ملف

الطريق إلى إدارة التنوع وتوثيق العيش المشترك

رياض‭ ‬درار‭ – ‬معارض‭ ‬وباحث‭ ‬اسلامي

عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬لإدارة‭ ‬التنوع‭ ‬وتوثيق‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭ ‬نسمع‭ ‬شعارات‭ ‬ونداءات‭ ‬تشبه‭ ‬الأمنيات‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬المشروع‭ ‬إلا‭ ‬الاسم‭. ‬يقولون‭: ‬‮«‬كم‭ ‬نتمنى‭ ‬على‭ ‬المثقفين‭ ‬أن‭ ‬يبدعوا‭ ‬طرقاً‭ ‬وأساليب‭ ‬ومنهجيات‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬استراتيجيات‭ ‬ثقافية‭ ‬وطنية‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬الوطن‭ ‬وتسقط‭ ‬المشروع‭ ‬الطائفي‮»‬‭.‬

ويقولون‭: ‬‮«‬حري‭ ‬بالمثقفين‭ ‬السوريين‭ ‬الأحرار‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬يقاتلوا‭ ‬على‭ ‬جبهتهم‭ ‬الخاصة‭ ‬وينتصروا‭ ‬للتسامح‭ ‬وبناء‭ ‬الروح‭ ‬الوطنية،‭ ‬والإحساس‭ ‬بالانتماء‭ ‬لا‭ ‬بالطائفية‭ ‬والمذهبية،‭ ‬عليهم‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬يعلموا‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬تحكمهم‭ ‬مصالحهم‭ ‬ومواقعهم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لا‭ ‬طوائفهم‭ ‬ومذاهبهم،‭ ‬أن‭ ‬يعلموا‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬جغرافية‭ ‬الثورة‭ ‬هي‭ ‬جغرافية‭ ‬الوطن‭ ‬وليس‭ ‬جغرافية‭ ‬الطوائف‭ ‬والمذاهب،‭ ‬وأن‭ ‬الطائفية‭ ‬دمار‭ ‬للوطن‮»‬‭. ‬

ويقولون‭: ‬‮«‬وحري‭ ‬بنا‭ ‬نحن‭ ‬المفكرين‭ ‬والمثقفين‭ ‬أن‭ ‬نحارب‭ ‬المشروع‭ ‬الطائفي،‭ ‬والحرب‭ ‬تكون‭ ‬بالثقافة،‭ ‬والكلمة‭ ‬والفكر،‭ ‬والعمل‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المستويات‭ ‬والاتجاهات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الانتصار‭ ‬للثورة‭ ‬والحرية‭ ‬والكرامة‭ ‬في‭ ‬بلادنا‮»‬‭.‬

ليس‭ ‬استسهالاً‭ ‬بالموضوع،‭ ‬لكن‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬ننتمي‭ ‬إليه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬إلاّ‭ ‬باحثاً‭ ‬عن‭ ‬نموذج‭ ‬يُغذي‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ويُنمّي‭ ‬المشاعر‭ ‬القومية‭. ‬ولم‭ ‬تخلُ‭ ‬مناهجنا‭ ‬من‭ ‬هكذا‭ ‬شعارات،‭ ‬وكلمات‭ ‬معبأة‭ ‬بالحشد‭ ‬العاطفي،‭ ‬والروايات‭ ‬التي‭ ‬تختزن‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬الوطني‭ ‬الجياش،‭ ‬والتي‭ ‬تبدت‭ ‬في‭ ‬شعارات‭ ‬الأحزاب،‭ ‬وقوافي‭ ‬الشعراء،‭ ‬وسجع‭ ‬كهان‭ ‬الأدباء‭ ‬والمثقفين،‭ ‬فهل‭ ‬كان‭ ‬مخزون‭ ‬من‭ ‬النفاق‭ ‬يختفي‭ ‬وراء‭ ‬ذلك،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬استدراجاً‭ ‬مقصوداً‭ ‬أخفى‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الحقد‭ ‬الطائفي‭ ‬الذي‭ ‬برز‭ ‬مكشراً‭ ‬عن‭ ‬أنياب‭ ‬الطائفية‭ ‬سوداء‭ ‬بغيضة؟

هذا‭ ‬المخزون‭ ‬النفاقي‭ ‬دفع‭ ‬ممدوح‭ ‬عدوان‭ ‬إلى‭ ‬كشفه‭ ‬ووصفه‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬مشكلة‭ ‬المشكلات‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬يتم‭ ‬تحت‭ ‬شعارات‭ ‬براقة‭ ‬من‭ ‬اﻹخاء،‭ ‬والتكاتف‭ ‬اﻹجتماعي،‭ ‬والتعايش‭ ‬بين‭ ‬فئات‭ ‬تخفي‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬الكراهية‭ ‬العمياء‭ ‬للفئات‭ ‬اﻷخرى،‭ ‬و‭ ‬تتحيَّن‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬الفرص‭ ‬للانقضاض‭ ‬على‭ ‬الفئة‭ ‬اﻷخرى‭ ‬والفتك‭ ‬بها‭. ‬إنها‭ ‬التقية‭ ‬العامة،‭ ‬والباطنية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالمجتمعات‭ ‬المقموعة‭ ‬والمهزومة‭ ‬في‭ ‬آن‭ … ‬وازدواجية‭ ‬مريعة‭ ‬بين‭ ‬الظاهر‭ ‬والباطن،‭ ‬الجميع‭ ‬يقولون‭ ‬الكلام‭ ‬الجميل‭ ‬الذي‭ ‬يتضمن‭ ‬المجاملة،‭ ‬والتضامن،‭ ‬والتعايش‭ ‬اﻷخوي،‭ ‬والجميع‭ ‬يخفون‭ ‬اﻷحقاد‭ ‬المبطنة‭ ‬والنيات‭ ‬المبيتة‮»‬‭.‬

التعددية‭ ‬الثقافية‭ ‬والتنوع‭ ‬والعيش‭ ‬المشترك‭ ‬تعد‭ ‬في‭ ‬عمقها‭ ‬تجربة‭ ‬حياة،‭ ‬وتجربة‭ ‬عيش‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬مجتمع‭ ‬أقل‭ ‬انعزالية‭ ‬وضيقا‭ ‬في‭ ‬الأفق،‭ ‬وأكثر‭ ‬حيوية‭ ‬وتنوعاً،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬أقل‭ ‬تجانساً،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يبرز‭ ‬وجوه‭ ‬الصراع‭ ‬الخفية‭ ‬هو‭ ‬القمع‭ ‬والهزيمة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬تجاوز‭ ‬هذا‭ ‬المأزق‭ ‬التاريخي‭ ‬يكون‭ ‬باستيعاب‭ ‬متطلبات‭ ‬الحداثة‭ ‬وقيمها‭ ‬المعاصرة،‭ ‬وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬الدولة،‭ ‬ودورها،‭ ‬وأدائها‭.‬

التعددية‭ ‬الإثنوـ‭ ‬ثقافية‭ ‬تعد‭ ‬تاريخياً‭ ‬مكوناً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬مختلف‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬فهي‭ ‬تمتد‭ ‬بعيداً‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الإنساني،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬خاصة‭ ‬بالمجتمعات‭ ‬الحديثة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬المعاصرة‭ ‬أمست‭ ‬مطالبة،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬هذه‭ ‬التعددية‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬مجتمعها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬سياسة‭ ‬الاعتراف‭ ‬المتبادل‭ ‬لمكونات‭ ‬المجتمع؛‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إرساء‭ ‬شكل‭ ‬للاندماج‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬بشكل‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬النموذج‭ ‬الذي‭ ‬أرسيت‭ ‬على‭ ‬أساسه‭ ‬الدول‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬العصبية،‭ ‬دينية‭ ‬أم‭ ‬قومية،‭ ‬ودول‭ ‬الإرث‭ ‬القبلية،‭ ‬والجمهوريات‭ ‬الملكية‭.‬

فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬واحدة،‭ ‬والواقع‭ ‬المجتمعي‭ ‬متنوعاً‭ ‬ثقافياً،‭ ‬فهل‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬جعل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬انعكاساً‭ ‬لوحدة‭ ‬الدولة،‭ ‬أم‭ ‬جعل‭ ‬الدولة‭ ‬انعكاساً‭ ‬لهذا‭ ‬التنوع؟‭ ‬هل‭ ‬يتعين‭ ‬إخضاع‭ ‬التعددية‭ ‬الثقافية‭ ‬والتنوع‭ ‬المجتمعي‭  ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬أحادية‭ ‬الدولة‭ ‬الصارم،‭ ‬وذلك‭ ‬بغية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استمرارية‭ ‬تماسك‭ ‬الدولة‭ ‬والحؤول‭ ‬دون‭ ‬انقسامها‭ ‬وتصدعها؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاستمرارية‭ ‬وهذا‭ ‬التماسك‭ ‬يتعين‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاعتراف‭ ‬بواقع‭ ‬التعددية‭ ‬ضمن‭ ‬الوحدة‭ ‬وبما‭ ‬يعززها؟‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬المواءمة‭ ‬بين‭ ‬ضرورة‭ ‬الوحدة‭ ‬السياسية‭ ‬والتضامن‭ ‬المجتمعي‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وأهمية‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى؟

هذا‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬صياغة‭ ‬نظرية‭ ‬معاصرة‭ ‬تنتهج‭ ‬نهجاً‭ ‬وسطاً‭ ‬للتوفيق‭ ‬بين‭ ‬كلا‭ ‬الاتجاهين،‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أن‭ ‬وحدة‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تقتضي‭ ‬أُحادية‭ ‬ثقافة‭ ‬المجتمع،‭ ‬وأن‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬لا‭ ‬يفضي‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬تشظية‭ ‬الدولة‭ ‬وانقسامها‭.‬

إن‭ ‬الدولة،‭ ‬وهي‭ ‬كائن‭ ‬سياسي‭ ‬حيادي‭ ‬وظيفي،‭ ‬يجب‭ ‬ترفُّعها‭ ‬فوق‭ ‬جميع‭ ‬الأديان‭ ‬والأعراق‭ ‬والطوائف‭ ‬والمذاهب‭ ‬والطبقات،‭ ‬فهي‭ ‬كائن‭ ‬بلا‭ ‬هوية‭ ‬ايديولوجية‭ ‬أو‭ ‬عرقية‭ ‬أو‭ ‬مذهبية‭. ‬إن‭ ‬توصيفها‭ ‬يحمل‭ ‬النفي‭ ‬لمن‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬الصفة،‭ ‬فكل‭ ‬منفي‭ ‬من‭ ‬صفة‭ ‬الدولة‭ ‬سيصبح‭ ‬خارج‭ ‬إطار‭ ‬الدولة،‭ ‬وبالتالى‭ ‬سيُنفى‭ ‬عن‭ ‬المواطنة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬الصفة،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬مبدأ‭ ‬التعددية‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإيمان‭ ‬بوجود‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬طرق‭ ‬الحياة‭ ‬المتنوعة‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬لنا‭ ‬بأن‭ ‬نعيش‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭  ‬الاختيار‭ ‬الحر‭ ‬لنمط‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الذي‭ ‬يناسبنا‭. ‬علماً‭ ‬أن‭ ‬التعددية‭ ‬والتنوع‭ ‬إنما‭ ‬يكونان‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الوحدة‭ ‬الجامعة‭ ‬والروابط‭ ‬المشتركة،‭ ‬فالشرائع‭ ‬المتعددة،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لا‭ ‬تتأتى‭ ‬تعدديتها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الدين‭ ‬الواحد،‭ ‬والحضارات‭ ‬المتعددة‭ ‬لا‭ ‬تتأتى‭ ‬تعدديتها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المشترك‭ ‬الإنساني‭ ‬العام‭. ‬وبذلك،‭ ‬فإن‭ ‬التعددية‭ ‬هي‭ ‬تنوع‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬تميز‭ ‬وخصوصية،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬توجد‭ ‬إلا‭ ‬بالمقارنة‭ ‬بالوحدة‭ ‬وضمن‭ ‬إطارها،‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬إطلاق‭ ‬التعددية‭ ‬على‭ ‬التشرذم‭ ‬والقطيعة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬جامع‭ ‬لآحادها،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬الأحادية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أجزاء‭ ‬لها‭.‬

إن‭ ‬طبيعة‭ ‬الدولة‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬تعني‭ ‬بنيتها‭ ‬السياسية‭ ‬والتنظيمية‭ ‬والدستورية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬كيفية‭ ‬إنتاج‭ ‬سلطتها‭ ‬السياسية‭ ‬وتبديلها‭ ‬أو‭ ‬توارثها،‭ ‬وكيفية‭ ‬ممارسة‭ ‬وظائفها‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬والسلام،‭ ‬والسياسة‭ ‬والسيادة،‭ ‬والحقوق،‭ ‬وعلاقات‭ ‬الدول‭.. ‬إلخ‭. ‬وهذه‭ ‬الجوانب‭ ‬جميعاً‭ ‬تُحدد‭ ‬طبيعة‭ ‬الدولة‭ ‬ومكانها‭ ‬من‭ ‬الكل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬يحمي‭ ‬طموحاته‭ ‬وحرياته‭ ‬ويستجيب‭ ‬لدواعي‭ ‬تطوره،‭ ‬وهذه‭ ‬الصورة‭ ‬لطبيعة‭ ‬الدولة‭ ‬‮«‬حظيت‭ ‬بأقل‭ ‬اهتمام‭ ‬وسط‭ ‬موروثنا‭ ‬السياسي‭ ‬والثقافي،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أكده‭ ‬دعاة‭ ‬التنوير‭ ‬والإصلاح‭ ‬الديني‭ ‬والسياسي‭ ‬من‭ ‬كافة‭ ‬الاتجاهات،‭ ‬وربما‭ ‬تزامن‭ ‬هذا‭ ‬الإغفال‭ ‬أو‭ ‬جاء‭ ‬متذرعاً‭ ‬بظروف‭ ‬الكفاح‭ ‬السياسي‭ ‬والانشغال‭ ‬بهوية‭ ‬الأمة‭ ‬وعقيدتها‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬الدولة‭ ‬وقواعدها،‭ ‬وكل‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يجرد‭ ‬موروثنا‭ ‬الديني‭ ‬والفلسفي‭ ‬والأخلاقي‭ ‬من‭ ‬خزان‭ ‬عامر‭ ‬بالقيم‭ ‬الإيجابية،‭ ‬كالعدالة،‭ ‬والإنصاف،‭ ‬والمساواة،‭ ‬والحرية‭ ‬وغيره،‭ ‬إضافةً‭ ‬لصفحات‭ ‬غنية‭ ‬في‭ ‬بحث‭ ‬شروط‭ ‬الحاكم‭ ‬العادل،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬لم‭ ‬يخلُ‭ ‬من‭ ‬حكام‭ ‬صالحين‭ ‬جسدوا‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬بأشخاصهم‭ ‬على‭ ‬أرفع‭ ‬المستويات،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬ظلت‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬شخص‭ ‬أصحابها‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬افتقرت‭ ‬غالباً‭ ‬لقواعد‭ ‬الإصلاح‭ ‬والصلاح،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصفحات‭ ‬المضيئة‭ ‬تخص‭ ‬موروثنا‭ ‬الديني‭ ‬والفلسفي‭ ‬والأخلاقي،‭ ‬والذي‭ ‬نميزه‭ ‬عن‭ ‬الموروث‭ ‬السياسي‭ ‬والثقافي‭ ‬لأنه‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬نقيضه‭ ‬ويشكل‭ ‬وضعاً‭ ‬تاريخياً‭ ‬بسط‭ ‬سلطته‭ ‬وديمومته‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬القرون‭ ‬والساحات‭ ‬العربية‮»‬‭.  

ومع‭ ‬هذا‭ ‬فليست‭ ‬هذه‭ ‬طبيعة‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬نرجو‭ ‬قيامها،‭ ‬ونأمل‭ ‬منها‭ ‬استيعاب‭ ‬هذا‭ ‬التنوع

الإثني‭ ‬ـ‭ ‬ثقافي‭. ‬الدولة‭ ‬المدنية‭ ‬التي‭ ‬تحفظ‭ ‬حق‭ ‬المواطنة‭ ‬كقيمة‭ ‬إنسانية‭ ‬عليا،‭ ‬تجسد‭ ‬معنى‭ ‬خلافة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وبما‭ ‬تستهدفه‭ ‬من‭ ‬انتماء‭ ‬ومسؤولية‭ ‬وتسامح‭ ‬وعقلانية‭ ‬ومساواة،‭ ‬وهي‭ ‬قيمة‭ ‬ترفع‭ ‬من‭ ‬مكانة‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬رعية‭ ‬إلى‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬حرية‭ ‬وتعليم‭ ‬وانتماء‭ ‬وحقوق‭. ‬‮«‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬يتوجب‭ ‬القول‭ : ‬إن‭ ‬الدولة‭ ‬الصالحة‭ ‬بطبيعتها‭ ‬هي‭ ‬دولة‭ ‬مدنية،‭ ‬وعمل‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬التاريخ‭ ‬والتطور‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭ ‬والحقوقي‭ ‬والثقافي،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ننجزه‭ ‬بعد‮»‬،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعيب‭ ‬النص‭ ‬الديني‭ ‬‮«‬فالنص‭ ‬الديني‭ ‬لم‭ ‬يحدد‭ ‬طبيعة‭ ‬الدولة،‭ ‬بل‭ ‬جعلها‭ ‬مرهونة‭ ‬بتطور‭ ‬المجتمع‭ ‬واتساع‭ ‬وعيه‭ ‬ومسؤوليته‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬حياته‭ ‬بأفضل‭ ‬سبل‭ ‬الحكم‭ ‬التي‭ ‬تصون‭ ‬قيم‭ ‬الحق‭ ‬والحرية‭ ‬والعدالة‭ ‬والمساواة‮»‬‭. ‬

‭ ‬التعدد‭ ‬الثقافي‭ ‬كان‭ ‬يراد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يختصر‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬المواطنة‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬التمتع‭ ‬بالحقوق‭ ‬والالتزام‭ ‬بالواجبات‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الدولة‭ ‬القومية،‭ ‬لكن‭ ‬بروز‭ ‬التكتلات‭ ‬السياسية‭ ‬الإقليمية‭ ‬الكبيرة،‭ ‬وتنامي‭ ‬النزاعات‭ ‬العرقية‭ ‬والدينية،‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تدفع‭ ‬للسؤال‭ ‬عن‭ ‬مصير‭ ‬المواطنة‭. ‬وأيضاً‭ ‬مع‭ ‬انبثاق‭ ‬أوعودة‭ ‬حلم‭ ‬الفلاسفة‭ ‬والمفكرين‭ ‬للدولة‭ ‬العالمية،‭ ‬يمكن‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬صفة‭ ‬المواطن‭ ‬العالمي‭ ‬كيف‭ ‬ستكون؟‭ ‬وبدون‭ ‬ذلك‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعالج‭ ‬مسألة‭ ‬التعدد‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وعن‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬والمواطنة‭ ‬المتساوية؟

‭ ‬وفي‭ ‬بلادنا‭ ‬صعود‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬صار‭ ‬عقبة‭ ‬أمام‭ ‬التنوع،‭ ‬ومسألة‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭ ‬حيث‭ ‬الفقهيات‭ ‬التي‭ ‬تسم‭ ‬المختلف‭ ‬بالردة‭ ‬والكفر،‭ ‬والآخر‭ ‬بالذمي‭ ‬أو‭ ‬المحالف‭ ‬والموالي،‭ ‬وصعود‭ ‬قضايا‭ ‬تهدد‭ ‬الوطنية،‭ ‬كبروز‭ ‬الطائفية‭ ‬والصراع‭ ‬بين‭ ‬المذاهب،‭ ‬والأقليات‭ ‬والإثنيات،‭ ‬وبالتالي‭ ‬استمرار‭ ‬النظرة‭ ‬الشمولية‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬والسيطرة‭ ‬وإدارة‭ ‬الموارد‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتعارض‭ ‬كلياً‭ ‬مع‭ ‬التصور‭ ‬الإسلامي‭ ‬لحقيقة‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني،‭ ‬وحقيقة‭ ‬العمران‭ ‬الإسلامي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬قيم‭ ‬الحرية،‭ ‬والمساواة،‭ ‬والعدالة،‭ ‬والغيرية،‭ ‬والتسامح،‭ ‬والفاعلية‭ ‬التاريخية،‭ ‬والاجتهاد‭ ‬والاستخلاف‭. ‬وهي‭ ‬المنظومة‭ ‬التي‭ ‬تتحدد‭ ‬بمقتضاها‭ ‬قيمة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الدارين‭ ‬مصداقاً‭ ‬لقوله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿وأن‭ ‬ليس‭ ‬للاِنسان‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬سعى‭. ‬وأن‭ ‬سعيه‭ ‬سوف‭ ‬يرى﴾،‭ ‬وقوله‭ ‬عز‭ ‬من‭ ‬قائل‭: ‬﴿إنا‭ ‬خلقناكم‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬وأنثى‭ ‬وجعلناكم‭ ‬شعوباً‭ ‬وقبائلَ‭ ‬لتعارفوا،‭ ‬إن‭ ‬أكرمكم‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬أتقاكم﴾‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يختلف‭ ‬مع‭ ‬التجربة‭ ‬التاريخية‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬حيث‭ ‬نجد‭ ‬تراثاً‭ ‬مهما‭ ‬من‭ ‬الأدبيات‭ ‬المحتفية‭ ‬بالتعددية‭ ‬الحضارية‭ ‬بمللها‭ ‬ونحلها،‭ ‬بشعوبها‭ ‬وقبائلها،‭ ‬بعشائرها‭ ‬وطوائفها‭. ‬فمثلما‭ ‬تنشأ‭ ‬الحقوق‭ ‬الفردية‭ ‬من‭ ‬سعي‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬لتعزيز‭ ‬حريته‭ ‬الشخصية،‭ ‬فإن‭ ‬الحقوق‭ ‬الجماعية‭ ‬تنبع‭ ‬بدورها‭ ‬استجابة‭ ‬لمصلحة‭ ‬كل‭ ‬جماعة‭ ‬في‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬استمراريتها‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعني‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬أهمية‭ ‬الفرد‭ ‬وأهمية‭ ‬الجماعة،‭ ‬أي‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الحرية‭ ‬الفردية‭ ‬والانتماء‭ ‬الثقافي،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬مكون‭ ‬أصلاً‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬وجماعات‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬وحسب‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬التصور‭ ‬الإسلامي‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الفردي‭ ‬والجماعي،‭ ‬بين‭ ‬الخاص‭ ‬والعام‭.‬

ولقد‭ ‬لعب‭ ‬الغرب،‭ ‬الذي‭ ‬بلور‭ ‬مفهوم‭ ‬المواطنة‭ ‬وتقدم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النموذج‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬الإدارة،‭ ‬دوراً‭ ‬بين‭ ‬الإغراء‭ ‬والخشية،‭ ‬فبعد‭ ‬الامتداد‭ ‬عبر‭ ‬اختراق‭ ‬البنيات‭ ‬الثقافية‭ ‬للدول‭ ‬بالفنون‭ ‬والصناعات‭ ‬والاستهلاك،‭ ‬فقد‭ ‬قاد‭ ‬الاستعمار،‭ ‬والخشية‭ ‬من‭ ‬نتائجه،‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬والتحصن‭ ‬وراء‭ ‬الهوية‭. ‬وهذا‭ ‬فاقم‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬الداخلية‭ ‬على‭ ‬الحريات‭ ‬واستلاب‭ ‬الحقوق،‭ ‬وحتى‭ ‬إلى‭ ‬التعصب‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬الاستعمار‭ ‬ألهم‭ ‬النضال‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إلغاء‭ ‬التفرقة‭ ‬العنصرية،‭ ‬مثلما‭ ‬أن‭ ‬إلغاء‭ ‬التفرقة‭ ‬العنصرية‭ ‬ألهم‭ ‬النضال‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حقوق‭ ‬الجماعات‭ ‬الفرعية‭ ‬والتعددية‭ ‬الثقافية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬تمت‭ ‬الدعوة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬المعاصر‭ ‬إلى‭ ‬شرعية‭ ‬الاختلاف‭ ‬‮«‬كأساس‭ ‬لتعدّدية‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الشتات‭ ‬والتشتّت،‭ ‬ولا‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬طائفية‭ ‬أو‭ ‬قبلية،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬نظام‭ ‬لمجتمع‭ ‬مدنيّ‭ ‬متعدّد‭ ‬العناصر‭ ‬والمصالح،‭ ‬تتعاقد‭ ‬حول‭ ‬مؤسّسات‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬وفاق‭ ‬عامّ‭ ‬متجدّد‭ ‬بالوسائل‭ ‬الديمقراطية‮»‬،‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬تعد‭ ‬بمثابة‭ ‬‮«‬نظام‭ ‬مؤسّسيّ‭ ‬لإدارة‭ ‬تعدّدية‭ ‬المجتمع‭ ‬المدنيّ‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬مملكة‭ ‬الحرية‭ ‬للجميع‭ ‬فكراً‭ ‬وتنظيماً‭. ‬

وبالمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬يمكن‭ ‬تَشكَل‭ ‬كل‭ ‬القوى‭ ‬وتحت‭ ‬أي‭ ‬اسم‭ ‬ديني‭ ‬أوعقدي‭ ‬وايديولوجي‭ ‬أو‭ ‬مذهبي،‭ ‬حيث‭ ‬كل‭ ‬الحريات‭ ‬موجودة،‭ ‬والدولة‭ ‬تمارس‭ ‬دورها‭ ‬الوظيفي‭ ‬بحيادية‭ ‬وكحكم‭ ‬بين‭ ‬الجميع،‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬ميدان‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والحريات،‭ ‬والدولة‭ ‬تكثيف‭ ‬لفكرة‭ ‬القانون،‭ ‬والقانون‭ ‬مركزي‭ ‬يطبق‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المواطنين‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الاختلاف‭. ‬وباستقلالية‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬وحيادية‭ ‬الدولة‭ ‬يمكن‭ ‬البدء‭ ‬بالسير‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬إدارة‭ ‬التنوع‭ ‬وتوثيق‭ ‬العيش‭ ‬المشترك،‭ ‬والخلاص‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬الاستبداد‭ ‬بكافة‭ ‬صوره‭.‬

حنطة6 حنطة7

برومو الشهيد ناجي الجرف