ملف

الحرب في سورية، والطائفية

نيك‭ ‬دان‭ ‬فورس،‭ ‬وغراهام‭ ‬بيتس عن‭ ‬موقع: ‬dissentmagazine

ترجمة‭: ‬غياث‭ ‬عبد‭ ‬العزيز

كان‭ ‬إعلان‭ ‬القيادة‭ ‬العامة‭ ‬الموحدة‭ ‬للمعارضة‭ ‬الإسلامية‭ ‬محرجاً‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬لأولئك‭ ‬الذين‭ ‬ينكرون‭ ‬وجود‭ ‬طابع‭ ‬طائفي‭ ‬للصراع‭ ‬في‭ ‬سورية‭. ‬وبوجود‭ ‬مقاتلين‭ ‬من‭ ‬جانبي‭ ‬الصراع‭ ‬يؤمنون‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬حرباً‭ ‬دينية،‭ ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬اللحظة‭ ‬قد‭ ‬حانت‭ ‬لتقديم‭ ‬تفسير‭ ‬جديد‭ ‬حول‭ ‬ترسيخ‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقتٍ‭ ‬مضى‭.‬

لقد‭ ‬ذكر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬أن‭ ‬مؤشرات‭ ‬التوتر‭ ‬الطائفي‭ ‬قديمة‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬ومثالها‭ ‬ندرة‭ ‬التزاوج‭ ‬بين‭ ‬الطوائف،‭ ‬بالطبع،‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هذا‭ ‬التزاوج‭ ‬نادر‭ ‬أيضاً،‭ ‬ويشكل‭ ‬نسبة‭ ‬عشرة‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬أعراق‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي،‭ ‬أكثر‭ ‬المجتمعات‭ ‬شمولاً‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

من‭ ‬الصعب‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬نحن‭ ‬الأمريكيون،‭ ‬أن‭ ‬نتخيل‭ ‬بلدنا‭ ‬ينزلق‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬القادمة،‭ ‬قد‭ ‬يقول‭ ‬أحد‭ ‬الأجانب‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬ممكن‭ ‬بسبب‭ ‬الكراهية‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬السود‭ ‬والبيض‭ ‬والتي‭ ‬تعود‭ ‬لاكثر‭ ‬من‭ ‬200‭ ‬سنة‭ ‬قبل‭ ‬تأسيس‭ ‬البلاد،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬مبرر‭  ‬سخيف،‭ ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬يملك‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬الآن‭ ‬والجميع‭ ‬قد‭ ‬نسوا‭ ‬العبودية،‭ ‬وكذلك‭ ‬كان‭ ‬الوضع‭ ‬بين‭ ‬الطوائف‭ ‬السورية‭ ‬منذ‭ ‬عشرات‭ ‬السنين،‭ ‬العوامل‭ ‬الإقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬الناس‭ ‬يتفائلون‭ ‬ببشار‭ ‬الأسد‭ ‬كرئيس‭ ‬مصلح‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬المجتمع‭ ‬السوري‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الهاوية‭.‬

منذ‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬أطلق‭ ‬الأسد‭ ‬برنامجاً‭ ‬لتحرير‭ ‬الإقتصاد‭ ‬السوري،‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬سبباً‭ ‬لازدهار‭ ‬طبقة‭ ‬التجار‭ ‬في‭ ‬المدن،‭ ‬وخلق‭ ‬فرص‭ ‬جديدة‭ ‬للفساد‭. ‬بينما‭ ‬بقي‭ ‬المزارعون‭ ‬على‭ ‬الهامش،‭ ‬الحكومة‭ ‬السورية‭ ‬كانت‭ ‬تحاول‭ ‬دائماً‭ ‬التسويق‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬تدعم‭ ‬الطبقات‭ ‬الريفية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقديم‭ ‬الإرشاد‭ ‬الزراعي‭ ‬ودعم‭ ‬الأسعار‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬المنتجات‭ ‬التركية‭ ‬والأردنية‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬المزارعين‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ضعف‭ ‬التمويل‭ ‬منافسة‭ ‬تلك‭ ‬المنتجات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬منسوب‭ ‬المياه‭ ‬الجوفية‭ ‬وسنوات‭ ‬عدة‭ ‬من‭ ‬الجفاف‭ ‬وضعتهم‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬صعب‭ ‬حقاً‭.‬

لذلك،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬المستغرب‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬الثورة‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الزراعة،‭ ‬محافظة‭ ‬درعا‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬كانت‭ ‬أول‭ ‬المنتفضين،‭ ‬تلتها‭ ‬المناطق‭ ‬الريفية‭ ‬في‭ ‬إدلب‭ ‬شمال‭ ‬غرب‭ ‬سورية‭. ‬كانت‭ ‬درعا‭ ‬لوقت‭ ‬طويل‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الموالية‭ ‬للنظام،‭ ‬ولذلك‭ ‬كانت‭ ‬بداية‭ ‬الثورة‭ ‬منها‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أذهل‭ ‬النظام،‭ ‬سعى‭ ‬زعماء‭ ‬القبائل‭ ‬السنية‭ ‬في‭ ‬درعا‭ ‬إلى‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬السنة‭ ‬في‭ ‬حمص‭ ‬وحماه‭ ‬وحلب،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬حماه،‭ ‬المركز‭ ‬التقليدي‭ ‬المعارض‭ ‬للنظام‭. ‬وتوحدت‭ ‬بعض‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭ ‬تحت‭ ‬راية‭ ‬طائفية‭. ‬وتطور‭ ‬الأمر‭: ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الطائفية‭ ‬وسيلة‭ ‬لإعطاء‭ ‬التماسك‭ ‬للثوار،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬بقي‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬السنة‭ ‬المستفيدين‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬وعلى‭ ‬وجه‭ ‬التحديد‭ ‬في‭ ‬حلب‭ ‬موالين‭ ‬للنظام‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬بعضهم‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬المعارضة‭.‬

إضافة‭ ‬لذلك،‭ ‬كانت‭ ‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وتونس‭ ‬بمثابة‭ ‬الشرارة‭ ‬التي‭ ‬أحرقت‭ ‬عشب‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السوري،‭ ‬كانت‭ ‬مؤسسات‭ ‬البلاد‭ ‬تفتقر‭ ‬للقوة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬التوترات‭ ‬الإجتماعية،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬بدأت‭ ‬بالتعبئة‭ ‬الطائفية‭ ‬لدى‭ ‬جانبي‭ ‬الصراع،‭ ‬عندما‭ ‬أُنشأت‭ ‬الدولة‭ ‬السورية،‭ ‬كانت‭ ‬السلطات‭ ‬الاستعمارية‭ ‬الفرنسية‭ ‬تتبع‭ ‬سياسة‭ ‬الأقليات،‭ ‬وتجند‭ ‬العلويين‭ ‬والمسيحيين‭ ‬في‭ ‬وحدات‭ ‬عسكرية‭ ‬محلية‭ ‬تستخدم‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬السنة،‭ ‬بالنسبة‭ ‬لفرنسا،‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬بمثابة‭ ‬ميزة‭ ‬لها،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الجيش‭ ‬السوري‭ ‬بقي‭ ‬كياناً‭ ‬وطنياً‭ ‬متعدد‭ ‬الطوائف‭ ‬عندما‭ ‬نالت‭ ‬سورية‭ ‬استقلالها‭ ‬عام‭ ‬1946‭.‬

عندما‭ ‬استلم‭ ‬حافظ‭ ‬الأسد‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬السبعينات،‭ ‬كانت‭ ‬سورية‭ ‬قد‭ ‬عانت‭ ‬بالفعل‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬انقلابات،‭ ‬ولذلك‭ ‬سعى‭ ‬الأسد‭ ‬لتشجيع‭ ‬أقاربه‭ ‬والمقربين‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬استلام‭ ‬مناصب‭ ‬سياسية‭ ‬وعسكرية‭ ‬رفيعة‭ ‬المستوى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬توطيد‭ ‬سلطته‭. ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬بمدة،‭ ‬قام‭ ‬الأسد‭ ‬بقمع‭ ‬خصومه،‭ ‬ثم‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬قاعدة‭ ‬عريضة‭ ‬من‭ ‬الشعب،‭ ‬وقد‭ ‬استغل‭ ‬الأسد‭ ‬موقفه‭ ‬الثابت‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬كسب‭ ‬شعبية‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬شرائح‭ ‬المجتمع‭ ‬السوري‭. ‬وعندما‭ ‬استلم‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭ ‬الحكم،‭ ‬حاول‭ ‬تحرير‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وصنع‭ ‬السلام‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬عندما‭ ‬اندلعت‭ ‬الثورة‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يملك‭ ‬سوى‭ ‬استخدام‭ ‬العنف‭ ‬وطلب‭ ‬الدعم‭ ‬من‭ ‬شركائه‭ ‬في‭ ‬الطائفة‭ ‬الموجودين‭ ‬داخل‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭.‬

ولا‭ ‬يمكننا‭ ‬تجاهل‭ ‬السياق‭ ‬الدولي‭ ‬للموضوع‭ ‬الطائفي،‭ ‬وكلا‭ ‬الجانبين‭ ‬يستخدم‭ ‬السياسة‭ ‬لمناشدة‭ ‬حلفائه‭ ‬الروس‭ ‬والأمريكان،‭ ‬لكن‭ ‬الأسد‭ ‬يستخدم‭ ‬اللغة‭ ‬الطائفية‭ ‬لكسب‭ ‬الحليف‭ ‬الإيراني،‭ ‬كما‭ ‬يستخدمها‭ ‬الثوار‭ ‬في‭ ‬التقرب‭ ‬من‭ ‬قطر‭ ‬والمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭. ‬كما‭ ‬يستخدم‭ ‬حزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬خطاباً‭ ‬إسلامياً‭ ‬لتعزيز‭ ‬دعمه‭ ‬للمعارضة‭. ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الحماس‭ ‬الزائد‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬إيران‭ ‬وتركيا‭ ‬لتحسين‭ ‬العلاقات‭ ‬الإقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬مع‭ ‬الأسد‭.‬

عندما‭ ‬كنا‭ ‬نؤكد‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬الحقائق‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬طائفياً،‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نقصد‭ ‬التلميح‭ ‬إلى‭ ‬الكراهية‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬نراها‭ ‬اليوم،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬مجرد‭. ‬بل‭ ‬كنا‭ ‬نحاول‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬العنف‭ ‬الطائفي‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬لتلك‭ ‬التظورات‭ ‬السياسية‭ ‬والإقتصادية‭ ‬التي‭ ‬أشرنا‭ ‬إليها،‭ ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬القضية،‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬أصبحنا‭ ‬ندركه‭ ‬نحن‭ ‬الأمريكيون‭ ‬بالفطرة‭ ‬عند‭ ‬التفكير‭ ‬به‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬شهدنا‭ ‬قضايا‭ ‬مماثلة‭ ‬سابقاً‭ ‬في‭ ‬بلدنا‭.‬

حنطة12

برومو الشهيد ناجي الجرف