قريباً إن لم تتحول هذه المنظمات إلى مؤسسات احترافية. ليس هذا هدفاً لهذا القطاع وحسب، إذ لا يمكن لأحد أن يملأ الفراغ الذي يمكن أن يولده غياب هذه المؤسسات. بعد توقيع القرار الأممي الذي يتيح تمرير المساعدات عبر الحدود ودون موافقة الحكومة السورية، تبين أن الغالبية الساحقة من المساعدات تمر عبر السوريين ومنظماتهم ومتطوعيهم. إن لم نرق إلى مستوى العمل الاحترافي فستأتي لحظة تنهار بها هذه المؤسسات تاركة فراغاً سيندم عليه العالم أجمع لا السوريون وحدهم.

حنطة العدد عشرين34

برومو الشهيد ناجي الجرف