خميرة

اللحظة الشقيريّة

عبد الرزاق دحنون

1
كيف لنا أن نوازن بين السيادة الوطنية والقضايا الأساسية لحقوق الإنسان في دولة ما عندما يكون الاثنان في حالة تضارب مع بعضهما؟ لقد بدأ هذا الجدل بُعيد الاحتجاجات الشعبية في الجمهوريات العسكرية العربية، ولا يزال مستمراً إلى يومنا هذا. عندما أتعرض للتفتيش مثلاً على الحواجز الأمنية أتساءل أحياناً عما قد يحدث لو كان بالإمكان قراءة الأفكار، لا لأن أفكاري تدور حول العصيان والتمرد والثورة المسلحة، بل لأنه تخطر ببالي أفكار غير قانونية كلما رأيتُ صورة الرئيس المنتخب بطريقة مشكوكة على شاشة التلفزيون، عبد الفتاح السيسي مثلاً. فاختلاف الرأي، بدرجاته المتفاوتة، مثير للجدل، ولا يكسب صاحبه شعبية واسعة. ففي تلك اللحظة التاريخية  التي أطلق فيها المغني السوري اليساري التقدمي المناضل سميح شقير، ابن جبل العرب، أغنيته  الشهيرة  (يا حيف) انشق القمر، وتهشمت الصورة  النمطية لهذا الفنان في وسائل الإعلام الرسمية، وتحولت صورته لتأخذ شكلاً آخر تماماً عما كانت عليه. لقد تحول الرجل إلى خائن للسيادة الوطنية في تلك اللحظة الشقيرية. هذا يعني أن منظومة القيم التي تتحكم برؤيتنا للواقع الاجتماعي كثيراً ما تمنعنا من رؤية حقيقة ما يجري فيه وتجعل من الصعب التفاهم حول طبيعة التحولات التي نشاهدها معاً.
2
أما الخلاف في الرأي، وكون أنه سبب الإزعاج، فهو أحياناً يحمل سمات الاستقامة والأمانة. وبجداله مع الرأي السائد، لا يكون الخلاف في مصلحة صاحبه، والذي قد يقال عنه إنه غير وطني، ومعاد للدولة، وعدواني، وإرهابي إذا اقتضى الأمر،  وغريب الأطوار، ومجنون غير وفي وغير منطقي، أو مهووس ومتكبر، أو عاطفي ومتهور. وكثير ما يستمتع الآخرون بمهاجمة الأهداف الثابتة وإذا اتخذتْ موقفاً يتعارض مع موقف الأغلبية، ستصبح ذلك الهدف. ففي المظاهرات الجريئة  والغريبة، تُكسر الرؤوس ويُطلق الرصاص الحي باتجاه المتظاهرين -مع وجود مريب لرجال الأمن والجيش وجمهور غير مشارك وساخر من المتظاهرين- الناشطون الذين نزلوا إلى الشارع  سالت دماءهم على الأسفلت وهم يهتفون بحمية عالية  تضامناً مع أهل مدينة درعا في الجنوب السوري  وما تعرضوا له من حيف. هل كنا نحتاج إلى هذا الكم الكبير من الفظائع حتى نتخطى حذرنا وخمولنا؟ وهل كان خوفنا من التعرض للحبس كافياً ليسكتنا؟
3
يمكننا التأكيد هنا  أنه بعد أكثر من نصف قرن من تجربة الأنظمة العسكرية  الشمولية جاء أوان التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وهذه سيرورة تاريخية قليل ما يدرك أهل السلطة في الجمهوريات العسكرية  أبعادها كافة. وأظن لا مشكلة فيمن يكون الحامل أو الساعي لهذا التغيير، الملايين من نساء اليمن المكللات بالسواد أم آلاف النساء السافرات في شوارع بعض المدن العربية، لأن النتيجة المرجوة واحدة: تغير شامل في مفهوم شرعية السلطة، ونسف لتلك الأبنية القانونية التي حكمت مجتمع العبودية والاستبداد. وعوام الأرياف والمدن اللذين يعيشون على هامش الحياة السياسية لا يخافون من ذلك التغير الشامل الذي سينقل المجتمع العربي إلى باب الحرية  التي بكل يد مضرجة يُدق ، بل يظهر الخوف جلياً  عند المرعوبين من أهل الثقافة وأهل السلطة. ويلاحظ المرء بوضوح ظاهرة مُلفتة وعسيرة على الفهم: جغرافيا  الاحتجاجات الشعبية التي تُطالب بالحرية والكرامة  شملت المناطق الأكثر فقراً في المدن والريف. وهذا الأمر يدفعنا للقول: بما أن قوى اليسار العلماني التقدمي القومي الوحدوي ما تزال مرتبطة بتجربة عالمية مهزومة، وتجربة محلية سلبية، وقد أصبحت مركز توظيف نفسي وفكري خاص أنتج سلوكاً معيناً هو الذي ارتبط بسلوك النخبة الحاكمة السائدة. ولم يعد بإمكانها بالتالي أن تتحول إلى منهل لقيم جديدة، معارضة وشعبية، وأن تواكب ممارسة متجددة وتقود تجربة تاريخية جديدة. إضافة إلى أنها عند تراجع النظام العام تراجعت معه وربطت نفسها به نظراً لخوفها من مزاحمة الإسلام السياسي لها في احتلال موقع العقائديات والقيم المعارضة. وما كان لهذا إلا أن يزيد من عزلتها ويضاعف من فرص العقائدية الإسلامية في احتلال هذه الجغرافيا التي قامت عليها الاحتجاجات الشعبية دون منافس يُذكر. و كان  الدكتور برهان غليون قد أكد هذه الرؤية في كتابه  (نقد السياسة- الدولة والدين) الصادر في طبعته الأولى عام 1991 .
4
وأنا بالتأكيد لي آراء لن يتفق معها جيراني-ويجب أن يكون الأمر كذلك- وإلا كنا ما نزال نعيش في كهوف منحوتة في الصخر. وأنا على يقين من أن الأجيال القادمة ستوافقني الرأي، ألا تعتقدون ذلك؟ عدد كبير منا هم مخالفون صامتون. المخالفة في الرأي مثل الخميرة التي تجعل العجين جاهزاً ليُخبز. الخلاف في الرأي جوهري، فهو يتخلص من الجراثيم ويصفي الأرواح، حتى لوجاء متأخراً، فلا تتردد في الثورة والاحتجاج. ومع أن أغلبنا لا يرغب في الخلاف مع دوائر السلطة العسكرية الأكثر قوة، أو تحدي تلك الظلال الثقيلة السوداء التي تركتها ممارسة تلك الطغمة العسكرية على جسد المجتمع. أنا لا أثق بصدق السلطة وعدالة الرأي العام، ولكن لو استثنينا الحثالة التي تطفو على سطح المجتمع، والتي منهم يأتي السجان والشبيح  ورجال الدولة الفاسدين، لوجدت أن عوام الناس على المدى الطويل يغمرهم إصرار حميد وحتى بهيج، إصرار هو محرك الديموقراطية حين تعمل. فالأمور لا تسير على ما يرام، وغدت الوطنية آخر ملجأ لا للأنذال فحسب بل للفوضى بحد ذاتها. وتحول النظام السياسي تدريجياً إلى نظام احتلال أجنبي، وجعل من شن الحرب الأهلية الوقائية الدائمة ضد المجتمع سياسة رسمية .وهكذا قاد الاستبداد إلى الحرب الأهلية المعلنة التي تشنها الدولة التي أصبحت مركز تجمع المصالح السائدة ضد المجتمع بأكمله. وصار المواطن في وطنه  مثل طائر وحيد، أنهكته البراميل المتفجرة، بلا عش. يحط، منكمشاً، على غصن أجرد يابس، يضايقه البقاء هنا. ولكن إلى أين يطير؟ وما من ركن أخضر يأوي إليه، أو مكان يقيم فيه عشاً مؤقتاً على الأقل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشقيرية : نسبة إلى سميح شقير .
حنطة العدد عشرين41

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف