حصيدة

تنظيم الدولة الإسلامية ومسيحيو الرقة

مكتب‭ ‬الرقة‭ – ‬محمد‭ ‬علاء‭

يعيش‭ ‬أهالي‭ ‬محافظة‭ ‬الرقة‭ ‬عموماً‭ ‬ظروفاً‭ ‬صعية‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬سيطرة‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬على‭ ‬محافظتهم،‭ ‬حيث‭ ‬كمّ‭ ‬الأفواه،‭ ‬ومصادرات‭ ‬الحريات‭ ‬العامة،‭ ‬وكذلك‭ ‬فرض‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الشروط‭  ‬الإجتماعية‭ ‬والدينية‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬العيش‭ ‬هناك،‭ ‬ولقد‭ ‬لجأ‭ ‬عناصر‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬إرهاب‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عمليات‭ ‬قطع‭ ‬الرؤوس‭ ‬لكلّ‭ ‬من‭ ‬يعتبروه‭ ‬كافراً‭ ‬أو‭ ‬مذنباً‭ ‬بحسب‭ ‬منهجهم،‭ ‬ولذلك‭ ‬يُعاني‭ ‬الرقاويون‭ ‬المسلمون‭ ‬منهم‭ ‬والمسيحيون،‭ ‬العرب‭ ‬والأكراد‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬لتعاليم‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬بصلة،‭ ‬ففرضوا‭ ‬شروطهم‭ ‬على‭ ‬المواطنين‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬اللباس‭ ‬والمظهر‭ ‬والعمل‭ ‬والعبادة،‭ ‬وكان‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭  ‬المتضررين‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬التنظيم‭ ‬هم‭ ‬مسيحيو‭ ‬مدينة‭ ‬الرقة‭ ‬الذين‭ ‬فرّ‭ ‬معظمهم‭ ‬خارج‭ ‬المدينة،‭ ‬وبقي‭ ‬عدد‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬عددهم‭ ‬العشرة‭ ‬عائلات‭ ‬بينهم‭ ‬عائلة‭ ‬أرمنية،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬احتلال‭ ‬كنائسهم،‭ ‬وكسر‭ ‬الصلبان‭ ‬فيها،‭ ‬كما‭ ‬حُرقت‭ ‬الكتب‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬فيها،‭ ‬ومُنعوا‭ ‬من‭ ‬الذهاب‭ ‬إليها‭ ‬لممارسة‭ ‬شعائر‭ ‬دينهم‭.‬

فمنذ‭ ‬بداية‭ ‬دخول‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الإسلامية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬الرقة،‭ ‬قام‭ ‬بحرق‭ ‬الكنيستين‭ ‬الوحيدتين‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الرقة،‭ ‬وتحويلهما‭ ‬إلى‭ ‬مكاتب‭ ‬دعوية‭ ‬خاصة‭ ‬بالتنظيم،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬أيلول‭- ‬سبتمبر‭ ‬من‭ ‬2013،‭ ‬وكان‭ ‬اسم‭ ‬التنظيم‭ ‬وقتها‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬والشام‮»‬‭. ‬

يقول‭ ‬ك–‭ ‬م،‭ ‬وهو‭ ‬أرمني‭  ‬يبلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭  ‬خمسين‭ ‬عاماً‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬فرض‭ ‬التنظيم‭ ‬علينا‭ ‬الجزية‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬شباط‭ – ‬فبراير‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الحالي،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يدفع‭ ‬سيتم‭ ‬طرده‭ ‬أو‭ ‬ان‭ ‬يدخل‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وفرضو‭ ‬على‭ ‬نسائنا‭ ‬لباسهم،‭ ‬وقامو‭ ‬بمنعنا‭ ‬من‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬كنائسنا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬احتلوها،‭ ‬وحرقوا‭ ‬محتوياتها،‭ ‬ومُنعنا‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬شعائر‭ ‬ديننا‭ ‬في‭ ‬مدينتنا،‭ ‬حتى‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬أثناء‭ ‬الصلاة‭ ‬بسبب‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬أُجبرت‭ ‬على‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬المساجد‭ ‬وقت‭ ‬الصلاة‮»‬‭.‬

ويضيف‭ ‬ك–‭ ‬م‭  ‬قائلاً‭: ‬‮«‬نتعرض‭ ‬دوماً‭ ‬لمضايقات‭ ‬من‭ ‬دَعَوييّ‭ ‬التنظيم،‭ ‬حيث‭ ‬يأتون‭ ‬إلى‭ ‬بيوتنا‭ ‬وأعمالنا‭ ‬ويطلبون‭ ‬منا‭ ‬أن‭ ‬ندخل‭ ‬دين‭ ‬الإسلام،‭ ‬ويتهموننا‭ ‬بأننا‭ ‬كفار،‭ ‬ويُحذروننا‭ ‬بأننا‭ ‬حين‭ ‬نموت‭ ‬سندخل‭ ‬نار‭ ‬جهنم‮»‬‭.‬

وعن‭ ‬سبب‭ ‬عدم‭ ‬هجرة‭ ‬ك–‭ ‬م‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬مدينة‭ ‬الرقة،‭ ‬حيث‭ ‬هاجر‭ ‬أغلب‭ ‬المسيحيون‭ ‬والأرمن‭ ‬منها،‭ ‬قال‭: ‬‮«‬هنا‭ ‬بلدي،‭ ‬وأرضي،‭ ‬وأرض‭ ‬أجدادي،‭ ‬هنا‭ ‬وُلدت،‭ ‬وهنا‭ ‬سأموت‭. ‬سيذهبون‭ ‬ونبقى،‭ ‬ونعود‭ ‬للعيش‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬كما‭ ‬كنا‭ ‬المسيحي‭ ‬مع‭ ‬المسلم،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يضايقنا‭ ‬أحد‭ ‬لأننا‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬جعلنا‭ ‬نبقى‭ ‬هنا‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬جيراننا‭ ‬مسلمون‭ ‬وأصدقائنا‭ ‬مسلمون،‭ ‬ولم‭ ‬نتضايق‭ ‬يوماً‭ ‬منهم‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬آخر،‭ ‬سوف‭ ‬نبقى‭ ‬هنا‭ ‬وسيرحلون،‭ ‬لنا‭ ‬أرزاق‭ ‬وأعمال‭ ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نترك‭ ‬أرضنا‭ ‬لهم،‭ ‬فبمجرد‭ ‬خروجنا‭ ‬سيستولون‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬نملك‭ ‬مثلما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬إخواننا‭ ‬الذي‭ ‬هاجروا‮»‬‭.‬

كما‭ ‬تحدثت‭ ‬ت‭- ‬أ‭ ‬وهي‭ ‬مسيحية‭ ‬شابة،‭ ‬عن‭ ‬ممارسة‭ ‬التنظيم‭ ‬بحق‭ ‬النساء‭ ‬قائلة‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬فرض‭ ‬علينا‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الإسلامية‮»‬‭ ‬اللباس‭ ‬الشرعي‭ ‬بحيث‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نستطع‭ ‬الخروج‭ ‬باللباس‭ ‬الذي‭ ‬كنا‭ ‬نخرج‭ ‬به‭ ‬قبل،‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نمارس‭ ‬طريقتنا‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬مثل‭ ‬ذي‭ ‬قبل،‭ ‬فكل‭ ‬شيئ‭ ‬مفروض‭ ‬علينا،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬الخروج‭ ‬بمفردنا‭ ‬والذهاب‭ ‬إلى‭ ‬أقاربنا‭ ‬وأصدقائنا‭ ‬مثل‭ ‬ذي‭ ‬قبل‭.  ‬كنت‭ ‬أدرس‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الآداب‭ ‬في‭ ‬الرقة،‭ ‬وتم‭ ‬إيقاف‭ ‬التعليم‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬قبلهم‭ ‬ليملوا‭ ‬علينا‭ ‬منهاجاً‭ ‬على‭ ‬أهوائهم،‭ ‬وأصبح‭ ‬الذهاب‭ ‬لمتابعة‭ ‬الدراسة‭ ‬خارج‭ ‬المدينة‭ ‬أمراً‭ ‬شديد‭ ‬الصعوبة،‭ ‬حيث‭ ‬يفرض‭ ‬التنظيم‭ ‬علينا‭ ‬الخروج‭ ‬مع‭ ‬محرّم‭ ‬مثلما‭ ‬يقولون،‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نستقل‭ ‬سيارة‭ ‬أجرة‭ ‬عمومي‭ ‬لأنهم‭ ‬يرفضون‭ ‬ان‭ ‬تستقل‭ ‬النساء‭ ‬سيارات‭ ‬أجرة‭ ‬عمومي‭ ‬مع‭ ‬السائقين‭ ‬الغرباء،‭ ‬اختلفت‭ ‬الحياة‭ ‬علينا‭ ‬كثيراً،‭ ‬نحن‭ ‬نعيش‭ ‬أسوأ‭ ‬أيام‭ ‬حياتنا‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬الرقة‮»‬‭. ‬

وأشارت‭ ‬ت‭- ‬أ‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الجيش‭ ‬الحر‭ ‬كان‭ ‬سابقاً‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬ولم‭ ‬يتعرض‭  ‬لهم‭ ‬أو‭ ‬يضايقهم،‭ ‬أو‭ ‬يُملي‭ ‬عليهم‭ ‬شروطاً،‭ ‬أو‭ ‬يفرق‭ ‬بينهم‭ ‬وبين‭ ‬المسلمين،‭ ‬وقام‭ ‬بحمايتهم‭ ‬وحماية‭ ‬ممتلكاتهم‭.  ‬وأضافت‭ ‬أنها‭ ‬تُفكر‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬الهجرة‭ ‬خارج‭ ‬المدينة،‭ ‬لكن‭ ‬يعود‭ ‬ويحذوها‭ ‬الأمل‭ ‬بعودة‭ ‬الجيش‭ ‬الحر‭ ‬لطرد‭ ‬التنظيم‭ ‬من‭ ‬المدينة،‭ ‬وأن‭ ‬يستعيدوا‭ ‬كنائسهم‭ ‬وحريتهم‭ ‬الدينية‭ ‬كما‭ ‬كانت‭. ‬

إذاً،‭ ‬الموتُ‭ ‬والدّمار،‭ ‬والخراب‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬تعيشه‭ ‬الرقة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التطرف‭ ‬والحقد‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬ينتمي‭ ‬لتنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬‮«‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬معنا،‭ ‬فأنت‭ ‬ضدنا‮»‬،‭ ‬وأنت‭ ‬كافرٌ‭ ‬لا‭ ‬تستحق‭ ‬العيش‭ ‬كذلك‭ ‬الأمر‭ ‬مع‭ ‬الأقليات‭ ‬الدينية،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬تدمير‭ ‬أماكنهم‭ ‬المقدسة‭ ‬وتحويلها‭ ‬لمقرات‭ ‬عسكرية‭ ‬لهم،‭ ‬ومصادرة‭ ‬حرياتهم‭ ‬بممارسة‭ ‬طقوسهم‭ ‬الدينية،‭ ‬وكأنهم‭ ‬لم‭ ‬يعرفوا‭ ‬بالعهدة‭ ‬العمرية،‭ ‬ولم‭ ‬يعرفوا‭ ‬بأن‭ ‬سيدنا‭ ‬عمر‭ ‬قد‭ ‬أمّن‭ ‬مسيحيي‭ ‬بيت‭ ‬المقدس‭ ‬على‭ ‬أنفسهم‭ ‬وأملاكهم‭ ‬وأماكنهم‭ ‬المقدسة‭. ‬كذلك‭ ‬الأمر‭ ‬مع‭ ‬الرسول‭ ‬الكريم‭ ‬محمد‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام،‭ ‬عندما‭ ‬أمّن‭ ‬على‭ ‬يهود‭ ‬المدينة‭ ‬أملاكهم‭ ‬وأنفسهم‭ ‬وأماكنهم‭ ‬المقدسة‭ ‬حتى‭ ‬نقضوا‭ ‬العهد‭ ‬فقاتلهم‭.‬

إذاً‭ ‬فأفعال‭ ‬‮«‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬إلا‭ ‬تشويهاً‭ ‬للدين‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وإضطهاداً‭ ‬لمن‭ ‬ليس‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬الفكر،‭ ‬ومسيحيو‭ ‬الرقة‭ ‬هم‭ ‬أحد‭ ‬ضحايا‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم‭.‬

حنطة20

برومو الشهيد ناجي الجرف