خميرة

أسئلة الحواس الخمس عزلة الجسد… خيبة الموتى

قصة: وجيهة عبد الرحمن

إذ ما تملَّكتني  الرهبة
فأنا لا أجيد في الظلام سوى  البحث عن النور في قلبي.
في الخارج يعبثُ الغبار بالرؤية، تلهمني ذرَّاته فأعود إلى الوراء، إلى ذاكرة البدء لأخفي وجهي بين أصابعي، أسترقُ النظر عبر بُّلور نافذتي  إلى الكون المعجز، تتراءى لي أوهامي التي تحيط بها هالةً من السواد، أنظر إلى الأفق البعيد، تسحبني هواجسي لئلا أنغمس في تصوراتٍ لامثيل لها عن الموت.
أيُّ موات ذاك الذي استلب مني تفكيري، كنتُ أهمس لنفسي دوماً:  لن أقضي في حادث أو أحترق في النار، لن يقضي عليَّ المرض الذي فتك بأحشائي لأني ما زلت أقاومه.
تمنيت دوماً موتاً هادئاً بلا ضجيج يسلبني هيبة الرحيل، عن حياةٍ تنزَّهتُ بنزق في أروقتها الصمَّاء، بعثرت الأيام بفوضى النمل الذي يجتاح مخزن الحبوب.
بعد لحظات سيضعونني في صندوق خشبيٍّ، سأسكنه إلى ما لا نهاية.
تُراهم سيلفُّون جسدي بالبياض، أم سيكتفون بتعطيري، ثمَّ سيغلقون باب مسكني الجديد عليَّ.
أراهم يمرُّون بي أرتالاً بيضاء، مريم لا تزال تضع يدها أسفل بطنها، خشية أن ينفتح جرحها الذي امتلأ صديداً، وقد حفر لنفسه  أخدوداً ينزُّ منه بانسياب، أرادت أن تختم هبة رحمها بوليد ثالث، لكنَّها الآن تمضي مع الرَّتل الأحادي، لم تلوح لي بيدها، الظلام دامس لا أرى شيئاً، لو أنَّهم زوَّدوني بقنديل أو شمعة ريثما اعتاد السواد.
أقف بمحاذاة الرَّتل الذي يمرُّ بجانبي، أبحث عن مكان أحشر نفسي فيه فأمضي معهم، أمي التي تفوح منها رائحة الخبز تمادت في تجاهلي، الظلام يلفني، كنت أحاسبهم إذا تركوا الإضاءة منارة في البيت، السواد كان دوماً يغريني، حتى فيما ارتديت، ربَّما لأنِّي كنت قادرة على الخروج إلى النور لحظة أشاء، الآن أنا رهينة الظلام الأبدي، أشعر بهم يحملوني على الأكتاف، منذ متى عرفوا قدري وأنِّي يجب أن أكرَّم حين كانت مكرماتي هباءً، أكان ذلك بعد أن رحلتْ الروح عن جسدٍ فانٍ، وأصبحتُ لا أجيد الهرولة، أتراهم يذرفون دموعهم؟.
من بين الحشد تتراءى لي ابنتي، كم تمنيت لو أحيا طويلاً لئلا أسمع صراخها، طالما تخيلتُ نفسي أرحل، فأتصوَّرها تطلق العنان لحنجرتها لتمزِّق أستار السماء، فتهبط النجوم بفوانيسها وتضيء لها وحشة المكان بعدي.
مازلت على الأكتاف، إنَّهم يبالغون في تكريمي، إنَّهم يجوبون الشوارع بجثماني المسجَّى صندوق الرحيل، ليتهم يختصرون المسافة بيني وبين المقبرة، ليتهم يكفُّون عن الحديث عن حسناتي التي اكتشفوها الآن.
بدأ الهدوء يسلب الضجيج هيبته، إذ أنَّهم سيوارونني في مستطيل بحجم جسدي المنهك من الانكسارات، ستنزل ذرَّات التراب عليَّ لآلئَ، ستحدث رنيناً عذباً في أذني وهي تصطدم بالصندوق الذي أنا رهينته، بمقدورهم الآن أن يحصروا محيط أحلامي في مساحة صندوق أبله.
انهالت الأسئلة بسياطها اللاذعة على مخيلتي الحيرى، ماذا سيكون من بعدي؟ هل ثمَّة من سيفتقدني سوى ولديَّ؟ أم أنني كالكثير من الأمور التي تتكفل بها مجلدات النسيان، سيغدو أمري منسياً وسيمضي الكل بحياته قدماً دوني، كأنِّي يوماً لم أكن أملأ بأحلامي ونزقي جيوب الحياة، ماذا بعد أن أظلَّ هنا وحيدة والظلمة دثاري.
اختنقت أنفاسي ودبَّت القشعريرة في أوصالي إذ تخيَّلتُ تشييع جثماني أمام عيني، رهبة الموت تملكتني، بينما كنتُ أقف وراء بلور النافذة المغلقة على عالم الغبار، كنت أراقب بصمت ضياع البيوت بين ذرَّاته، حين هبط شيئاً فشيئاً بغلالة من السواد المستكين إلى البياض، حتى بدت الأشياء باهتة مأخوذ منها اللون، عالمٌ مليء بالغبار أمامي، ابتلع من البشر رغبتهم بالتجوال في شوارع المدينة.
هاجس الموت لم ينفك يلاحقني منذ سنوات طويلة، خشيت فيها من انتهاء مدة إقامتي في نُزُل الحياة.
ليت الذي طرق الباب الآن، كان قد داهم أوهامي وتخيلاتي منذ لحظات، لم أكن سأشهد ذاتي ترحل بعيداً و أشيِّعُ نفسي بنفسي بينما أنا معتقلة في صندوق الظلام إلى ما لا نهاية، إذ بات الغبار طلسماً استحال عليَّ فكُّ رموزِه.
وحين تنبَّهتُ إلى  صوت الطَّرق على الباب، أدركت أنني مازلتُ هنا، أحصي ما تبقَّى لي من الوقت لأرفع الغبار عن أيقونتي التي في صدر الغرفة، لتبدو زاهية بلون الماء.

حنطة العدد عشرين44

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف