ملف

مراجعة حول استدلال الثقافة

علاء‭ ‬زيّات‭ – ‬ناشط‭ ‬مدني،‭ ‬عضو‭ ‬الهيئة‭ ‬الإدارية‭ ‬لـ(تماس)

في‭ ‬كلّ‭ ‬مرة‭ ‬أطوِ‭ ‬بها‭ ‬الغسيل‭ (‬البدلات‭ ‬الداخلية‭ ‬حصراً‭) ‬أرتب‭ ‬القطعة‭ ‬العلوية‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬والسفلية‭ ‬مع‭ ‬بعض،‭ ‬وأضعها‭ ‬في‭ ‬الخزانة‭ ‬كل‭ ‬على‭ ‬ركن،‭ ‬وحين‭ ‬تلزمني‭ ‬بعد‭ ‬الاستحمام‭ ‬آخذ‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ركن‭. ‬لمَ‭ ‬لا‭ ‬أرتب‭ ‬الآشياء‭ ‬في‭ ‬ثنائيات‭ ‬بحسب‭ ‬وظيفتها‭ ‬الاستعمالية،‭ ‬وهو‭ ‬أكثر‭ ‬عملية‭ ‬وأوفر‭ ‬للوقت؟‭. ‬

الميل‭ ‬للتصنيف‭ ‬وفق‭ ‬التشابه‭ ‬هو‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬ترتيبات‭ ‬العيش،‭ ‬رغبة‭ ‬كامنة‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬اللاوعي‭ ‬إدارات‭ ‬صغيرة‭ ‬ليتفرغ‭ ‬الوعي‭ ‬لقضايا‭ ‬أهم،‭ ‬وواحدة‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬المجتمعات‭ ‬وايجاد‭ ‬العلاقات‭ ‬وجدران‭ ‬التواصل‭ ‬والفروق‭ ‬بين‭ ‬المكونات،‭ ‬في‭ ‬النبات‭ ‬والكيمياء‭ ‬والتاريخ‭ ‬واللغات‭… ‬الخ‭. ‬

للتصنيف‭ ‬هذه‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬تسهيل‭ ‬حياتنا،‭ ‬وهو‭ ‬يُسهلها‭ ‬فعلاً‭ ‬حين‭ ‬لايتصلّب‭ ‬ليصير‭ ‬هدفاً‭ ‬بذاته،‭ ‬أي‭ ‬أنْ‭ ‬نَهيم‭  ‬بالتصنيف،‭ ‬وأنْ‭ ‬نقصّ‭ ‬أجنحة‭ ‬الأشياء‭ ‬لتناسب‭ ‬العلب‭ ‬التي‭ ‬نصنعها‭ ‬لها،‭ ‬هنا‭ ‬تُصبح‭ ‬الحياة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والقوميات‭ ‬والدين‭ ‬تابعاً‭ ‬للتصنيف‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحيل‭ ‬لاوعينا‭ ‬الى‭ ‬إسار‭ ‬التعسف‭ ‬والديكتاتورية‭. ‬

حين‭ ‬يكون‭ ‬التصنيف‭ ‬لأهداف‭ ‬راحة‭ ‬الناس‭ ‬يلتزم‭ ‬معاييرهم‭ ‬ويلتزم‭ ‬تطورهم،‭ ‬لذا‭ ‬يماشي‭ ‬بإطراد‭ ‬رغبتهم‭ ‬المستمرة‭ ‬في‭ ‬الاكتشاف‭ ‬وكسر‭ ‬القوالب‭ (‬كم‭ ‬من‭ ‬نظرية‭ ‬ضحدت‭ ‬سابقتها،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬آية‭ ‬نسخت‭ ‬سابقتها،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬ساد‭ ‬طويلاً‭ ‬لنجد‭ ‬خطله‭ ‬وخطره‭ ‬فيما‭ ‬بعد،‭  ‬وكم‭ ‬من‭ ‬شعوذة‭ ‬نسفها‭ ‬الطب،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬أسقطتها‭ ‬أخرى‭). ‬

الأمر‭ ‬المهم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ (‬راحة‭ ‬الناس‭ ‬والعيش‭ ‬بواقع‭ ‬أرقى‭ ‬إنسانياً‭) ‬ليس‭ ‬اكتشافاً‭ ‬ثقافياً‭ ‬بالمعنى‭ ‬البحثي،‭ ‬هو‭ ‬تطور‭ ‬مُطرد‭ ‬لقواهم‭ ‬الإنتاجية‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬الذهنية،‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬عتبات‭ ‬وعيهم‭ ‬أعلى،‭ ‬فتنهال‭ ‬على‭ ‬أشكال‭ ‬النشاط‭ ‬البشري‭ ‬بالنقد‭ ‬والتمحيص‭  ‬لابتداع‭ ‬منظومات‭ ‬تحاكي‭ ‬عتبة‭ ‬التطور‭. ‬

أفهم‭ -‬أنا‭ ‬على‭ ‬الأقل‭- ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬المعاكسة‭ (‬انهيار‭ ‬القيم‭ ‬الانتاجية‭ ‬أولاً‭ ‬ثم‭ ‬الذهنية‭) ‬أن‭ ‬رغبتنا‭ ‬بالتصنيف‭ ‬ترتفع‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الهوس‭ ‬والتقديس،‭ ‬لدرجة‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬عنك‭ ‬ككائن‭ ‬هو‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬إيصالك‭ ‬للعلبة‭ ‬المناسبة‭ (‬وأحياناً‭ ‬غير‭ ‬المناسبة‭) ‬لكن‭ ‬التعليب‭ ‬يظلّ‭ ‬هدفاً‭. ‬هنا‭ ‬تغدو‭ ‬الثقافة‭ -‬وكل‭ ‬نواتج‭ ‬البناء‭ ‬الفوقي‭- ‬تبريرية‭ ‬ومستكينة‭ ‬وأقرب‭ ‬لموظفي‭ ‬الخدمة‭ ‬القابعين‭ ‬على‭ ‬أبواب‭ ‬دوائر‭ ‬معقدة‭ ‬الإجراءات،‭ ‬يُحصّلون‭ ‬عيشهم‭ ‬عبر‭ ‬تسهيل‭ ‬معاملاتك‭ ‬ولكنهم‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬دحر‭ ‬البيروقراطية‭ ‬لأنها‭ ‬سبب‭ ‬وجودهم‭.‬

بعد‭ ‬هذه‭ ‬المقدمة‭ ‬الطويلة‭ ‬علي‭ ‬أن‭ ‬أوضح‭ ‬ما‭ ‬تقدمت‭ ‬به‭ ‬أسئلة‭ ‬الملف‭ ‬من‭ ‬إثارات‭ ‬مختلفة‭: ‬

1‭. ‬في‭ ‬تعريف‭ ‬الثقافة،‭ ‬وفي‭ ‬تعريف‭ ‬التعددية‭ ‬الثقافية‭ : ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬جماعات‭ ‬ثقافية‭ ‬فعلاً؟

في‭ ‬جوانبها‭ ‬الثلاث‭: ‬

‭-‬العضوي‭ ‬القابل‭ ‬للتوريث‭. ‬

‭-‬والتحليلي‭ ‬القابل‭ ‬للمقارنة‭ ‬والفرز‭ ‬بين‭ ‬خصوصيات‭ ‬عناصره‭ ‬المحلية‭. ‬

‭-‬وللعلاقة‭ ‬بالدين‭ ‬كمكون‭ ‬يصعب‭ ‬تجاهله‭ (‬وهي‭ ‬مرتكزات‭ ‬الفعل‭ ‬الثقافي‭ ‬لدى‭ ‬اليوت‭). ‬

تغدو‭ ‬عملية‭ ‬تعريف‭ ‬الثقافة‭ ‬تعريفاً‭ ‬ساكناً‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬تعليب‭ ‬تبسيطي‭  ‬تمهيداً‭ ‬لعرضها‭ ‬على‭ ‬واجهات‭ ‬المحال‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬يُمكن‭ ‬فهم‭ ‬ذلك‭ ‬بطريقة‭ ‬أقل‭ ‬قسراً،‭ ‬فالثقافة،‭ ‬والتعددية‭ ‬الثقافية،‭ ‬والجماعات‭ ‬الثقافية،‭ ‬هي‭ ‬بمجملها‭ ‬نواتج‭ ‬عمل‭ ‬تاريخي‭ ‬طويل‭ ‬وغير‭ ‬منتهٍ،‭ ‬وحين‭ ‬نُقدم‭ ‬لقطة‭ ‬ثابتة‭ ‬لحظية‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬فمن‭ ‬الضروري‭ ‬عدم‭ ‬الركون‭ ‬إليها‭ ‬طويلاً‭ (‬تعليبها‭) ‬كيلا‭ ‬تصير‭ ‬الثقافة‭ ‬عربة‭ ‬جرّ‭ ‬متثاقلة‭ ‬تحمل‭ ‬ركاباً‭ ‬بليدين‭. ‬

مشكلة‭ ‬الافتراض‭ ‬حول‭ ‬وجود‭ ‬جماعات‭ ‬ثقافية‭ ‬هي‭ ‬معضلة‭ ‬لسببين،‭ ‬سيكون‭ ‬الجواب‭ ‬بنعم‭ ‬ورطة‭ ‬لأن‭ ‬التالي‭ ‬سيكون‭ ‬ماهي‭ ‬التخوم‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الهويات‭ ‬المحلية‭ ‬الصغرى،‭ ‬ومن‭ ‬سيفرض‭ ‬جدول‭ ‬أولويات‭ ‬الرئيسي‭ ‬والثانوي‭ (‬خلطة‭ ‬السياسي‭ ‬الإثني،‭ ‬أو‭ ‬مفهوم‭ ‬الالزاس‭ ‬واللورين‭ ‬من‭ ‬جديد‭). ‬والقضية‭ ‬المعضلة‭ ‬الثانية،‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬وضع‭ ‬تخوم‭ ‬بين‭ ‬ثقافات‭ ‬لم‭ ‬تنضج‭ ‬هوياتها‭ ‬المعرفية‭ ‬إلى‭ ‬المستوى‭ ‬الذي‭ ‬يُعبّر‭ ‬عن‭ ‬تقدميتها‭ ‬بالمعنى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الاجتماعي‭ (‬علاقات‭ ‬إنتاج‭ ‬عالية‭ ‬التنظيم‭ -‬منظومات‭ ‬إنتاج‭ ‬معرفي‭ – ‬نقد‭ ‬للتراث‭ – ‬تجريبية‭ ‬واعية‭ – ‬حداثة‭). ‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬ينفتح‭ ‬الحديث‭ ‬حول‭ ‬دلالات‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭ ‬وهو‭ ‬اصطلاح‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬أبعاد‭ ‬نفيه،‭ ‬فإرساء‭ ‬قواعد‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭ ‬وفق‭ ‬المصلحة‭ ‬المتبادلة‭ ‬فقط،‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬بعداً‭ ‬كافياً‭ ‬للثقافات‭ ‬يُبرر‭ ‬تواصلها‭ ‬ورؤيتها‭ ‬للتفاعل‭ ‬الإيجابي،‭ ‬أو‭ ‬اقتناعها‭ ‬بجذرية‭ ‬نشوء‭ ‬واحدة،‭ ‬ولا‭ ‬بنقطة‭ ‬اندماج‭ ‬مقبلة‭.  ‬يمكن‭ ‬للهند‭ ‬واورغواي‭ ‬صناعة‭ ‬تعايش‭ ‬مشترك‭ ‬وفق‭ ‬المصلحة‭ ‬فقط‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬انتقالاً‭ ‬كافياً‭ ‬للأثر‭ ‬الثقافي‭ ‬بينهما،‭ ‬إنه‭ ‬حوار‭ ‬عقود‭ ‬تصدير‭ ‬واستيراد،‭ ‬وربما‭ ‬لمواد‭ ‬تحمل‭ ‬بعداً‭ ‬ثقافياً‭ ‬في‭ ‬مضمونها‭ (‬فنون،‭ ‬وكتب،‭ ‬وتوابل،‭ ‬ووصفات‭ ‬للطبخ‭)  ‬ولكنها‭ ‬محدودة‭ ‬الأثر‭ . ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التعايش‭ ‬كمفهوم‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭  ‬المساواة‭ ‬في‭ ‬المواطنة،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الكيمياء‭ ‬فان‭ ‬الالكترونات‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬الأكسجين‭ ‬والهدروجين‭  ‬لتكوين‭ ‬الماء‭ ‬بصيغة‭ ‬H2O‭  ‬ثبت‭ ‬استحواذ‭ ‬الأكسجين‭ ‬للالكترونات‭ ‬فترة‭ ‬أطول،‭ ‬هناك‭ ‬ثقافات‭ ‬قاهرة‭ ‬اليوم‭ ‬متعدية‭ ‬وغالبة‭ ‬بالنظر‭ ‬لاستنادها‭ ‬إلى‭ ‬عوامل‭ ‬قوة‭ ‬مختلفة‭ (‬القوة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والقوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬والقوة‭ ‬التقنية‭ ‬لعصر‭ ‬المعلومات،‭ ‬والقوة‭ ‬المعرفية‭) ‬أو‭ ‬الكل‭ ‬معاً،‭  ‬ولكنها‭ ‬كمنحى‭ ‬رئيسيّ،‭ ‬بغياب‭ ‬مفهومها‭ ‬عن‭ ‬التقدم‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬تنضم‭ ‬إلى‭ ‬الشركاء‭ ‬السابقين‭ ‬لتكون‭ ‬قامعة‭ (‬بالمعنى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الثقافي‭)‬،‭ ‬وقهرية‭ (‬بالمعنى‭ ‬الثقافي‭ ‬العسكري‭)‬،‭ ‬واحتكارية‭ (‬بالمعني‭ ‬الثقافي‭ ‬التقني‭)‬،‭ ‬وآخراً‭ ‬متعالية‭ ‬وعنصرية‭ (‬بالمعنى‭ ‬الثقافي‭ ‬المعرفي‭)‬،‭  ‬وتنسحب‭ ‬هذه‭ ‬اللوثة‭ ‬على‭ ‬هرم‭ ‬التوضع‭ ‬الثقافي‭ ‬الدولي‭ ‬للمنتجين‭ ‬الكبار‭ ‬القامعين‭ ‬لثقافات‭ ‬أقلّ‭ ‬فأقلّ‭ ‬فأقل‭. ‬

إنّ‭ ‬عيشاً‭ ‬مشتركاً‭ ‬هو‭ ‬مرآة‭ ‬لقصور‭ ‬الهوية‭ ‬المحلية‭ ‬للمجموعات‭ ‬الثقافية،‭ ‬وإن‭ ‬تطويره‭ ‬هكذا،‭ ‬دون‭ ‬تطوير‭ ‬الهويات‭ ‬بمعناها‭ ‬التقدمي‭ ‬النقدي،‭ ‬يعني‭ ‬محاولة‭ ‬بائسة‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬وحدة‭ ‬مجموعة‭ ‬بشرية‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬ملامحها‭ ‬شبه‭ ‬ممسوحة‭. ‬

3‭. ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للدولة‭-‬الأمة‭ ‬أن‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬تحدي‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬بين‭ ‬مكوناتها؟

سيكون‭ ‬صعباً‭ ‬على‭ ‬الأطراف‭ ‬حل‭ ‬هذه‭ ‬المعضلة‭ ‬دون‭ ‬اختراق‭ ‬كاف‭ ‬لقضيتي‭ ‬التبعية‭ ‬والدين‭. ‬

يفرض‭ ‬التقسيم‭ ‬الدولي‭ ‬للعمل‭ ‬تنظيماً‭ ‬مختلفاً‭ ‬للمجتمعات،‭ ‬وفق‭ ‬مساهمتها‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬

الاقتصاديات،‭ ‬والتبادل‭ ‬المعرفي،‭ ‬وتقنيات‭ ‬التواصل،‭ ‬وتطوير‭ ‬منظومات‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬كمشاركين‭ ‬نشطاء‭ ‬منتجين‭ ‬وغير‭ ‬مستهلكين‭ (‬الصين،‭ ‬والهند،‭ ‬وماليزيا،‭ ‬وبشكل‭ ‬أقل‭ ‬تركيا‭) ‬هذا‭ ‬التوضع‭ ‬الطابقي‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الدولية‭ ‬يستتبع‭ ‬منتج‭ ‬ثقافي‭ ‬على‭ ‬سويات‭ ‬متناسبة‭ ‬مع‭ ‬اقتصادياتها‭ (‬ربما‭ ‬تُشكّل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬استثناءً،‭ ‬وذلك‭ ‬لفرط‭ ‬نشاطها‭ ‬العسكري‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬قوة‭ ‬ردع‭ ‬دولية‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬العسكري‭ ‬والمالي‭)‬،‭ ‬وأمام‭ ‬واقع‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬سيكون‭ ‬للثقافات‭ ‬القاهرة‭ ‬قدرة‭ ‬تحكم‭ ‬عالية‭ ‬في‭ ‬تكييف‭ ‬متطلبات‭ ‬الثقافات‭ ‬الأدنى،‭ ‬وبخاصة‭ ‬مع‭ ‬استحواذ‭ ‬تقني‭ ‬وإعلامي،‭ ‬ووسائط‭ ‬اتصال‭ ‬شبه‭ ‬احتكارية‭. ‬إنّ‭ ‬تكييف‭ ‬دول‭ ‬الأطراف‭ ‬لمنتجها‭ ‬الثقافي‭ ‬الوطني‭ (‬بأبعاده‭ ‬الثلاثة‭: ‬المتوارث،‭ ‬والتحليلي،‭ ‬والديني‭) ‬سيكون‭ ‬صعباً‭ ‬للغاية‭ ‬دون‭  ‬انفتاح‭ ‬عالمي‭ ‬مع‭ ‬مخاطر‭ ‬التنافسية‭ ‬غير‭ ‬العادلة‭.  ‬تُقدم‭ ‬الصين‭ ‬نموذجاً‭ ‬متوارثاً‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬الصارمة،‭ ‬وتُقدّم‭ ‬اليابان‭ ‬نموذجاً‭ ‬متوارثاً‭ ‬عن‭ ‬دولة‭ ‬ناهضة‭ ‬بالتصور‭ ‬الغربي‭ ‬لما‭ ‬بعدالحرب‭ ‬الكونية‭ ‬الثانية،‭  ‬وفي‭  ‬إيران‭ ‬نموذج‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬مختلف،‭ ‬وتركيا‭ ‬أيضاً،‭ ‬وهي‭ ‬نماذج‭ ‬تغصّ‭ ‬بالهويات‭ ‬والثقافات،‭ ‬ولكن‭ ‬مشروع‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬كان‭ ‬مخرجاً‭ ‬متفقاً‭ ‬على‭ ‬ولوجه‭.. ‬

في‭ ‬النهاية‭ ‬وعطفاً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬هل‭ ‬للدولة‭ ‬السورية‭ ‬بصيغتها‭ ‬القومية‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬فعل‭ ‬ماسبق‭ ‬أَن‭ ‬فعلته‭ ‬دولٌ‭ ‬أخرى؟‭ ‬

أظنه‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬والأصعب،‭ ‬وبخاصة‭ ‬وسورية‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬تكاد‭ ‬خطوط‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الأشياء‭ ‬معدومة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬قطع‭ ‬البازل‭ ‬أية‭ ‬فرصة‭ ‬للتقارب‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬عقد‭ ‬ربط‭ ‬جيدة‭. ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي‭ ‬هناك‭ ‬مساحة‭ ‬من‭ ‬التفلت‭ ‬يمكن‭ ‬السماح‭ ‬بها‭ ‬ضمن‭ ‬طابق‭ ‬دول‭ ‬الأطراف،‭ ‬وسيكون‭ ‬على‭ ‬السوريين‭ ‬بذل‭ ‬جهدٍ‭  ‬للإفلات‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الطابق،‭ ‬وهي‭ ‬فرصة‭ ‬كبيرة‭ ‬اليوم،‭  ‬حيث‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬عرضة‭ ‬للتغير‭ ‬والنقد‭ ‬والرفض‭ ‬والاستبدال‭. ‬في‭ ‬جو‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬تدخل‭ ‬الثقافة‭ ‬بدورها‭ ‬نفق‭ ‬المراجعة‭ ‬على‭ ‬جوانبها‭ ‬الثلاث‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭ (‬العضوي،‭ ‬والتحليلي‭ ‬المحلي،‭ ‬والمحمول‭ ‬على‭ ‬العامل‭ ‬الديني‭) ‬ولا‭ ‬أستبعد‭ ‬أن‭ ‬يجري‭ ‬تغييرٌ‭ ‬كبيرٌ‭ ‬على‭ ‬جوهر‭ ‬تناولنا‭ ‬المعرفي‭ ‬للمفهوم‭ ‬الثقافي‭ ‬خارج‭ ‬التعليب‭ ‬وخارج‭ ‬اللقطة‭ ‬المحنطة،‭ ‬وسأكون‭ ‬مرتاحاً‭ ‬أن‭ ‬أضع‭ ‬الأشياء‭ ‬بحسب‭ ‬قيمها‭ ‬الاستعمالية‭ ‬في‭ ‬ثنائيات،‭ ‬وأُنهي‭ ‬بساطة‭ ‬التصنيف‭ ‬بحسب‭ ‬الشكل‭. ‬

حنطة8 حنطة9

برومو الشهيد ناجي الجرف