خميرة

الضحك في الظلام

راهيم حساوي

عندما تكونُ المسافة  قصيرةً ولا تتجاوزُ ثلاثة أمتارٍ مثلاً بين شخصٍ ما وهو يقطع الشارعَ وبين السيارة التي فاجأتهُ فإنه يرفع يديهِ ويتسمّرُ في مكانه مُدركاً أنها النهاية ولا مجالَ للنجاة.
هو يعلم أن رَفْعَ يديه لن يُوقف السيارةَ أو يخففَّ من قوة اصطدامها به، لكنه يفعل هذا من باب التعبير الفطري.
نشأ التعبير عند الإنسان منذ بداية الخلق، وراح يأخذ عدة أشكال، فمنها التعبير الصوتي والحركيّ، والصوتي الذي يرافقه التعبير الحركي، والحركي الذي يرافقه التعبير الصوتي.
الصُراخ، الغضب، القلق، الخوف، الطمأنينة، الفرح، الحب، كل هذه التعابيرِ تَظهر عبر الجسد، وقد يرافقها الصوت في نبرته حتى لو كان الحديث عن أشياء لا علاقةَ بما تم ذكره من حالات التعبير الواضحة على الجسد وسيما على ملامح الوجه.
و يبقى الضحك حالةً تعبيرية تستحق التوقف، فهل الضحك حالةٌ فطرية؟ وهل تحريك عضلات الوجه ضرورةٌ في التعبير عن الضحك الذي يُصيب قلب الإنسان؟ وهل يمكننا التعبيرُ عن الضحك بطريقة لا علاقة لها بملامح الوجه؟ ومن أين جاءت طريقة التعبير عن الضحك بهذا الشكل؟
يقول باحثون إن حالة الضحكِ حالةٌ فطرية ويبدأ الطفل بالضحك بعد مرور شهر من ولادته تقريباً، وهناك معلومات تؤكد أن الضحك يفيد الإنسان على المستوى الصحي فيما يتعلق بالدم والعضلات والتنفس والقلب.
يقول هيجل: ينشأ الضحك نتيجةً لوجود التناقض بين المفهوم والمعنى الحقيقي الدفين الذي يقدمه  هذا المفهوم ، بينما يقول  فرويد: الضحكُ ظاهرة وظيفتها إطلاق الطاقة النفسيةِ التي تمت تعبئتها بشكل خاطىء أو بتوقّعاتٍ كاذبة.
وانطلاقاً من مفهوم الضحك لدى هيجل فإن الضحكَ يجب أن يتوفر فيه الإدراكُ كشرط أساسيٍّ وهذا يتعارض فيما يقوله الباحثون عن الضحك عند الطفل الرضيع، فتحريك عضلات الوجه عند الرضيع ليس بالضرورة هي حالة ضحك بالمعنى الذي نعرفه، أمّا الضحك عند فرويد فهو ظاهرة، وهذا يعني أنه أمر مكتسب وليس حالة فطرية عند الإنسان .
فالطفل يحرك قدميه ويديه في حال أننا قمنا بدغدغته، وتحريك عضلات وجهه أمر مشابه لتحريك قدميه ويديه، ونحن ندغدغه يتأثر بملامح وجهنا ويقلدنا ومن هنا يتم اكتساب ظاهرة الضحك من حيث التعبير لا من حيث المنشأ.
ربما تكون البداية جاءت على وجهِ رجل منذ بدايات الخلق حين حرّك وجهه كموافقة على شيء ما نال رضاه أو أعجبه، وتم الاتفاق علي أنها حالة تعبير على الموافقة والرضا، وتكرر الأمر فصار بهذا الشكل، ونلاحظُ بعض الأشخاص أنهم لا يضحكون رغم إدراكهم الجيد لما يحدث من أمور حسب تعريف هيجل من حيث المنشأ.
و في بعض الأحيان يتم استخدام الضحك لغايات أخرى غير الغايات التي يقتصر عليها الضحك، فأحياناً يصير الضحكُ حالة تعبير عن الرفض والنفور، وأحياناً يصير حالةَ استغرابٍ ودهشةٍ، وحالةَ تعبير للاندماج مع الجماعة أو الآخر، ويأخذ عدة حالات أخرى، ومن زاوية أكثر عمقاً يأخذ الضحك شكلاً دفاعياً وقِناعاً للوجه يتخفى البعض وراءه لأسبابٍ تتعلق بوضعهمُ الشخصي أو تتعلق بالآخرين.
و يبقى السؤال الذي يحتاج للكثير من البحث، هل حالة الضحك التي تصيب الدماغ وبالتالي تُحرِّك القلبَ بالضرورة أن يتم ترجمتها عبر ملامح الوجه أم ثمة طريقة أخرى نستطيع التعبير بها عن الضحك كتحريك أصابع اليدين أو التلويح بيدٍ واحدة مثلما نلوّح للمسافرين؟
وفي أسوء الحالات هل نستطيع الاكتفاء بالابتسامة بحركة ميكانيكية وإظهار الأسنان فقط كما نفعل أثناء التقاط الصور الفوتوغرافية؟
عندما يكون الإنسان وحدهُ ويتذكر أشياءً تُضحكه تكون طريقةُ الضحك غير تلك الطريقة التي يضحك بها أمام الآخرين، ففي الحالة الأولى قد يكتفي بحالة التعبير بحركةٍ بسيطةٍ بملامح وجههِ، وربما لا يحرك ملامحَ وجهه ويكتفي بما يُصيب قلبه من تأثير، وفي الحالة الثانية نرى أنّ الأمر مختلف تماماً، فهو يحرك ملامح وجهه أثناء الضحك بطريقة أكثر وضوحاً وأكثر تعبيراً، وهذا يعني أنّ الضحك حالةُ تعبير نستطيع أن نعبر عنها بطريقة غير الطريقةِ التي نعرفها والتي تم الاتفاق على أنها الطريقة الوحيدة للتعبير عن الضحك.
و الضحك في الظلام يعتمد على الصوت أكثر مما يعتمد على الملامح، لذلك يستطيع الإنسان التحكم بطريقة التعبير مع الآخر على أن ما يحدث هو مُضحك دون الاعتماد على حركة ملامح الوجه، وبالتالي يبقى موضوع الضحك حالة قابلةً للتغيير والتحكم به بشكل آخر غير الشكل الذي نعرفه.

حنطة العدد عشرين42

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف