خميرة

جدوى الكتابة

صبحي دسوقي.. رئيس دائرة كتّاب- وزارة الثقافة – الحكومة السورية المؤقتة

يتساءل الكثيرون عن جدوى الكتابـة في هذا العصـر الذي سادت فيه الكثير من القيم المغايرة، والذي برزت فيه الثقافـة الاستهلاكية بحلل براقـة وأساليب أكثر إغـراء وفتنة، وجعلت الكثيرين ينصرفون عن القراءة والكتابـة وينخرطون في إفنـاء ذواتهم خلف جماليات زائفـة، ويبادر البعض لنعي الثقافـة والكتابة وأن متغيرات الحيـاة قد عصفت بكل الرومانسيات التي أصبحت ذكرى لزمن مضى، وأن القيم التي تربينا عليها وتمسكنا بها باتت من المنقرضات والتي لا تتلاءم حالياً مع ما يحدث على أرض الواقـع من صرعات وتبدلات وتشبهات بعادات غربية أكثر رقياً وحضارة كما يدعون.
قد يكون في هذا شيء من الصحة، وقد يكون مقبولاً حالياً، لكنني على يقيـن بأن الكتابـة لن تفقد بريقها وأننا سنظل نحنّ إليها وإلى الكتـاب الذي يحمل بين دفتيه روحـاً ودفئـاً يصعب تجاهلهما، ومن المستحيل مقارنتـه في كل الإنجـازات العصرية المتلاحقة، وأن الحميمية التي تنشأ بين المبدع والمتلقي لا يمكن تحقيقها ضمن البدائل الحاليـة، وأن قيم الصدق والوفاء والإيثار والبذل والمحبة لا يمكن لها أن تنقرض لأنها العصب الرئيس في الحياة، وبدونها تغدو الدنيا بلا لون ولا طعم ولا رائحة.‏
الكتابـة تعني مخاطبـة العالم باللغة النقية التي يجب تداولها، محاصرة الخوف ومحاصرة الحقد والحزن والانهيارات الداخلية والخارجية.‏
إنها الخلاص، الفرح، التّوق إلى صنع المستقبل المشرق الذي يزيل كل السلبيات من حياتنا.‏
هي الحلم الذي يندفع نقياً ليكسو الموجـودات بتلك الخضرة الجميلـة، هي لحظة الصدق المطلوبة مع الذات التي من خلالها نتمكن من إيصال مشاعرنا الصادقـة لكل الذيـن نحبهم، ونقـاتل من أجل تمسكهم بإنسانيتهم، والتي من خلالها يتقاسمون الأفراح والأوجاع معنا.‏
هي لحظة البـوح للآخر بكل المشاعر الفياضـة التي ندّخرها له، وهي انتظارنا لحبيب غائب ننتظر رجوعه بلوعة، وهي ذاك الحنين لتـوأم روح نريده أن يبقى إلى جوارنا  كظلنا نتقاسم معه كل أفـراح الدنيا ونستعين به للتخلص من أحـزاننا وآلامنا.‏
الكتـابة عندي صدام مع المرأة من أجل إثبات كينونتها وإبراز كل ما هو إيجابي لديها، إنها دعـوة للمرأة لعدم مصالحة الواقـع، للتمسك بالحلم الذي يعد نقطة انطلاقتها نحو عالمها الأجمل ..‏
هي بحثنا عن السـعادة المفتقدة، وهي إرادتنـا في التشبث بمن نحب ومداراتـه وتقديسه وإعطائـه كل أحاسيسنا الصادقـة التي يستحقها، وهي نبل المشاعر تجاه المحبوب، وإفناء الذات من أجل فرحه وبهجته.‏
والكتابة هي ذاك الحبل السري الذي يربطنا بوطننا الذي غادرناه مرغمين متمسكين به بأرواحنا، وهي التي تجعل حلمنا به يكبر ويتاعظم ليصبح الوطنُ يوماً بمستوى حلمنا.
أنا مستمر في الكتابـة، وأراها سلاحاً يمكنني من مواجهة الأخطـاء والعمل على تلافيها، وهي سهري وجهدي وحلمي وأملي بغد قادم أكثر جمالاً وعذوبة رغم ما يحيط بنا.
أكتب لأنني بحاجة إلى إثبات إنسانيتي ووجـودي، ولأنني ما عدت أستطيع الحياة خارج الكتابة.‏

حنطة العدد عشرين46

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف