خميرة

من خارج السياق

 علاء الدين زيات

سادت الكتابة المسرحية لفترة تلك الأعمال بفصولٍ ثلاثة، كتقليد صنعته فترة النهوض المسرحي الغربي، وانتقلت بالعدوى إلى بدايات المسرح العربي كإرث للشكل جرى احترامه، في نهاية كل فصل على الستارة أن تغلق، وأن تُبقي تركيزًا مفتوحاً على مرحلة من الحدث، وتُبقي الأنظار مشدودة للهدف النهائي، وهنا يقوم العمال في الخلف بتغيير الديكور وتجهيز الإضاءة للعتبة المقبلة من القصة.  وجاء المسرح الدوار كواحد من الحلول الإبداعية. تكون الخشبة هنا قابلة للحركة كلياً، وتستبدل المشهد من مكان لمكان لتنقلنا بين بيئات عناصر القصة، وكان هذا الاستبدال يجري بالدوران ودون الحاجة لإغلاق الستارة، في حركة استعراضية مقصودة لإبقاء المُشاهد أسيراً للحكاية.
ثمّ كانت تجربة سينما / تياتر، وهي تجربة جمعت السينما بالمسرح (ربما كان خيال الظلّ جدّها الأقدم) وهذا الجمع الأخّاذ يُسيطر كلياً على الُمُشاهد، وينقله إلى بيئات سينمائية معقدة تتصل بالحدث المسرحي وتتكامل معه. في سينما / تياتر صار الفن المسرحي، وشريكه الفن السابع في علاقة جديدة إبداعياً، تجعل من عمل المخرج أكثر شمولية وتعقيداً وطلباً للاختصاصيين. ولكن بقي العالم الحقيقي أكثر قدرةً وتطلباً للمهارات، وإن كان بمستوى إبداع هو بين التقليدي والمألوف، ولكنه بقي مصدراً لكل تجليات الإبداع.
النشاط البشري الإنساني اليومي له خصوصية، إنه تعبيرٌ جمعيٌّ عن قدرة المجتمع على حفر مجرى نهره الخاص، التفافهُ أمام الصخور القاسية، دورانه حول المرتفعات، هضمه للضفاف، وسقوطه أحياناً كشلالٍ من مرتفعٍ سحيق.
كل الحديث السابق حول المسرح أورده هنا، كي أعيد للذهن ما يمكن للإبداع أن يتصدى له من مهمات وهو يتابع نهر مجتمعه، يمضي أماماً، ويميناً، ويساراً، وغوراً، وسقوطاً، وتبخراً، وعودةَ هطول.  وإن كان لازماً المسرحية بفصول ثلاث أو بفصل واحد فلابأس، ولكن مع إغلاق الستارة بحسب التمعن ملياً في الحدث المفتوح غير المنتهي. بين فصلين يجب مناقشة الخشبة وتوزع عناصرها والإضاءة والموسيقى وحركة الممثلين، ربما تكمن رؤية إبداعية عالية القيمة في مسرح الارتجال، في الحياة أيضاً ثمة مواقف تحتاجه، ولكنها على مستوى اللحظة لا على مستوى المنهج.  وحتّى مسرحية الفصل الواحد أيضاً يجب الخلوص في نهايتها إلى سؤال عالي القيمة من نوع ما هو التالي؟  في المسرح الدوار علينا أن نربط المشاهد المتصلة بالبيئات المجاورة في رؤية غير منغلقة واسعة وعريضة تماثل ٣٦٠ درجة.  وفي سينما / تياتر، مهمٌ إتقان لغة العناصر وانسجامها، من يريد أن يجعل التغيير واقعاً، والنهر متقدماً، عليه احتراف الأدوات.  قد يكون الوقت ضاغطاً واسعاً وعنيفاً، ولكننا نتحدث عن مبدعين هم بلا شك بإنسانية عالية وحساسية لا تُقدّر بثمن لمسرح الحياة وشخوصه، ولكنهم أصحاب مشروع النهضة. هؤلاء لا يعملون كأطقم إسعاف، ولا يُلهيهم صراخ الحزانى عن مهتهم الكبرى: قطيعة نهائية مع العسف. وهذا ما لا تصنعه حفلات اللطم.

حنطة العدد عشرين43

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف