حكايا البيدر

أُفّ من الحُكّام

عبد‭ ‬الرزاق‭ ‬دحنون

يكفيكَ‭ ‬حُزناً،‭ ‬ذَهابُ‭ ‬الصالحين‭ ‬معاً

ونحن‭ ‬بعدهم،‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬قُطّانُ

إنّ‭ ‬العراقَ‭ ‬وإنّ‭ ‬الشام،‭ ‬مذ‭ ‬زمن

صِفرانِ‭    ‬ما‭ ‬بهما‭   ‬للمُلكِ‭    ‬سلطانُ

‭)‬من‭ ‬لزوميات‭ ‬فيلسوف‭ ‬المعرة)

1

هل‭ ‬وقف‭ ‬فيلسوف‭ ‬المعرة‭  ‬موقفاً‭ ‬صريحاً‭ ‬من‭ ‬حُكّام‭ ‬عصره؟‭ ‬أزعم،‭ ‬نعم،‭ ‬فأنت‭ ‬تجد‭ ‬فيما‭ ‬وصل‭ ‬إلينا‭ ‬من‭ ‬آثاره‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬مذهبه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭.‬‭ ‬فقد‭ ‬سخط‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬رأى‭ ‬من‭ ‬ظلم‭ ‬الملوك‭ ‬والأمراء،‭ ‬فتساءل‭ ‬عن‭ ‬مصدر‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬أتيحت‭ ‬لهم،‭ ‬فلم‭ ‬ير‭ ‬لها‭ ‬مصدراً‭ ‬إلا‭ ‬الأمة‭ ‬التي‭ ‬استأجرت‭ ‬حُكّامها‭ ‬ليقوموا‭ ‬بمصالحها‭. ‬يقول‭ ‬في‭ ‬لزومية‭:‬

إذا‭ ‬ما‭ ‬تبينا‭ ‬الأمور‭ ‬تكشفت

لنا‭ ‬وأمير‭ ‬القوم‭ ‬للقوم‭ ‬خادمُ

فلا‭  ‬يحق‭ ‬لهم‭ ‬استعمال‭ ‬هذه‭ ‬السلطة‭  ‬لمصالحهم‭ ‬الخاصة،‭ ‬ويتوهموا‭ ‬أن‭ ‬الأمة‭ ‬ملك‭ ‬يمينهم‭ ‬يتصرفون‭ ‬بها‭ ‬تصرف‭ ‬المالك‭ ‬برزقه‭. ‬ولعله‭ ‬أول‭ ‬شاعر‭ ‬استثار‭ ‬سخط‭ ‬الأمة‭ ‬على‭ ‬حُكّامها،‭ ‬وعرّفها‭ ‬أن‭ ‬الحاكم‭ ‬أجير؛‭ ‬والأجير‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬لمصلحة‭ ‬مستأجره؛‭ ‬فإذا‭ ‬أخلّ‭ ‬بذلك‭ ‬استحق‭ ‬العزل‭ ‬والطرد‭ ‬من‭ ‬منصبه‭ ‬لأن‭ ‬المنصب‭ ‬تكليف‭. ‬ولم‭ ‬أر‭ ‬شاعراً‭ ‬اجترأ‭ ‬على‭ ‬الحُكّام‭  ‬وأماط‭ ‬النقاب‭ ‬عن‭ ‬مخازيهم‭ ‬واستهتارهم‭ ‬بالرعية‭ ‬كفيلسوف‭ ‬المعرة‭:  ‬ ‭                                                                                                                

مُلّ‭ ‬المقام‭ ‬فكم‭ ‬أُعاشر‭ ‬أمة

أمرت‭ ‬بغير‭ ‬صَلاحها‭ ‬أمراؤها

ظلموا‭ ‬الرعية‭ ‬واستجازوا‭ ‬كيدها

فعدوا‭ ‬مصالحها‭ ‬وهم‭ ‬أجراؤها

2

لقد‭ ‬قدم‭ ‬لنا‭ ‬مثلاً‭ ‬فذاً‭ ‬لبسالة‭ ‬المجاهدة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬انحط‭ ‬فيه‭ ‬أهل‭ ‬السياسة‭ ‬إلى‭ ‬الدرك‭ ‬الأسفل،‭ ‬يسومون‭ ‬الناس‭ ‬ضروباً‭ ‬من‭ ‬الظلم‭ ‬والعسف،‭ ‬ولا‭ ‬يصدهم‭ ‬رادع‭ ‬عن‭ ‬منكر‭ ‬أو‭ ‬خزي،‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يصف‭ ‬أهل‭ ‬السلطة‭ ‬إلا‭ ‬بما‭ ‬يوجب‭ ‬النقمة‭ ‬عليهم‭. ‬وكان‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الحُكّام‭ ‬وولاة‭ ‬الأمور‭  ‬السابقين‭ ‬من‭ ‬عرب‭ ‬وعجم‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬شره‭ ‬عن‭ ‬أهل‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬زمانه‭. ‬درس‭ ‬أحوال‭ ‬الملوك‭ ‬والرؤساء‭ ‬والأمراء‭ ‬والزعماء‭ ‬والوزراء‭ ‬والولاة‭ ‬في‭ ‬عصره‭ ‬درساً‭ ‬متقناً،‭ ‬وألمَّ‭ ‬من‭ ‬أخبارهم‭ ‬وأحوالهم‭ ‬الشيء‭ ‬الكثير،‭ ‬وقد‭ ‬صور‭ ‬لنا‭ ‬بعض‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬شعره‭ ‬ونثره‭. ‬أما‭ ‬الرؤساء‭ ‬فإنهم‭ ‬تولوا‭ ‬مناصبهم‭ ‬بالمكر‭ ‬والدهاء‭ ‬لا‭ ‬بالكفاءة‭ ‬والإخلاص‭. ‬وهم‭ ‬عبيد‭ ‬لشهواتهم‭ ‬ومن‭ ‬اقترب‭ ‬منهم‭ ‬لا‭ ‬ينجوا‭ ‬من‭ ‬أذاهم،‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬شديد‭ ‬الحذر‭ ‬منهم،‭ ‬وكان‭ ‬يستعمل‭ ‬المُدارة‭ ‬في‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬الاتصال‭ ‬بهم،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭  ‬المثول‭ ‬بين‭ ‬يديهم،‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬ير‭ ‬في‭ ‬ولاة‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬ملوك‭ ‬وأمراء‭ ‬ووزراء‭ ‬ونحوهم‭ ‬من‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُحمد‭. ‬وهم‭ ‬بين‭ ‬زير‭ ‬نساء،‭ ‬وعبد‭ ‬فرج،‭ ‬وجابي‭ ‬خرج‭. ‬استباحوا‭ ‬من‭ ‬أموال‭ ‬الناس‭ ‬وأعراضهم‭ ‬ما‭ ‬حرم‭ ‬الله،‭ ‬ولم‭ ‬تعرف‭ ‬قلوبهم‭ ‬الرحمة‭ ‬ولا‭ ‬الخشية‭ ‬من‭ ‬الخالق‭ ‬ولا‭ ‬الحياء‭ ‬من‭ ‬المخلوق‭. ‬بل‭ ‬هم‭ ‬شياطين‭ ‬مسلطون‭ ‬على‭ ‬المستضعفين‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬لا‭ ‬يهمهم‭ ‬إلا‭ ‬أن‭  ‬يملأوا‭ ‬بطونهم‭ ‬من‭ ‬الشهوات،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬درجات‭ ‬الشقاء‭ ‬والفاقة‭ ‬والجوع،‭ ‬فقد‭:  

‭ ‬ساس‭ ‬البلاد‭ ‬شياطين‭ ‬مسلطة

في‭ ‬كل‭ ‬مِصر‭ ‬من‭ ‬الوالين‭ ‬شيطانُ

من‭ ‬ليس‭ ‬يحفل‭ ‬خُمص‭ ‬الناس‭ ‬كلهم

إن‭ ‬بات‭ ‬يشرب‭ ‬خمراً‭ ‬وهو‭ ‬مبطانُ

وخمص‭: ‬مفردها‭ ‬خميص،‭ ‬وهو‭ ‬ضامر‭ ‬الحشا‭ ‬من‭ ‬الجوع‭. ‬والمبطان‭: ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬ضخم‭ ‬البطن‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬الأكل‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬رعاة‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭  ‬من‭ ‬الجور‭ ‬والانهماك‭ ‬في‭ ‬الملذات،‭ ‬والرعية‭ ‬متروكة‭  ‬لأقادرها،‭ ‬يعيث‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬أرزاقها،‭ ‬ويدفعها‭ ‬الشقاء‭ ‬لسف‭ ‬التراب‭:‬

يسوسون‭ ‬الأمور‭ ‬بغير‭ ‬عقل

فينفذ‭ ‬أمرهم‭ ‬ويقال‭ ‬ساسة

فأف‭ ‬من‭ ‬الحياة‭  ‬وأف‭ ‬منهم

ومن‭ ‬زمن‭ ‬رئاسته‭ ‬خساسة

كان‭ ‬يمقت‭ ‬الحاكم‭ ‬الذي‭ ‬يسرق‭ ‬أموال‭ ‬الناس،‭ ‬ويستبيح‭ ‬أعراضهم،‭ ‬ويسلط‭ ‬أعوانه‭ ‬عليهم،‭ ‬ويسومهم‭ ‬أنواعاً‭ ‬من‭ ‬الخسف‭ ‬والعسف،‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬يدفع‭ ‬عنهم‭ ‬شراً،‭ ‬ولا‭ ‬يحوطهم‭ ‬من‭ ‬الأشرار‭. ‬

3

ففي‭ ‬جحيم‭ ‬فيلسوف‭ ‬المعرة‭  ‬الذي‭ ‬اصطنعه‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬الغفران‭  ‬كان‭ ‬رقيق‭ ‬القلب‭ ‬مع‭ ‬العامة‭  ‬فاختار‭ ‬أن‭ ‬تكون‭  ‬نار‭ ‬جحيمهم‭ ‬هينة،‭ ‬لينة،‭ ‬بسيطة،‭ ‬ومشاهد‭ ‬العذاب‭ ‬فيها‭ ‬معدودة‭ ‬محدودة،‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬أطول‭ ‬مشهد‭ ‬منها‭ ‬يتجاوز‭ ‬الأسطر‭ ‬المعدودات،‭ ‬ولكنه‭ ‬اختار‭ ‬مشاهد‭ ‬عذاب‭ ‬جحيم‭ ‬استثنائية‭  ‬لشوس‭ ‬الجبابرة‭ ‬من‭ ‬الملوك‭ ‬والأمراء‭ ‬الذين‭ ‬ظلموا‭ ‬الرعية‭. ‬وقد‭ ‬ختم‭ ‬المشهد‭ ‬القاسي‭ ‬لتقلب‭ ‬الملوك‭ ‬في‭ ‬نار‭ ‬جهنم‭  ‬وهم‭ ‬يستغيثون‭ ‬فيها‭: ‬ربنا‭ ‬أخرجنا‭ ‬نعمل‭ ‬صالحاً‭ ‬غير‭ ‬الذي‭ ‬كنا‭ ‬نعمل‭. ‬فيقول‭ ‬رب‭ ‬العزة‭: ‬ذُوقوا‭ ‬فما‭ ‬للظالمين‭ ‬من‭ ‬نصير‭. ‬لقد‭ ‬جاءتكم‭ ‬الرسل‭ ‬في‭ ‬زمان‭ ‬بعد‭ ‬زمان‭. ‬وقيل‭ ‬لكم‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭: ‬واتقوا‭ ‬يوماً‭ ‬تُرجعون‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬ثم‭ ‬تُوفّى‭ ‬كل‭ ‬نفس‭ ‬ما‭ ‬كسبت‭ ‬وهم‭ ‬لا‭ ‬يظلمون‭. ‬فكنتم‭ ‬في‭ ‬لذات‭ ‬الساخرة‭ ‬واغلين،‭ ‬وعن‭ ‬أعمال‭ ‬الآخرة‭ ‬متشاغلين،‭ ‬فالآن‭ ‬ظهر‭ ‬النبأ،‭ ‬ولا‭ ‬ظلم‭ ‬اليوم،‭ ‬إن‭ ‬الله‭ ‬قد‭ ‬حكم‭ ‬بين‭ ‬العباد‭. ‬ولعله‭ ‬لا‭ ‬يفوتنا‭ ‬أن‭ ‬نقف‭ ‬عند‭ ‬لفظ‭ ‬الظلم‭ ‬الذي‭ ‬كرره‭ ‬هنا،‭ ‬وعند‭ ‬كلمة‭ ‬لذات‭ ‬الساخرة‭ ‬التي‭ ‬قذف‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الملوك‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬ولعلنا‭ ‬نقدر‭ ‬تقديراً‭ ‬عالياً‭ ‬تلك‭ ‬الآية‭ ‬التي‭ ‬ختم‭ ‬بها‭ ‬مشهده‭: ‬لا‭ ‬ظلم‭ ‬اليوم‭. ‬وإن‭ ‬الله‭ ‬قد‭ ‬حكم‭ ‬بين‭ ‬العباد‭. ‬أتره‭  ‬يرنو‭ ‬إلى‭ ‬العدل‭ ‬في‭ ‬عالمه‭ ‬الآخر‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬رأى‭ ‬الظلم‭ ‬في‭ ‬دُنياه؟‭ ‬أغلب‭ ‬الظن‭ ‬أنه‭ ‬كذلك‭.    

4

وقد‭ ‬كان‭ ‬يتمنى‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬في‭ ‬الناس‭ ‬إمام‭ ‬عادل‭ ‬يملأ‭ ‬الأرض‭ ‬عدلاً‭ ‬كما‭ ‬ملئت‭ ‬ظلماً‭ ‬وجوراً‭. ‬ورأى‭ ‬أصناف‭ ‬الحُكّام‭ ‬وأولي‭ ‬الأمر‭ ‬قد‭ ‬ركب‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬مطية‭ ‬الغرور‭ ‬والزهو،‭ ‬وانخدع‭ ‬بمدح‭ ‬المنافقين‭ ‬ونفاق‭ ‬المتزلفين‭. ‬فأماط‭ ‬النقاب‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬ما‭ ‬هم‭ ‬فيه،‭ ‬وعن‭ ‬عاقبة‭ ‬أمرهم‭. ‬وبين‭ ‬لهم‭ ‬أنهم‭ ‬فقراء‭ ‬على‭ ‬غناهم‭ ‬ضعفاء‭ ‬على‭ ‬قوتهم‭. ‬فقال‭ ‬يبين‭ ‬أنهم‭ ‬أفقر‭ ‬الأحياء‭:‬

وأفقر‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬دنياهم‭ ‬ملك

يضحي‭ ‬إلى‭ ‬اللجب‭ ‬الجرار‭ ‬محتاجا

لعل‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ان‭ ‬الحُكّام‭ ‬لم‭ ‬يتولوا‭ ‬أمور‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬إجماع‭ ‬ورضى‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬جدارة‭ ‬وفضل‭ ‬ولم‭ ‬يكونوا‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬حسب‭ ‬رفيع‭ ‬وشرف‭ ‬عال،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬النفوس‭ ‬العظيمة،‭ ‬وإنما‭ ‬دار‭ ‬الزمان‭  ‬دورته‭ ‬حتى‭:‬

غَدا‭ ‬العصفور‭ ‬للبازي‭ ‬أميراً

وأصبح‭ ‬ثعلباً‭ ‬ضِرغام‭ ‬تَرْجِ

وجبن‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬الزود‭ ‬عن‭ ‬حياضهم‭ ‬بأيديهم،‭ ‬وأقفرت‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬يقول‭ ‬كلمة‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬السلطان‭ ‬الجائر‭. ‬ومن‭ ‬مجمل‭ ‬أقوال‭ ‬فيلسوف‭ ‬المعرة‭ ‬يتبين‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ناقماً‭ ‬على‭ ‬أهل‭ ‬السلطة‭ ‬ولا‭ ‬ساخطاً‭ ‬عليهم‭ ‬لأنهم‭ ‬كذلك،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬ينكر‭ ‬عليهم‭ ‬ظلمهم‭ ‬الرعية،‭ ‬وإفقارها،‭ ‬وذَلها،‭ ‬كي‭ ‬تستكين‭ ‬لأمرهم‭ ‬وخساساتهم‭. ‬كذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مع‭ ‬ترك‭ ‬الناس‭ ‬فوضى‭ ‬لا‭ ‬سُراة‭ ‬لهم،‭. ‬وقد‭ ‬رأى‭ ‬فيلسوف‭ ‬المعرة‭ ‬أسباب‭ ‬هلاك‭   ‬الحاكم‭ ‬في‭ ‬أنه‭  ‬أحاط‭ ‬نفسه‭ ‬ببطانة‭ ‬من‭ ‬المنافقين،‭ ‬أقاموا‭ ‬حوله‭ ‬سياجاً‭ ‬من‭ ‬التعظيم‭ ‬الباطل‭ ‬والثناء‭ ‬الكاذب،‭ ‬فجعلوه‭ ‬حصيراً‭ ‬في‭ ‬قصره،‭ ‬واستقلوا‭ ‬بالأعمال‭ ‬وتصريفها‭ ‬على‭ ‬حسب‭ ‬أهوائهم‭. ‬وهم‭ ‬يوجهون‭ ‬الحوادث‭ ‬والأوامر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يلائم‭ ‬رغباتهم‭ ‬ومنافعهم‭. ‬والحاكم‭ ‬أو‭ ‬الرئيس‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬بما‭ ‬يقع‭ ‬خارج‭ ‬الغرفة‭ ‬التي‭ ‬هو‭ ‬فيها،‭ ‬ولا‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬قصره‭ ‬الذي‭ ‬يأوي‭ ‬إليه،‭ ‬فيكون‭ ‬هلاكه‭.‬

حنطة28 حنطة29

برومو الشهيد ناجي الجرف