رحى

في عقر دار القيادات النقابية ما الهدف من إثارة قضية مليون عامل يقبضون رواتبهم دون إنتاجية ؟

سعيد محمد

أمام الاتحاد العام لنقابات العمال، أعلنها صراحة رئيس حكومة  تسيير الأعمال لدى النّظام وائل الحلقي أنّ «هناك أكثر من مليون عامل في القطاع العام، من أصل 2,5 مليوناً، يقبضون رواتبهم دون أي إنتاجية، ودون الوصول إلى مراكز عملهم». هذا الاكتشاف الخطير الذي توصله إليه الحلقي بعد مرور ثلاث سنوات على الأحداث في سورية، يُمهّد برأي الكثير، لقرارات قد تتخذها حكومة الحلقي  لن تصب في مصلحة العامل، بل على العكس، ستكون بمثابة المطرقة التي ستهدم حياة العامل وحياة أسرته، بعد الاستغناء عن خدماته، لأسباب وحجج عديدة، غالبيتها لا تستند إلى أي مستند قانوني . بل سينصب  المستند الوحيد ضمن مزاجية الإدارات القائمة، والتقارير المرفوعة بحق  العمال على خلفية ضعف انتمائهم الوطنيّ، هذا ما قد يرشح في الأيام القادمة على خلفية هذا التصريح.
و إذا كان أكثر من 40% من موظفي القطاع العام يقبضون رواتبهم دون إنتاجية، بحسب ما أعلن عنه الحلقي، فهذا الرقم يدلل على أنّ جميع الحكومات السابقة لم تكن قادرة، في يوم من الأيام، على إيجاد حلول ناجعة لهيكلة كوادر مؤسسات القطاع العام، من حيث تعيين أيدي عاملة خبيرة، وتوزيعها ضمن  مؤسسات القطاع العام على أساس تحقيق العدالة الاجتماعية للجميع، وهذا ما لم يتحقق على الإطلاق، بدليل أن تعيين الإدارات المتعاقبة في  مؤسسات القطاعات العام، لم تكن حسب الكفاءة، بل كانت تتم وفق الانتماء الحزبي للشخص، وسياسة تطفيش الكوادر البشرية المؤهلة التي كان معمولٌ بها على مدار عقود، لذلك فإنّ ما وصلت إليه مؤسسات القطاع العام، من تضخم في كوادرها البشرية وانتشار ما يسمى  بطالة مقنعة، لم يكن سببها سياسات الحكومة الاجتماعية الإيجابية، كما يدعي البعض في استقطاب أكبر عدد من العمال،  بل يعود الأمر إلى  سياسات حكومات فاشلة متعاقبة، كانت تغطي فشلها بهذا الجانب، لذلك فإن المنطق والعقل يقولان: لو كان هناك جهات رقابية فعالة وتتابع عمل هذه الحكومات وتحاسبها، لم نكن لنصل إلى ما نحن عليه، فغالباً ما كانت الحلقة الأضعف في هذه المعادلة هي نوعية محددة من العمال ومتابعتهم في كل صغيرة، وممارسة عليهم الحد من خلال الفصل عند أي خطأ يمكن أن يرتكبه عن عمد أم لا، بحجة أن الحكومة تحارب الفساد، بينما مفهوم  محاربة الفساد، يبدأ من محاسبة رأس الهرم وليس من قاعدته كما هو معمول به لدينا.
وقد ذكر الحلقي في لقائه مع النقابات العمالية أنّ: «عدد العاملين المصروفين من الخدمة حتى الآن لم يتجاوز 7 آلاف عامل»، مشيراً إلى أنّ: «من يُصرف من الخدمة، يُدقّق ملفه وفق لجنة تأخذ على عاتقها الوجداني والأخلاقي صرف هؤلاء».
ونفهم من هذا الكلام أنّ الحلقي يُقلل من أعداد المصروفين من الخدمة بحجة أن صرفهم جاء وفق الأطر القانونية، ولجان تتمتع بالنزاهة!. فهل المادة 137 من القانون الأساسي للعاملين تنصف حقوق العامل ؟!  فهذه المادة التي أثارت زوبعة كبيرة بين الحكومة وممثلي العمال من حيث رفضها من قبل النقابات والإصرار عليها من قبل الحكومة، كانت كلمة الفصل  بالنهاية، وكما هو معتاد، لصالح  الحكومة، على عكس ما يحدث في دول العالم، لأن النقابات العمالية  في أي دولة تسقط حكومات إن كانت لا تحقق مطالب العمال.
وتتضمن المادة 137 من القانون  رقم/50/ لعام 2004 المتعلق بتعديل القانون الأساسي للعاملين في الدولة: (يجوز بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح لجنة مؤلفة من وزير العدل ووزير الشؤون الاجتماعية والعمل ورئيس الجهاز المركزي للرقابة المالية، صرف العامل من الخدمة، وتُصفّى حقوق العامل المصروف من الخدمة وفقاً للقوانين النافذة).  والقصص عن آثار المادة 137 السلبية على العامل، كثيرة ولا تحصى، فآثارها الاجتماعية الخطيرة، أول ما تتناول قوت العامل المفصول وقوت أسرته، وانقطاع مصدر رزقه الوحيد. وإذا فتشنا عن أسباب الفصل، غالباً ما تعود لأسباب شخصية مع إداراته، فهل تلك اللجان النزيهة التي أشار إليها الحلقي  تحققت من نزاهة  قرار الفصل؟ وهل عملت وفق القانون؟
لقد أجاز القانون للعامل الطعن في قرار الفصل من خلال المادة 138 في القانون، وأجاز القانون للعامل الاحتكام إلى القضاء أمام المحاكم العمالية. والسؤال الأهم، هل توجد قضية واحدة لعامل مفصول حتى اللحظة قد بت بها القضاء وكانت النتيجة لصالح العامل؟ ما يُسلم به أغلب الناس ومن خلال متابعاتهم، أنّ جميع قضايا  المادة 137 رفضت أمام المحاكم العمالية  لأسباب غير معروفة؟.
نستنتج مما تحدث عنه الحلقي أنّ قرارات جديدة تلوح بالأفق لفصل فئات محددة من العمال، وحكماً ستكون الانتقائية حاضرة بحسب الولاء والانتماء للإدارات، حيث يتم التخلص من فئة العمال غير المرضي عليهم، وممن سافر خارج البلاد لأسباب قاهرة، بحيث يكون العنوان الرئيس لصرف هذه الفئات من العمال تحت بند مكافحة الحكومة للفساد!!.
لقد ذكر تقرير صادر عن الأمم المتحدة مؤخراً، أنّ 78% من السوريين باتوا تحت خط الفقر، وأنّ نسبة البطالة قاربت الخمسين بالمئة من اليد العاملة، وذلك في ظل الأزمة التي تعيشها البلاد منذ أكثر من 3 سنوات.
وفي التقرير ذاته، خسر سوق العمل بسبب النزاع المسلح في سورية  2,67 مليون شخص بحلول الربع الرابع من العام 2013، وارتفع معدل البطالة في عام 2012 من 37% إلى 54,3 في نهاية العام  2013.
إنّ هذه الأرقام المخيفة التي رشحت عن منظمات دولية، لم تثنِ الحلقي  عن الحديث عن بطالة مقنعة في مؤسسات القطاع العام، في حين أنّ الزعامات النقابية  تؤيد ما يقوله في عقر دارها، ومن دون أن تضع ولو ملاحظات، على كلام الحلقي. بل على العكس، كان التصفيق وبحرارة يؤكد أن دور النقابات في سورية هزيل، وما يزال يصطف إلى جانب الحكومة على حساب العامل ، وهذا التصرف  ليس بغريب من حركاتنا النقابية، لكون معظم قياداتها هي معينة وليست منتخبة. حنطة العدد عشرين36 حنطة العدد عشرين37

برومو الشهيد ناجي الجرف