ملف

التعايش السلمي و تأبيد حالة الاستثناء

مازن‭ ‬كم‭ ‬الماز‭ – ‬كاتب‭ ‬سوري

قد‭ ‬تبدو‭ ‬كلمات‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬ذا‭ ‬وقع‭ ‬جيد‭ ‬على‭ ‬الآذان،‭ ‬السلام‭ ‬خاصة‭ .. ‬لكن‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬ليس‭ ‬مبدأ‭ ‬يمكن‭ ‬قبوله‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬نقدي،‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬يحمل‭ ‬من‭ ‬المعاني‭ ‬السلبية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭.  ‬فهو‭ ‬يضع‭ ‬‮«‬الآخر‮»‬‭ ‬في‭ ‬مكانة‭ ‬أدنى‭ ‬بالبداهة،‭ ‬و‭ ‬يحكم‭ ‬سلفاً‭ ‬بإدانته،‭ ‬لكن‭ ‬الحكم‭ ‬الذي‭ ‬يصدره‭ ‬بحق‭ ‬ذلك‭ ‬الآخر‭ ‬يكون‭ ‬هنا‭ ‬مخففاً،‭ ‬بتهمة‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬مختلف‮»‬‭. ‬يكتفى‭ ‬بالحكم‭ ‬عليه‭ ‬بالعيش‭ ‬على‭ ‬الهامش،‭ ‬لكنه‭ ‬عيش‭ ‬على‭ ‬الأقل‭. ‬إنّ‭ ‬تقبل‭ ‬الآخر‭ ‬لا‭ ‬يجعله‭ ‬شريكاً‭ ‬في‭ ‬الجماعة‭ ‬البشرية،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬خلق‭ ‬و‭ ‬إدامة‭ ‬التوتر‭ ‬الضروري‭ ‬لاستمرار‭ ‬المجموعات‭ ‬الهرمية،‭ ‬لأن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التوتر‭ ‬الدائم‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬البعض‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الآخرين‭. ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬الأحوال،‭ ‬سواء‭ ‬برفض‭ ‬الآخر‭ ‬قطعياً‭ ‬‭(‬اضطهاد‭ ‬و‭ ‬قمع‭ ‬‮«‬هويته‮»‬‭ ‬و‭ ‬حتى‭ ‬محاولة‭ ‬إلغائه‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬جزئياً‭ (‬كما‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬التعايش‭ ‬السلمي‮»‬‭)‬،‭ ‬يستمر‭ ‬تقسيم‭ ‬المجتمع‭ ‬ووضع‭ ‬بعضه‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬بعضه‭ ‬الآخر،‭ ‬و‭ ‬التشديد‭ ‬على‭ ‬الطبيعة‭ ‬التناقضية‭ ‬للعلاقات‭ ‬بين‭ ‬أفراده‭ ‬لتبرير‭ ‬إنشاء‭ ‬قوة‭ ‬منفصلة‭ ‬عنه،‭ ‬تزعم‭ ‬أنها‭ ‬تلعب‭ ‬دور‭ ‬‮«‬صمام‭ ‬أمان‮»‬‭ ‬لتلك‭ ‬النزاعات‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬قصده‭ ‬كارل‭ ‬شميدت‭ (‬أحد‭ ‬منظري‭ ‬النازية‭) ‬بتعبير‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬الاستثناء‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تُصبح‭ ‬مبرراً،‭ ‬حتى‭ ‬لحكومات‭ ‬الدول‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬لتعليق‭ ‬العمل‭  ‬بحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬و‭ ‬فرض‭ ‬إجراءات‭ ‬قمعية‭ ‬‮«‬استثنائية‮»‬‭. ‬إن‭ ‬لعبة‭ ‬السلطة‭ ‬هي‭ ‬خلق‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬استثناء‭ ‬دائمة‮»‬‭. ‬والتعايش‭ ‬السلمي‭ ‬هنا،‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬لمحاولة‭ ‬عقلنة‭ ‬حالة‭ ‬الاستثناء‭ ‬تلك،‭ ‬أو‭ ‬التناقضات‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تأبيدها‭ ‬واستثمارها‭ ‬لقمع‭ ‬المجتمع‭. ‬حالة‭ ‬العقلنة‭ ‬أو‭ ‬القوننة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬رصدها‭ ‬فوكو‭ ‬في‭ ‬حفرياته‭ ‬المشهورة،‭ ‬و‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نأخذ‭ ‬مؤسسات‭ ‬العقاب‭ ‬كنموذج‭ ‬لها‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬البرجوازية‭ ‬و‭ ‬الحداثة،‭ ‬قامت‭ ‬السلطة‭ ‬الجديدة‭ ‬بـ«عقلنة‮»‬‭ ‬العقاب،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬العقاب‭ ‬طقساً‭ ‬رمزياً‭ ‬مفرطاً‭ ‬في‭ ‬قسوته‭ ‬للدلالة‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬و‭ ‬ممارسة‭ ‬جسدية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الألم،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬مقنناً‭. ‬عقاب‭ ‬عقلانيّ‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬جسديّ‭ ‬بالقدر‭ ‬الضروري‭ ‬فقط‭ ‬ليؤدي‭ ‬وظيفته‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬أغراض‭ ‬السلطة‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬القمع‭ ‬صاخباً،‭ ‬باختصار‭ ‬لأن‭ ‬موضوعه‭ -‬أي‭ ‬الإنسان‭- ‬تغيرت‭ ‬صفته‭ ‬القانونية،‭ ‬أو‭ ‬شكل‭ ‬علاقته‭ ‬بالسلطة‭ ‬التي‭ ‬يخضع‭ ‬لها‭. ‬فكرة‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬لا‭ ‬تلغي‭ ‬التناقض‭ ‬بل‭ ‬‮«‬تقوننه‮»‬،‭ ‬و‭ ‬تسعى‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬قوننته‭ ‬إلى‭ ‬تأبيده،‭ ‬و‭ ‬تفترض‭ ‬وجود‭ ‬قوة‭ ‬فوق‭ ‬المجتمع‭ ‬‮«‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬سلامته‮»‬‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬تلك‭ ‬التناقضات‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬كنوازع‭ ‬لتدميره،‭ ‬قوة‭ ‬تتمتع‭ ‬بسلطات‭ ‬استثنائية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ممارسة‭ ‬العنف‭ ‬ضد‭ ‬الجميع‭ ‬عند‭ ‬الضرورة،‭ ‬و‭ ‬دائماً‭ ‬مراقبة‭ ‬المجتمع،‭ ‬و‭ ‬عقابه‭ ‬الاستباقيّ‭ ‬أو‭ ‬الوقائيّ‭ ‬كلما‭ ‬رأت‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬ضرورياً‮»‬‭. ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬والأنظمة‭ ‬العربية،‭ ‬وإلى‭ ‬حد‭ ‬ما،‭ ‬المعارضة‭ ‬السورية‭ ‬المؤسساتية،‭ ‬هي‭ ‬أمثلة‭ ‬جيدة‭ ‬على‭ ‬حالة‭ ‬الاستثناء‭ ‬الدائمة‭ ‬تلك‭. ‬جميعاً‭ ‬تُقدّم‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬وسيط‮»‬‭ ‬ضروري‭ ‬لاستمرار‭ ‬سورية‭ ‬موحدة،‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يضاف‭ ‬إليها‭ ‬عند‭ ‬الضرورة‭ ‬صفات‭ ‬أخرى‭ ‬تداعب‭ ‬أساساً‭ ‬مزاج‭ ‬الشارع‭ (‬مدنية،‭ ‬إسلامية،‭ ‬علمانية‭). ‬لكن‭ ‬القضية‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬إدامة‭ ‬التناقضات‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬جعلها‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للحل،‭ ‬ضمان‭ ‬ألاّ‭ ‬يتمكن‭ ‬البشر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يحلّوا‭ ‬هذه‭ ‬التناقضات‭ ‬بأنفسهم‭. ‬هنا‭ ‬بالذات‭ ‬يكون‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬هو‭ ‬الشعار‭ ‬الأنسب‭ ‬لأية‭ ‬قوة‭ ‬سلطوية‭ ‬أو‭ ‬للنظام‭ ‬القائم‭: ‬فهو‭ ‬يُرسّخ‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع،‭ ‬ويحلّه‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬غير‭ ‬متساوٍ،‭ ‬ليُبقِ‭ ‬جذوة‭ ‬السخط‭ ‬قائمة،‭ ‬و‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬يمنع‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يبادروا‭ ‬بأنفسهم‭ ‬لحل‭ ‬تلك‭ ‬التناقضات،‭ ‬وأية‭ ‬محاولة‭ ‬لنقاش‭ ‬تلك‭ ‬التناقضات‭ ‬علناً‭ ‬و‭ ‬تفكيكها‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬الاستثناء،‭ ‬وتعتبر‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬انتهاك‭ ‬للتعايش‭ ‬السلمي‭. ‬هنا‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬أن‭ ‬تستعد‭ ‬دائماً‭ ‬لانفجار‭ ‬كل‭ ‬التناقضات‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬سواء‭ ‬داخله‭ ‬أو‭ ‬بينه‭ ‬وبينها،‭ ‬لتحاول‭ ‬بسرعة‭ ‬إعادة‭ ‬التوازن‭ ‬لسلطتها،‭ ‬و‭ ‬‮«‬استعادة‭ ‬شرعيتها‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬اللزوم‭ ‬استبدالها‭ ‬بسلطة‭ ‬‮«‬أقدر‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بوظائفها‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬الاستقرار‭ ‬للمجتمع‮»‬‭. ‬إن‭ ‬تجاوز‭ ‬هذا‭ ‬المأزق‭ ‬يتطلب‭ ‬شغلاً‭ ‬هائلاً،‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬أنفسهم‭. ‬إنه‭ ‬التحدي‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬البشرية‭ ‬طوال‭ ‬تاريخها‭ ‬العاقل‭ ‬تقريباً،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬هزيمة‭ ‬الهيمنة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬المجتمع‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬تناقضاته‭ ‬أو‭ ‬إدارتها‭ ‬بنفسه،‭ ‬وإلاّ‭ ‬فإن‭ ‬شبكة‭ ‬علاقات‭ ‬الهيمنة‭ ‬التي‭ ‬نسجت‭ ‬حول‭ ‬أفراده‭ ‬ستجدد‭ ‬نفسها‭ ‬باستمرار‭.‬

حنطة9

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف