جرن حنطة

المشهد السوري: استعصاء الديموقراطية بإشراف دولي

حواس محمود

لا يمكن إلاّ أن نُعبّرعن خلاصة التحليل والاستنتاج السياسي عن الحالة السورية الراهنة إلاّ بهذا العنوان أعلاه.
وهو يلخص كل المشهد السوري، مع ما يكتنفه من تناقضات وتناحرات وتنازعات وصراعات بمؤثرات  محلية وإقليمية ودولية، وكلّ الجهود، رغم فشلها، تُكمل جهوداً أخرى للاستهلاك الإعلامي والإنساني فقط، لكي يتم التبيان للعالم أنّ القوى الدولية تهتم بالمشهد السوري الذي كان ثورياً وتحوّل إلى أزموي، والآن باتوا يطلقون عليه الحرب الأهلية، والفيتوات الروسيات الأربعة لم تكن إلاّ نقاطاً وخطوطاً مُكملة للوحة الإهمال والتجاهل الدولية للمأساة السورية واضحة المعالم والتجليات.
لا ننسى تصريحات أوباما بنهاية الشرعية للنظام، وأنّ أيام الأسد باتت معدودة، واتخاذ أمريكا والدول الأوربية مجموعة عقوبات على شخصيات متنفذة في النظام، ولا ننسى بعثة المراقبين العرب، والمهلة التركية والروسية بداية الاحتجاجات السلمية في سورية، ومن ثم توجه نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وخطة عنان والمرقبين الدوليين، مروراً بجنيف1، إلى جنيف2، ومن ثمّ فشل جنيف2، رغم الضجة الكبرى التي أثارها الإبراهيمي وبان كيمون من جهة ضرورة مشاركة الأطراف السورية لإنجاحه. ورغم مشاركة الطرفين الرئيسين، وهما النظام والمعارضة ممثلة بالإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، إلاّ أنّ جنيف2، لم يُحقّق شيئاً يُذكر في ظلّ غياب الضغط الدولي على النظام، ومن قبل ذلك استخدام النظام السلاح الكيماوي ضد أبناء الغوطة واستشهاد حوالي 1500 شخصاً، وتهديد أوباما بضرب النظام وتحريك السفن والبوارج الحربية الأمريكية باتجاه السواحل السورية، ومن ثم الاتفاق مع الروس لتدمير الأسلحة الكيماوية مقابل توقف الولايات المتحدة الأمريكية عن ضرب النظام، وصولاً إلى إعلان النظام السوري إجراء الإنتخابات الرئاسية في موعدها في 3 حزيران/ يونيو 2014، دون أي احتجاج ملموس دولياً، وإعلان فوزه بهذه الانتخابات في ظلّ صمت ٍمشبوه ومثير للدهشة والاستغراب، واستقالة الأخضر الإبراهيمي من منصبه كمبعوث عربي ودولي لإنهاء الصراع في سورية. كلّ هذه الضجة لم تساهم في تحريك الساكن السياسي السوري إلى خطوة ملموسة وفاعلة لتغيير موازين القوى المؤدية إلى إيجاد حلّ سياسيّ للمسألة السورية، ومن ثمّ تُركت الساحة السورية لرحمة التنظيمات الإرهابية كـ»الدولة الإسلامية في العراق والشام» وغيرها، وتداخل المشهدان السوري والعراقي لصالح الفوضى الكبيرة، وزيادة قوة ونفوذ هذه التنظيمات، وارتفاع وتيرة جرائمها وفظائعها التي يندر حدوثها في التاريخ البشري،  بخاصة ونحن نعيش القرن الواحد والعشرين في عقده الثاني، إذْ أنّ المناطق التي حُرّرت من النظام تركت لقصف براميل النظام الجهنمية أو لوحشية «الدولة الإسلامية في العراق والشام» التي تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة عوضاً عن تحويلها إلى مناطق آمنة، وكأنّ هناك صفقة ثلاثية بين النظام، و»الدولة الإسلامية في العراق والشام»، والقوى الإقليمية والدولية. لبثت هذه الفوضى في انتظار ترتيبات جديدة في منطقة الشرق الأوسط لا نعلم حيثياتها وتفاصيلها، لكننا نتنبأ بحدوثها بسبب حجم وفظاعة الانتهاك الإنساني للشعب السوري، وهذا الصمت الكبير الغريب والمريب في آن.
يبدو أنّ تقاسم النفوذ الدولي والإقليمي أمرٌ واضح، رغم التعتيم عليه ورغم عدم البوح به صراحة من القوى الدولية، فروسيا لا تتخلى عن النظام لمصالحها الإستراتيجية الخاصة بها في سورية، ولن تغير موقفها على الأقل في المدى المنظور حالياً، وذلك مهما قدم السوريون من ضحايا بشرية في هذه المحرقة السورية الكارثية بامتياز، ومهما أصاب البنية التحتية في سورية من دمار وخراب وكوارث من صنع بشري بحت، وهي لا تتوانى في استعمال ليس أربع فيتوات بل مئة وألف فيتو. وهذه المعادلة السورية القائمة على التشدد الروسي والدعم الايراني للنظام، والتراخي الأمريكي مع عنف النظام  وعنف «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، والصمت العربي الكبير واستمرار المعارضة في المقاومة، هي معادلة مستمرة لضرب الحراك الديموقراطي في سورية والمنطقة، الذي لا يتوافق مع المصالح الدولية. وعلى الرغم من قول العديد من المحللين من أن الولايات المتحدة الأمريكية تتضرر استراتيجياً من سياسة الضعف والتراخي واللاحسم في الموضوع السوري – وهم محقون بذلك إلى حد بعيد – بخاصة مع الأحداث العراقية وتمدد «الدولة الإسلامية في العراق والشام» في سورية والعراق، واستعادة العديد من المناطق من المعارضة السورية، بغية إرباكها وإضعافها أمام النظام لتشويه وتدمير المشروع الثوري الديموقراطي الذي هو أساس منطلقات الثورة السورية المباركة، والربيع العربي عموماً.
ولذلك فإن الأزمة ستستمر على حالها، وربما إلى السيناريوهات الأسوأ من التقسيم، والتفكك، والتناحرات البينية، الإثنية، والطائفية، والمذهبية، بانتظار معجزة ما، محلية أو دولية مؤثرة على إحداثيات الواقع السوري، ولا ندري إن كانت الحملة الدولية الراهنة ضد «الدولة الإسلامية في العراق والشام» في العراق، واتخاذ مجلس الأمن قراراً بإيقاف الدعم المالي لـ»الدولة الإسلامية في العراق والشام» ومحاربتها، وتدخل أمريكا بشكلٍ محدودٍ عسكرياً عبر القصف الجوي لمواقع «الدولة الإسلامية في العراق والشام» في شمال العراق، وتنحي المالكي واستلام العبادي رئاسة الوزراء، وتحرك العشائر السنية باتجاه معاودة محاربة «الدولة الإسلامية في العراق والشام» إذا تلقت تعاوناً ودعماً من الحكومة العراقية الجديدة برئاسة العبادي. أقول، لا ندري إن كانت هذه الأحداث والتحركات ستكون لصالح الثورة السورية التي تواجه قوى مسلحة عديدة إحداها «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
المشهد السوري يعطي إشارات قوية لمجمل صراع الشعوب مع أنظمتها الاستبدادية، ويفيد في دراسة المآلات التي تحولت إليها الساحات العربية الأخرى التي شهدت ربيعاً، سرعان ما تحول إلى ما يُشبه خريفٍ حزين يشهد صراعات عديدة بين عدة قوى، أهمها القوى الإسلامية المتشددة، وقوى عسكرية مدعومة شعبياً من قوى قومية وليبرالية، وهذا ما نشهده  في مصر وليبيا بصورة كبيرة، وإلى حدٍّ أقل في اليمن وتونس.حنطة العدد عشرين35

 

برومو الشهيد ناجي الجرف