رحى

اغتيال الليرة السورية

عبد العزيز دنو – باحث اقتصادي سوري

مع دخول الثورة السورية عامها الرابع، يواصل النظام السوريّ عملية العقاب الجماعيّ بشتى الطرق العسكرية والنفسية وحتى الاقتصادية بحق الشعب السوريّ.
ولعل وحشية أساليب التدمير الممنهج للبنية التحتية السورية، وعمليات القتل والتعذيب، اتباعاً لسياسة الأرض المحروقة، قد طغت على الأمور الأخرى التي يقوم بها النظام اقتصادياً واجتماعياً بحقّ سورية ككلّ. فبات الهاجس الاقتصاديّ آخر ما يؤرّق المواطن السوريّ الممزّق بين شتات الخارج وقسوة الداخل. إلّا أن آثار هذا الدمار على الاقتصاد السوريّ ككلّ باتت جليةً مؤخراً، فبات انهيار العملة السورية أمراً علق عليه الكثيرون آمالهم، خاصةً بعد العقوبات الأوربية والأميركية، وحرمان النظام من مصادر الدخل النفطيّ الذي كان يعتمد عليه في تمويل قطاعاته المختلفة، وخصوصاً العسكرية منها.
إلا أن النظام السوريّ وجد سبلاً مختلفةً لوقف الانهيار المتكرّر في قيمة العملة السورية بعدّة طرقٍ، فبدأ باستنزاف المخزون الاستراتيجيّ السوريّ من العملات تارةً، وتارةً أخرى اعتمد على دعم حلفائه في إيران والعراق لضمان بث الثقة لمؤيديه في يوتوبيا إعلاميةٍ بثها في قنواته التلفزيونية ووسائل أخرى.
ولكن استمرار العمليات العسكرية، المترافقة مع ازدياد حاجة النظام للأموال لكسب مؤيديه وتمويلهم وشراء الولاءات، جعلته بأمسّ الحاجة لأية مصادر تمويليةٍ لضمان التدفق النقديّ الذي يعدّ المحرك الأساسيّ لآلة القمع الدكتاتوريّ لبشار الأسد.
شرّعت جملة هذه الأسباب للنظام استخدام كافة الوسائل لإيجاد التمويل المطلوب. ويبدو أن الإنكارية المتبعة لدى الفريق الاقتصاديّ للنظام قد وجدت في تكرار تجربة القوى العظمى في القرن المنصرم، المعتمدة على سحب المعادن الثمينة من أيدي الشعوب وإبدال عملاتٍ ورقيةٍ بها، سبيلاً لسدّ حاجاته في البحث عن التمويل. ويبدو أن الستانلس ستيل المسكوكة منه الليرة السورية قد أسال لعاب الفريق الاقتصاديّ للنظام، لأنه المعدن الوحيد المتبقي لدى المخزون السوريّ، ليصدر القرار رقم 3332 بتاريخ 27/11/2013، القاضي بسحب الليرة السورية المعدنية إصدار العام 1991 وما قبله من التداول نهائياً، معيداً إلى الأذهان قرار سلطات الانتداب الفرنسيّ بسحب الذهب من التداول في سورية، وإبدال العملة الورقية به بموجب القانون. وبالرغم من المعارضة الشديدة آنذاك لقرار سلطات الانتداب، والتي أدت الى فشله، لم يجد القانون الجديد أيّة مواجهةٍ على الإطلاق، ربما لضعف الوعي الاقتصاديّ لدى السوريين ودموية الأحداث التي جعلت من مروره أمراً لا يذكر، رغم أنه يحمل في طياته انعكاساً خطيراً على ما تبقى من المخزون الوطنيّ السوريّ المستنزف أصلاّ.
فبعمليةٍ حسابيةٍ بسيطةٍ نستطيع الكشف عن ضخامة حجم التدفق النقديّ الذي حصل عليه النظام من هذه العملية. إذ يبلغ وزن الليرة السورية مضمون القرار 8.3 غرام من معدن الستانلس ستيل عيار (316) plate، أي ان الكيلو غرام معدن ينتج تقريباً 120.5 قطعة معدنية من الليرة السورية.
وبالنظر الى مؤشر أسعار المعدن المذكور في البورصة الدولية نجد أن سعر الكيلو الواحد منه يبلغ أربعة دولارات. وبمقارنة الأرقام المذكورة مع سعر صرف الدولار في نفس الفترة يصبح سعر الكيلو غرام من المعدن 800 ليرةٍ سورية. وبقسمة السعر الجديد لليرة السورية على السعر القديم نجد أن كلّ ليرةٍ سوريةٍ قد تضخمت لتصبح 6.67 ليرةً من معدن الستانلس ستيل.
ولسخرية القدر أصبح قانون غريشام الشهير للتداول النقديّ، القائل إن «العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من التداول»، غير مطبقٍّ في سورية، لأسبابٍ أقلّ ما يقال عنها بأنها جهلٌ كبيرٌ بقواعد التداول النقديّ لكل الأطراف الفاعلة في سورية، ليكون النظام هو الكاسب الأكبر حين يبيع الليرة السورية كسبائك من الستانلس مضاعفاً قيمتها أكثر من 6.67 مرّة، واضعاً الفرق المقدّر بمئات المليارات من الليرات في سبيل إمداد آلته القمعية لوقتٍ أطول لتدمير السوريين، في أكبر عملية احتيالٍ بقوّة القانون في العصر الحديث.
بات من الضروريّ، في ظلّ هذا الاستنزاف الكبير للثروات السورية بطرقٍ عبثيةٍ وبأيادٍ أقرب ما تكون إلى قطاع الطرق، الوقوف بحزمٍ في وجه هذه التصرفات اللامسؤولة، والعمل بشكلٍ جديٍّ للحفاظ على ما تبقى من الثروة القومية السورية للمساعدة في عمليات إعادة الاعمار، وتشكيل فرق عملٍ اقتصادية جادّةٍ ومسؤولةٍ للوقوف بوجه هكذا تصرفات، لضمان مستقبل الوطن السوريّ وأجياله القادمة.
حنطة العدد عشرين37

برومو الشهيد ناجي الجرف