حصيدة

التسول .. والجوع … والحرب على الشعب

دمشق‭-‬علي‭ ‬عمار

يطلبون‭ ‬منك‭ ‬المساعدة‭ ‬بحجة‭ ‬أنهم‭ ‬مهجرون،‭ ‬قد‭ ‬تقدم‭ ‬لهم‭ ‬ما‭ ‬تستطيع،‭ ‬وتعطيهم‭ ‬بعض‭ ‬المال،‭ ‬حينها‭ ‬يغمرونك‭ ‬بالدعاء‭ ‬والثناء‭ ‬وطول‭ ‬البقاء،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تستجيب‭ ‬لبعضهم‭ ‬فيكون‭ ‬نصيبك‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬الشتائم،‭ ‬أو‭ ‬نظرات‭ ‬حادة‭ ‬يغشاها‭ ‬عدم‭ ‬الرضا‭ ‬من‭ ‬امتناعك‭ ‬عن‭ ‬المساعدة‭!.‬

ظاهرة‭ ‬التسول‭ ‬ليست‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬السوري،‭ ‬ولم‭ ‬ترتبط‭ ‬بأي‭ ‬ظرف‭ ‬ومكان،‭ ‬ولكنها‭ ‬اتخذت‭ ‬طابعاً‭ ‬جديداً‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬فوق‭ ‬الأرض‭ ‬السورية‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬المكونات‭ ‬السورية،‭ ‬فاستغل‭ ‬البعض‭ ‬فيها‭ ‬مأساة‭ ‬النزوح‭ ‬والتشرد‭ ‬والتهجير‭ ‬القسري‭ ‬لكسب‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬التعاطف‭ ‬لزيادة‭ ‬مدخولهم‭ ‬اليومي‭.‬

لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬ينفي‭ ‬بالطبع‭ ‬أن‭ ‬التسول‭ ‬ارتفع‭ ‬منسوبه‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬نتيجة‭ ‬للظروف‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬المجتمع‭ ‬السوري،‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬هُجرت‭ ‬وتركت‭ ‬مناطقها‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬أكثر‭ ‬أمناً‭ ‬واستقراراً،‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬فقدت‭ ‬معيلها‭ ‬ورب‭ ‬أسرتها،‭ ‬فاضطروا‭ ‬إلى‭ ‬النزول‭ ‬إلى‭ ‬الشوارع‭ ‬لكسب‭ ‬رزقهم‭ ‬وسد‭ ‬رمق‭ ‬العيش،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬إغفال‭ ‬أن‭ ‬بعضاً‭ ‬منهم‭ ‬اضطر‭ ‬لمزاولة‭ ‬مهنة‭ ‬التسول‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬أمامه‭ ‬سبيل‭ ‬آخر‭.‬

‮«‬قُسمُ‭ ‬الحاجة‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬قَسمُ‭ ‬المسؤولية‭!‬

‭(‬بسم‭ ‬الله‭ ‬الرحمن‭ ‬الرحيم،‭ ‬أنا‭ ‬مهجر‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬ونصف،‭ ‬وأقسم‭ ‬بالله‭ ‬العظيم‭ ‬راح‭ ‬بيتي‭ ‬ومالي‭ ‬وأهلي‭ ‬وأولادي،‭ ‬وما‭ ‬لنا‭ ‬غير‭ ‬الله‭ ‬وأهل‭ ‬الخير،‭ ‬والأجر‭ ‬والثواب‭ ‬على‭ ‬الله‭ ..).‬

هذا‭ ‬ليس‭ ‬قَسماً‭ ‬لحكومة‭ ‬الحلقي،‭ ‬ولا‭ ‬لمسؤول‭ ‬يتولى‭ ‬منصباً‭ ‬جديداً‭. ‬إنه‭ ‬قَسم‭ ‬يضعه‭ ‬رجل‭ ‬ستيني‭ ‬أمامه‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬شوارع‭ ‬مدينة‭ ‬دمشق،‭ ‬وبجانبه‭ ‬كرتونة‭ ‬مليئة‭ ‬بعلب‭ ‬الأدوية‭ ‬الفارغة،‭ ‬للتدليل‭ ‬على‭ ‬الحاجة‭ ‬للعلاج‭ ..‬

هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬ومثل‭ ‬هذا‭ ‬القَسم،‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬لتشاهده‭ ‬قبل‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬ونصف،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬رحاها‭ ‬فوق‭ ‬الأرض‭ ‬السورية‭.‬

لكنه‭ ‬ليس‭ ‬المشهد‭ ‬الوحيد‭ ‬الذ‭ ‬ي‭ ‬تواجهه‭ ‬خلال‭ ‬توجهك‭ ‬للعمل‭ ‬أو‭ ‬السوق،‭ ‬وحتّى‭ ‬أثناء‭ ‬جلوسك‭ ‬في‭ ‬الحديقة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬مكاناً‭ ‬لنوم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العائلات‭!.‬

تشاهد‭ ‬المأساة‭ ‬تتنقل‭ ‬أمامك‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬لآخر،‭ ‬ومن‭ ‬زاوية‭ ‬لأخرى،‭ ‬تجدها‭ ‬عند‭ ‬إشارة‭ ‬المرور،‭ ‬وتحت‭ ‬شجرة،‭ ‬وفي‭ ‬نفق،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬مدخل‭ ‬السوق،‭ ‬تجدها‭ ‬أمام‭ ‬المحلات‭. ‬إنك‭ ‬تشعر‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬نساء‭ ‬ورجال‭ ‬وأطفال‭ ‬سورية‭ ‬يتنقلون‭ ‬أمامك‭ ‬طلباً‭ ‬للمعونة،‭ ‬وكأن‭ ‬التسول‭ ‬هو‭ ‬الهدف‭ ‬الذي‭ ‬سعى‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬يقوم‭ ‬بقتل‭ ‬الشعب‭ ‬وتشريده‭.‬

واقع‭ ‬مأساوي،‭ ‬مرير‭ ‬ومؤلم،‭ ‬وكأن‭ ‬السوريون‭ ‬باتوا‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬يستجدون‭ ‬لقمة‭ ‬عيشهم‭ ‬اليومية‭!.‬

البعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭:‬

إن‭ ‬الارتفاع‭ ‬الحاد‭ ‬للأسعار،‭ ‬وغلاء‭ ‬المعيشة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬أضحت‭ ‬عاطلة‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬دفع‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬الفقراء‭ ‬إلى‭ ‬مزاولة‭ ‬مهنة‭ ‬التسول،‭ ‬لأنه‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬طريقة‭ ‬أخرى‭ ‬بنظرهم‭ ‬لكسب‭ ‬المال‭. ‬ولا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬ننكر‭ ‬أن‭ ‬ظروف‭ ‬الحرب،‭ ‬والتشرد،‭ ‬والقتل،‭ ‬والتمذهب،‭ ‬كانت‭ ‬مناخاً‭ ‬مناسباً‭ ‬لازدياد‭ ‬وتضخم‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬لوحة‭ ‬سوريةلية‭ ‬يومية‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬وحارات‭ ‬دمشق‭ ‬والمدن‭ ‬السورية‭ ‬الآمنة‭.‬

إن‭ ‬العامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة،‭ ‬وله‭ ‬تأثير‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬نمو‭ ‬الشخصية‭. ‬وقد‭ ‬يشكل‭ ‬دخل‭ ‬الأسرة‭ ‬غير‭ ‬الكافي‭ ‬لإشباع‭ ‬الحاجات‭ ‬اليومية‭ ‬لأفرادها،‭ ‬من‭ ‬مأكل‭ ‬ومشرب‭ ‬ومأوى،‭ ‬سبباً‭ ‬يجعل‭ ‬البعض‭ ‬يفتش‭ ‬عن‭ ‬سبيلٍ‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الضغط‭ ‬والحرمان،‭ ‬بالدخول‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬هامشية‭ ‬كبائع‭ ‬سلعة‭ ‬رخيصة،‭ ‬أو‭ ‬متسول‭ ‬في‭ ‬الشارع‭.‬

‮«‬قسوة‭ ‬الصوان‮»‬‭ ‬دعتها‭ ‬إلى‭ ‬الشارع‭:‬

يلجأ‭ ‬بعض‭ ‬المتسولين‭ ‬إلى‭ ‬عرض‭ ‬خدماتهم،‭ ‬مثل‭ ‬مسح‭ ‬زجاج‭ ‬السيارة‭ ‬أو‭ ‬حمل‭ ‬الأكياس‭ ‬إلى‭ ‬سيارتك،‭ ‬وما‭ ‬يدفع‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬الورود‭ ‬إلى‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التصرف،‭ ‬هو‭ ‬الظروف‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬في‭ ‬قسوة‭ ‬حجر‭ ‬الصوان‭!.‬

فما‭ ‬الذي‭ ‬يرغم‭ ‬أماً‭ ‬كي‭ ‬تبعث‭ ‬بأطفالها‭ ‬الثلاثة‭ ‬إلى‭ ‬الشارع،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬هدها‭ ‬حظها‭ ‬العاثر‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬حتى‭ ‬استقرت‭ ‬في‭ ‬دمشق‭. ‬فهي‭ ‬أضحت‭ ‬بين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها‭ ‬أرملة‭ ‬وأماً‭ ‬لثلاثة‭ ‬أطفال،‭ ‬تركت‭ ‬بيتها‭ ‬ومدينتها‭ ‬قسراً‭ ‬وهرباً‭ ‬من‭ ‬البطش‭ ‬والقتال‭.‬

تقول‭: ‬‮«‬رغم‭ ‬خوفي‭ ‬المستمر‭ ‬على‭ ‬أطفالي‭ ‬في‭ ‬الشوارع،‭ ‬إلاّ‭ ‬أني‭ ‬لا‭ ‬أملك‭ ‬لهم‭ ‬إلاّ‭ ‬الدعاء‭ ‬والتوفيق‭ ‬بجمع‭ ‬ما‭ ‬يتيسر‭ ‬من‭ ‬مال‭ ‬لسد‭ ‬ثمن‭ ‬احتياجاتهم‭ ‬الضرورية‭ …‬‮»‬

وتتابع‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬كان‭ ‬التسول‭ ‬هو‭ ‬الملاذ‭ ‬الآمن‭ ‬والحل‭ ‬الوحيد‭ ‬لأعيش‭ ‬بكرامة‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬من‭ ‬استغلال‭ ‬البشر‭ ‬لي‭ ‬ولأطفالي،‭ ‬فإني‭ ‬أفضله‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فمهما‭ ‬كان‭ ‬التسول‭ ‬قاسياً‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬أقسى‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬نعانيها‮»‬‭.‬

أطفالنا‭ …. ‬إلى‭ ‬أين؟

كانوا‭ ‬للأمس‭ ‬القريب‭ ‬يلهون‭ ‬جانب‭ ‬منازلهم،‭ ‬يقصدون‭ ‬مدارسهم‭ ‬للتعلم،‭ ‬يفرحون‭ ‬بلعبة‭ ‬جديدة‭ ‬وملابس‭ ‬عيد‭ ‬أنيقة‭. ‬أضحت‭ ‬ابتساماتهم‭ ‬مبعثرة،‭ ‬وأعينهم‭ ‬حائرة‭ ‬في‭ ‬ظلمة‭ ‬التشتت،‭ ‬فوراء‭ ‬كل‭ ‬ابتسامة‭ ‬وعين‭ ‬حزينة‭ ‬حكاية‭ ‬تحرق‭ ‬القلب‭ ‬وتدفعهم‭ ‬للتسول‭.‬

يبحثون‭ ‬عن‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬غياهب‭ ‬الأيام‭ ‬السوداء‭ ‬التي‭ ‬أفرزتها‭ ‬الحرب‭ ‬الظالمة،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تفرق‭ ‬بين‭ ‬كبير‭ ‬وصغير،‭ ‬وبين‭ ‬حجر‭ ‬وبشر‭!.‬

في‭ ‬ظل‭ ‬الحرب‭ ‬كان‭ ‬النزوح‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬ديارهم‭ ‬وبيوتهم‭ ‬المنكوبة‭ ‬إلى‭ ‬المناطق‭ ‬والمدن‭ ‬الآمنة،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬ازدياد‭ ‬نسبة‭ ‬البطالة،‭ ‬وانعدام‭ ‬فرص‭ ‬العمل،‭ ‬ومع‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستمر‭ ‬للأسعار‭ ‬،‭ ‬أُفرز‭ ‬أطفالاً‭  ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬أعمارهم‭ ‬السنوات‭ ‬العشر،‭ ‬يقيسون‭ ‬الشوارع‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬غذاء‭ ‬لسد‭ ‬رمق‭ ‬أسرهم،‭ ‬أو‭ ‬كساء‭ ‬لستر‭ ‬أجسادهم،‭ ‬يحملون‭ ‬بين‭ ‬أيديهم‭ ‬‮«‬العلكة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬مناديل‭ ‬ورقية‭ ‬ووصفات‭ ‬طبية‭.‬

لستُ‭ ‬طفلاً‭ .. ‬أنا‭ ‬رجل‭ ‬

بهذه‭ ‬العبارة‭ ‬بادرني‭ ‬حين‭ ‬سألته‭: ‬‮«‬ما‭ ‬زلت‭ ‬طفلاً،‭ ‬ومكانك‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬أو‭ ‬البيت‮»‬‭. ‬قالها‭ ‬وهو‭ ‬يشعر‭ ‬بالحرقة‭ ‬والمرارة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وصل‭ ‬إليه‭ ‬حاله‭ ‬وحال‭ ‬أهله‭ ‬وأمثاله‭ ‬من‭ ‬أطفال‭ ‬سورية‭ ‬ورجالها‭ ‬ونسائها،‭ ‬يتنقل‭ ‬مسرعاً‭ ‬من‭ ‬سيارة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعلن‭ ‬إشارة‭ ‬المرور‭ ‬استئناف‭ ‬المسير‭ .‬

لا‭ ‬يطلب‭ ‬منك‭ ‬إلاّ‭ ‬‮«‬أريد‭ ‬أن‭ ‬آكل‭ ‬وأشتري‭ ‬أكلاً‭  ‬لأهلي‮»‬،‭ ‬هو‭ ‬بعمر‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الـ‭ ‬12‭ ‬عاماً،‭ ‬غريب‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬أحد‭ ‬يعيله،‭ ‬هرب‭ ‬مع‭ ‬أهله‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬والقتل‭ ‬الذي‭ ‬يتعرضون‭ ‬له‭. ‬قال‭: ‬‮«‬رأيت‭ ‬كثيرين‭ ‬قُتلوا‭ ‬أمامي،‭ ‬فقط‭ ‬لأنهم‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬مذهبهم‮»‬‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬طفلاً‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬العمر‭ ‬يتحدث‭ ‬بلغة‭ ‬باتت‭ ‬تنتشر‭ ‬على‭ ‬السطح،‭ ‬لغة‭ ‬الطائفية‭ ‬البغيضة،‭ ‬فهو‭ ‬يتوعد‭ ‬بالانتقام‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام،‭ ‬وأن‭ ‬يأخذ‭ ‬بالثأر‭ ‬مهما‭ ‬طال‭ ‬به‭ ‬العمر‭ .‬

‮«‬إذا‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬من‭ ‬سيوفر‭ ‬الطعام‭ ‬لأهلي،‭ ‬والدي‭ ‬توفي‭ ‬وتركنا‭ ‬دون‭ ‬معيل،‭ ‬أنا‭ ‬أكبر‭ ‬أخوتي‭ ….‬‮»‬،‭ ‬تشعر‭ ‬حين‭ ‬يحدثك‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬طفلاً‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬رجل‭ ‬ذاق‭ ‬مرارة‭ ‬الحياة‭ ‬وتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬باكراً‭ .‬

‮«‬‭ ‬نحن‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نعيش،‭ ‬ومكوثنا‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬مستأجر‭ ‬يُجبرني‭ ‬أن‭ ‬أتدبر‭ ‬أمر‭ ‬المال‭ ‬كي‭ ‬ندفع‭ ‬الأجرة‭ ‬ونشتري‭ ‬ما‭ ‬يسد‭ ‬حاجتنا‮»‬‭.‬

‮«‬نعم‭ ‬اشتقت‭ ‬إلى‭ ‬مدرستي،‭ ‬وإلى‭ ‬معلمي،‭ ‬وحقيبتي‭ ‬وكتبي‭ … ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الشوق‭ ‬يطفئه‭ ‬ويطغى‭ ‬عليه‭ ‬الحاجة‭ ‬والحرمان‭ ‬التي‭ ‬نعانيهما‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬غريبة‭ ‬ليس‭ ‬لنا‭ ‬فيها‭ ‬أحد،‭ ‬إلا‭ ‬الله‭ ….‬‮»‬

‮«‬حين‭ ‬تنتهي‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬أكلت‭ ‬أهلنا‭ ‬وشردتهم،‭ ‬حينها‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نتعلم‭ ‬ونبني‭ ‬بيتنا‭ ‬الذي‭ ‬تهدم‭ ‬بعد‭ ‬سرقته‭ ‬وحرقه‮»‬‭.‬

بلد‭ ‬القمح‭ ‬والزيتون‭ .. ‬أهلها‭ ‬جياع‭..!‬

على‭ ‬أوتوستراد‭ ‬المزة،‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬نفق‭ ‬كلية‭ ‬الآداب،‭ ‬تجلس‭ ‬امرأة‭ ‬تفترش‭ ‬الأرض‭ ‬وأطفالها‭ ‬حولها‭ ‬نيام،‭ ‬تصرخ‭ ‬بصوت‭ ‬مرتفع‭: ‬‮«‬ساعدوني‭ ‬مشان‭ ‬الله‭ … ‬ساعدوني‭ ‬الله‭ ‬يساعدكن‭ … ‬والله‭ ‬ما‭ ‬معي‭ ‬حق‭ ‬أكل‭ ‬لأطفالي‭ ‬اليتامى‭ …‬‮»‬‭. ‬

وفي‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬النفق،‭ ‬يجلس‭ ‬طفل‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الـ‭ ‬10‭ ‬سنوات،‭ ‬وبحضنه‭ ‬أخيه‭ ‬الصغير،‭ ‬ويمد‭ ‬يده‭ ‬ويصرخ‭ ‬بصوت‭ ‬متقطع‭: ‬‮«‬الله‭ ‬يخليكم‭ ‬ساعدونا‭ .‬‭. ‬بدنا‭ ‬ناكل‭ … ‬والله‭ ‬ما‭ ‬معنا‭ ‬حق‭ ‬الدوا‭ ‬لأخي‭ …‬‮»‬،‭ ‬وتجد‭ ‬بعده‭ ‬بأمتار‭ ‬رجل‭ ‬ستيني‭ ‬أمامه‭ ‬وصفات‭ ‬علاج‭ ‬وبعض‭ ‬السلع‭ ‬الرخيصة‭!. ‬

في‭ ‬طريقك‭ ‬إلى‭ ‬فندق‭ ‬سميرأميس،‭ ‬تجد‭ ‬امرأة‭ ‬تجلس‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتفوه‭ ‬بكلمة،‭ ‬هي‭ ‬فقط‭ ‬تمد‭ ‬يدها‭ ‬وكأن‭ ‬لسان‭ ‬حالها‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬إن‭ ‬كنت‭ ‬بشراً‭ ‬فها‭ ‬أنا‭ ‬أمد‭ ‬يداي‭ ‬إليك‭ ‬لتساعدني‭ ‬لأنقذ‭ ‬أطفالي‭ ‬من‭ ‬الجوع‮»‬‭. ‬

غريب‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬الجوع‭ ‬يتجول‭ ‬في‭ ‬طرقات‭ ‬وشوارع‭ ‬وحواري‭ ‬سورية،‭ ‬بعدما‭ ‬كانت‭ ‬بلد‭ ‬الفقير،‭ ‬فكيف‭ ‬لبلد‭ ‬القمح‭ ‬والزيتون‭ ‬أن‭ ‬يجوع‭ ‬أهلها؟

التسول‭ ‬منظم‭ ‬أم‭ ‬عمل‭ ‬فردي‭ ..!!‬

الشوارع‭ ‬مليئة‭ ‬بالمتسولين‭ ‬ومن‭ ‬مختلف‭ ‬الأعمار،‭ ‬لكن‭ ‬الخطير‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬التسول‭ ‬أصبح‭ ‬استثماراً‭ ‬للعاهات‭ ‬التي‭ ‬أنتجتها‭ ‬الحرب،‭ ‬فمنهم‭ ‬من‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬أصحاب‭ ‬العاهات‭ ‬الشديدة‭ ‬كاستثمار‭ ‬رابح‭ ‬بمدخول‭ ‬عال‭ ‬يومياً‭.‬

يتحدث‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬عصابات‭ ‬تسول‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬إشارات‭ ‬المرور،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬زوايا‭ ‬الشوارع‭  ‬يديرها‭ ‬غالباً‭ ‬شخص‭ ‬واحد،‭ ‬هذه‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬البعض،‭ ‬والذين‭ ‬ينتقدون‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬ويدعون‭ ‬لمحاربتها‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬هناك‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬أخرى،‭ ‬تعيد‭ ‬استفحال‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬وانتشارها‭ ‬إلى‭ ‬الحاجة‭ ‬والعوز‭ ‬والظروف‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬المجتمع‭ ‬السوري،‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬محتاجة،‭ ‬ولا‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭ ‬أحد‭. ‬حتى‭ ‬الحكومة‭ ‬لم‭ ‬تتخذ‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬الحرب‭ ‬أي‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬لإنهاء‭ ‬معاناة‭ ‬هؤلاء،‭ ‬مما‭ ‬اضطرهم‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬عمل‭ ‬كانوا‭ ‬لوقت‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬أشد‭ ‬منتقديه‭.‬

الأطفال‭ ‬ضحايا‭ ‬الحرب‭ ‬

الحرب‭ ‬أشد‭ ‬وأقسى‭ ‬أشكال‭ ‬العدوان‭ ‬على‭ ‬الإنسان،‭ ‬والأطفال‭ ‬هم‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثراً،‭ ‬لأنهم‭ ‬الفئات‭ ‬الأكثر‭ ‬عجزاً‭ ‬وهشاشة‭ ‬لمواجهة‭ ‬ما‭ ‬يتعرضون‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬خوف‭ ‬وخطر‭ ‬وموت‭.‬

فالطفل‭ ‬السوري‭ ‬يتعرض‭ ‬يومياً‭ ‬لظروف‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتوقعها،‭ ‬وليس‭ ‬لديه‭ ‬الخبرة‭ ‬للتعامل‭ ‬معها،‭ ‬وحتى‭ ‬أنه‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬ما‭ ‬يتعرض‭ ‬له،‭ ‬ويفتقر‭ ‬للقدرة‭ ‬اللفظية‭ ‬للتعبير‭ ‬عما‭ ‬يعانيه‭ ‬نتيجة‭ ‬المشاهدة‭ ‬والمواجهة‭ ‬مع‭ ‬الأذى‭ ‬والمخاطر،‭ ‬فقد‭ ‬فرضت‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الطفل‭ ‬السوري‭ ‬حالات‭ ‬غريبة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتوقعها‭ ‬في‭ ‬مجتمعه‭ ‬وحياته‭ ‬اليومية،‭ ‬كالنزوح،‭ ‬والتشرد،‭ ‬والتسول،‭ ‬وكافة‭ ‬أشكال‭ ‬الاستغلال‭ ‬الجسدي‭ ‬والنفسي‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬غير‭ ‬المستقرة،‭ ‬وسط‭ ‬غياب‭ ‬الأمن‭ ‬النفسي‭ ‬وانهيار‭ ‬القيم،‭ ‬وغياب‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الإيجابية،‭ ‬يتعلم‭ ‬الطفل‭ ‬الاستجابة‭ ‬للعجز‭ ‬والاستسلام‭ ‬له،‭ ‬ويصبح‭ ‬عرضة‭ ‬لخطر‭ ‬الإصابة‭ ‬بالاضطرابات‭ ‬النفسية‭ ‬والسلوكية‭.‬

فالتسول‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬يعانيها‭ ‬الطفل‭ ‬السوري،‭ ‬داخل‭ ‬سورية‭ ‬وخارجها،‭ ‬لأن‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬مر‭ ‬بها‭ ‬شكلت‭ ‬أحداثاً‭ ‬صادمة‭ ‬شديدة،‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬توافقه‭ ‬وأدائه‭ ‬الوظيفي،‭ ‬وممارسة‭ ‬نشاطه‭ ‬اليومي،‭ ‬فتراكم‭ ‬هذه‭ ‬الصدامات‭ ‬سيملأ‭ ‬نفوس‭ ‬الأطفال‭ ‬بمشاعر‭ ‬العنف‭ ‬والتوتر‭ ‬والحقد‭ ‬والانتقام،‭ ‬ويخلق‭ ‬لديهم‭ ‬استعداداً‭ ‬للإصابة‭ ‬بالاكتئاب‭ ‬والقلق،‭ ‬واضطرابات‭ ‬النوم،‭ ‬وأعراض‭ ‬هستيرية،‭ ‬والتبول‭ ‬اللاإرادي،‭ ‬وتأخير‭ ‬النضج‭ ‬النفسي،‭ ‬وضعف‭ ‬التركيز‭ ‬،‭ ‬وكثرة‭ ‬الحركة،‭ ‬وسرعة‭ ‬الانفعال،‭ ‬والعدوانية،‭ ‬والفزع،‭ ‬وأعراض‭ ‬جسيمة‭ ‬كالصداع‭ ‬وألم‭ ‬المعدة‭ ‬والإسهال‭.‬

حنطة16 حنطة17

برومو الشهيد ناجي الجرف