حكايا البيدر

الوطـــــــــــن

صبحي‭ ‬دسوقي

رئيس‭ ‬دائرة‭ ‬الكتاب

وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬–‭ ‬الحكومة‭ ‬السورية‭ ‬المؤقتة

معزوفات‭ ‬لقيم‭ ‬وأخلاق‭ ‬لا‭ ‬تنسى

(هي‭ ‬محاولة‭ ‬لإعادة‭ ‬تدوين‭ ‬وترسيخ‭ ‬مجموعة‭ ‬القيم‭ ‬والأخلاق‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سائدة‭ ‬في‭ ‬مجتمعنا،‭ ‬والتركيز‭ ‬عليها‭ ‬مجدداً‭ ‬تمهيداً‭ ‬لإعادة‭ ‬إحيائها)

‭( ‬العين‭ ‬بعد‭ ‬فراقها‭ ‬الوطنا

لا‭ ‬ساكنا‭ ‬ألفت‭ ‬ولا‭ ‬سكنا‭)‬

هو‭ ‬مطلع‭ ‬من‭ ‬قصيدة‭ ‬كررناها‭ ‬مراراً‭  ‬في‭ ‬مدارسنا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نستوعب‭ ‬مغزاها‭. ‬

كانت‭ ‬مجرد‭ ‬كلمات‭ ‬جميلة‭ ‬معبرة‭ ‬حفظناها‭ ‬وما‭ ‬مست‭ ‬يوماً‭ ‬شغاف‭ ‬قلوبنا،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أُرغمنا‭ ‬على‭ ‬الرحيل‭ ‬عن‭ ‬وطننا‭ ‬حاملين‭ ‬في‭ ‬دواخلنا‭ ‬شوقنا‭ ‬وحنيننا‭ ‬وحبنا‭ ‬لذرات‭ ‬ترابه‭.‬

ما‭ ‬كان‭ ‬الوطن،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬يوماً‭ ‬مُجرّد‭ ‬تضاريس‭ ‬وجغرافية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬الأحاسيس‭ ‬التي‭ ‬تتماهى‭ ‬مع‭ ‬شهيق‭ ‬روحنا‭ ‬له،‭ ‬هو‭ ‬دماؤنا‭ ‬التي‭ ‬تسري‭ ‬في‭ ‬أجسادنا‭ ‬وترفض‭ ‬التوقف‭ ‬والسكون‭ ‬إلاّ‭ ‬به‭.‬

الوطنُ،‭ ‬ذاك‭ ‬الرغيف‭ ‬من‭ ‬الخبز‭ ‬الذي‭ ‬نستنشق‭ ‬رائحته‭ ‬العذبة‭ ‬التي‭ ‬تسري‭ ‬كفراشة‭ ‬في‭ ‬أوردتنا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نتناوله‭ ‬بشغف‭ ‬المحب‭.‬

هو‭ ‬ذاك‭ ‬التوق‭ ‬العاصف‭ ‬الذي‭ ‬يخلخل‭ ‬دمائنا،‭ ‬وأرواحنا،‭ ‬وأنسجتنا،‭ ‬التي‭ ‬تتماسك‭ ‬به‭ ‬وتتشظى‭ ‬حين‭ ‬يبتعد‭ ‬عن‭ ‬مرأى‭ ‬عيوننا‭.‬

الوطن‭ ‬أنا‭ ‬وأنت‭ ‬يتكامل‭ ‬بنا‭ ‬معاً‭ ‬ويرفض‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬يا‭ ‬أنا‭ … ‬يا‭ ‬أنت‭.‬

وإنسانيتنا‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬تضاريسه‭ ‬من‭ ‬جبال،‭ ‬وسهول،‭ ‬وأودية،‭ ‬وأنهار،‭ ‬وبحار‭. ‬شوقنا‭ ‬يتعاظم،‭ ‬ويموت‭ ‬الصوت‭ ‬في‭ ‬دواخلنا‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬مناداتنا‭ ‬ومناشداتنا‭ ‬له‭.‬

هل‭ ‬نصرخ‭ ‬به‭ ‬ارجع‭ ‬إلينا‭ ‬كي‭ ‬نعود‭ ‬أقوياء‭ …‬نفرح‭ ‬بك‭ ‬ونشمخ،‭ ‬وحتّى‭ ‬حزنك‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬فرح؟‭ …‬أم‭ ‬نناشده‭ ‬أن‭ ‬يتلمس‭ ‬لنا‭ ‬سبل‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬أحضانه‭ ‬كي‭ ‬نريق‭ ‬دموعنا‭ ‬ندما‭ ‬على‭ ‬فراقنا‭ ‬له‭ ‬وتقصيرنا؟‭.‬

تُرابك‭ ‬أنقى‭ ‬وأغلى‭ ‬من‭ ‬ذهب‭ ‬يتلألأ‭ ‬في‭ ‬ليالي‭ ‬ابتعادنا‭ ‬عنك‭. ‬الغربة،‭ ‬وآهٍ‭ ‬كم‭ ‬تغتال‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬داخلنا‭ ‬من‭ ‬أفراح‭ ‬كنا‭ ‬نخبئها‭ ‬ونداريها‭ ‬كي‭ ‬ننثرها‭ ‬على‭ ‬ترابك‭ ‬حين‭ ‬عودتنا‭.‬

وهل‭ ‬نعود‭ …. ‬هل‭ ‬نعود‭ … ‬؟؟؟؟‭!!!!.‬

تساؤلٌ‭ ‬جارح‭ ‬يُدمي‭ ‬أفواهنا‭ ‬وحناجرنا‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬توقفت‭ ‬يوماً‭ ‬عن‭ ‬ترداد‭ ‬الحنين‭ ‬والاشتياق‭ ‬له‭.‬

سنعود‭ ‬إليك‭ ‬كي‭ ‬نبني‭ ‬ما‭ ‬تخرب‭ ‬وتهدم،‭ ‬نُحوّل‭ ‬ترابك‭ ‬إلى‭ ‬لؤلؤة‭ ‬تشعّ‭ ‬بحبها‭ ‬على‭ ‬الدنيا‭. ‬

من‭ ‬دمائنا‭ ‬التي‭ ‬أسالوها‭ ‬على‭ ‬ترابك‭ ‬نُشيّد‭ ‬أهرامات‭ ‬بأسماء‭ ‬شهدائنا‭ ‬تظلّ‭ ‬ساطعة‭ ‬في‭ ‬تواريخ‭ ‬وأزمنة‭ ‬قادمات‭.‬

وطننا‭ ‬ذاك‭ ‬الشامخ‭ ‬المتربع‭ ‬في‭ ‬قلوبنا‭ ‬سيداً‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الأوطان‭ ‬والمنافي‭ ‬التي‭ ‬أُجْبرنا‭ ‬على‭ ‬تجربتها،‭ ‬فحملنا‭ ‬انكسارنا‭ ‬رايةً‭ ‬لخذلان‭ ‬العالم‭ ‬لنا،‭ ‬ولاجتماعه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تكريس‭ ‬ابتعادنا،‭ ‬واغترابنا،‭ ‬وإرغامنا‭ ‬على‭ ‬الاعتياد‭ ‬على‭ ‬ذلّ‭ ‬الأمكنة‭ ‬وانكسارات‭ ‬الفرح‭ ‬في‭ ‬دواخلنا‭.‬

كلّما‭ ‬سمعنا‭ ‬ضحكات‭ ‬تنطلق‭ ‬في‭ ‬الفضاءات‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬نتكوّم‭ ‬على‭ ‬قهرنا‭ ‬ونلتحفه‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أغطية‭ ‬العالم‭ ‬الوثيرة‭.‬

تشهق‭ ‬في‭ ‬دواخلنا‭ ‬تلك‭ ‬الصباحات‭ ‬العذبة‭ ‬التي‭ ‬فتحنا‭ ‬عيوننا‭ ‬عليها‭ ‬وصار‭ ‬مسراها‭ ‬يتدفق‭ ‬في‭ ‬شرايينا‭ ‬وأوردتنا‭ ‬التي‭ ‬تنقل‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬دواخلنا‭ ‬من‭ ‬دماء‭ ‬من‭ ‬وإلى‭ ‬القلب‭ (‬الوطن‭).‬

وطننا‭ ‬قويٌّ‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬محاولاتهم‭ ‬لإفنائه،‭ ‬وقادرٌ‭ ‬كما‭ ‬طائر‭ ‬الفينيق‭ ‬أن‭ ‬ينهض‭ ‬ويولد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬رماده‭. ‬

ومنذ‭ ‬بداية‭ ‬ثورتنا‭ ‬انطلقت‭ ‬مقولة‭ (‬الموت‭ ‬ولا‭ ‬المذلة‭) ‬واستبدلت‭ ‬تلقائياً‭ ‬بهتاف‭ ‬وشعار‭ (‬سورية‭ ‬وبس‭)‬،‭ ‬لأنها‭ ‬تريدنا‭ ‬بين‭ ‬أحضانها‭ ‬أحياءَ‭ ‬كُرماء‭ ‬مرفوعي‭ ‬الرأس،‭ ‬متخلصين‭ ‬من‭ ‬مذلة‭ ‬لحقت‭ ‬بنا‭ ‬ورافقتنا‭ ‬طوال‭ ‬فترة‭ ‬الحكم‭ ‬الدكتاتوري‭ ‬الأسدي‭. ‬

وسنظلّ‭ ‬نسترجع‭ ‬إحدى‭ ‬مقاطع‭ ‬أغانينا‭ ‬الشعبية‭ ‬الثورية‭ ‬التي‭ ‬عزفت‭ ‬على‭ ‬ذات‭ ‬الوتر‭ ‬ونرددها‭ ‬حتى‭ ‬عودتنا‭ ‬الأكيدة‭ ‬إليه‭.‬

‭)‬حتى‭ ‬ترابك‭ ‬جنة)

حنطة29

برومو الشهيد ناجي الجرف