جرن حنطة

الأرواح تحت القصف

عارف حمزة

منذ‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬للثورة‭ ‬السوريّة‭ ‬تغيّر‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭. ‬في‭ ‬حياة‭ ‬كلّ‭ ‬الناس،‭ ‬الذين‭ ‬لديهم‭ ‬الحدّ‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الشعور‭ ‬بالقلق‭. ‬فالثورة‭ ‬مقلقة‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬الأحوال،‭ ‬سواء‭ ‬للذين‭ ‬انتظروها،‭ ‬وسواء‭ ‬للذين‭ ‬تمنّوا‭ ‬إطالة‭ ‬أمد‭ ‬انتظارها،‭ ‬وعدم‭ ‬حدوثها‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأثناء‭ ‬فقدنا‭ ‬جميع‭ ‬العادات‭ ‬المحبّبة‭ ‬إلينا،‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬اعتدنا‭ ‬عليها‭ ‬بالأحرى،‭ ‬في‭ ‬الزيارات‭ ‬والسهر‭ ‬خارج‭ ‬المنزل‭ ‬حتى‭ ‬ساعات‭ ‬متأخرة‭ ‬من‭ ‬الليل‭. ‬في‭ ‬مشاهدة‭ ‬الأفلام‭ ‬والمسلسلات‭. ‬في‭ ‬تربية‭ ‬الأطفال‭ ‬وحب‭ ‬الزوجة‭. ‬في‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭. ‬في‭ ‬عدم‭ ‬الانتباه‭ ‬لأصوات‭ ‬كثيرة‭ ‬ك‭ ‬انت‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬الخارج‭…‬الخ‭. ‬تغيّرت‭ ‬حياتنا‭ ‬بشكل‭ ‬فجائيّ‭ ‬لدرجة‭ ‬أنّه‭ ‬بات‭ ‬بالإمكان‭ ‬القول‭ ‬أنّ‭ ‬هناك‭ ‬أناساً‭ ‬آخرون‭ ‬سكنوا‭ ‬أجسادنا،‭ ‬وصاروا‭ ‬يأخذون‭ ‬أرواحنا‭ ‬إلى‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬تخصّهم،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تخصّنا‭. ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬‮«‬نمون‮»‬‭ ‬على‭ ‬الأيام‭ ‬والأسابيع‭ ‬والأشهر،‭ ‬ولا‭ ‬حتّى‭ ‬على‭ ‬الأماكن،‭ ‬كأشخاص‭ ‬أصيبوا‭ ‬فجأة‭  ‬بالانفصام‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭!. ‬

بعد‭ ‬أسابيع‭ ‬كثيرة‭ ‬تذكرتُ‭ ‬نفسي‭. ‬وتذكرتُ‭ ‬بأنّني‭ ‬كنتُ‭ ‬أقضي‭ ‬وقتاً‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬القراءة‭. ‬تذكرتُ‭ ‬شغفي‭ ‬بها‭ ‬بعدما‭ ‬عشتُ،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأوقات‭ ‬الماضية،‭ ‬عادات‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬تلبّسني،‭ ‬والذي‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يُعطي‭ ‬للقراءة‭ ‬أيّ‭ ‬وزن‭. ‬وفيما‭ ‬بعد‭ ‬اكتشفتُ‭ ‬أنّ‭ ‬جميع‭ ‬أصدقائي،‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬سؤالهم‭ ‬عن‭ ‬شجاعتي‭ ‬وكيفيّة‭ ‬عودتي‭ ‬إلى‭ ‬القراءة‭ ‬هكذا‭ ‬بسهولة،‭ ‬قد‭ ‬فقدوا‭ ‬جميعهم‭ ‬العادات‭ ‬المحبّبة‭ ‬إلى‭ ‬أنفسهم‭. ‬وبأنّ‭ ‬شخصاً‭ ‬واحداً،‭ ‬يكره‭ ‬عاداتنا‭ ‬بالضبط،‭ ‬قد‭ ‬تلبّسنا‭ ‬جميعاً‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬كتاباً‭ ‬حديث‭ ‬الصدور‭ ‬هو‭ ‬الكتاب‭ ‬الأوّل‭ ‬الذي‭ ‬انتقيته‭ ‬لقتال‭ ‬ذلك‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬يكره‭ ‬القراءة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬كتاباً‭ ‬قديماً‭ ‬قد‭ ‬قرأته‭ ‬لمرة‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭. ‬‮«‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬كاتالونيا‮»‬‭ ‬كان‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬أخذته‭ ‬من‭ ‬رفوف‭ ‬مكتبتي،‭ ‬في‭ ‬مكتبي‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الحواجز‭ ‬الأمنيّة،‭ ‬وبدأت‭ ‬أقرأه‭ ‬بإحساس‭ ‬جديد‭. ‬

ليس‭ ‬تقريراً‭ ‬صحفيّاً‭ ‬بحتاً،‭ ‬بل‭ ‬رواية،‭ ‬كما‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬غلاف‭ ‬الكتاب‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬السوريّة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2002،‭ ‬في‭ ‬ترجمة‭ ‬جيدة‭ ‬من‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الحسن،‭ ‬وهي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬سيرة‭ ‬الكاتب‭ ‬الإنكليزيّ‭ ‬جورج‭ ‬أورويل‭ (‬1903‭ ‬–‭ ‬1950‭)‬،‭ ‬عندما‭ ‬ذهب‭ ‬كمراسل‭ ‬حربيّ‭ ‬لنقل‭ ‬وقائع‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الأهليّة‭ ‬الإسبانيّة،‭ ‬ولكنّه‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تطوّع‭ ‬مقاتلاً‭  ‬‮«‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إحدى‭ ‬الميليشيات‭ ‬الإسبانيّة‭ ‬اليساريّة،‭ ‬وخدم‭ ‬في‭ ‬جبهتي‭ ‬الأراغون‭ ‬والتيرول‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬رتبة‭ ‬ملازم‭. ‬وقد‭ ‬أصيب‭ ‬بجرح‭ ‬خطير،‭ ‬إذ‭ ‬استقرّت‭ ‬رصاصة‭ ‬في‭ ‬عنقه،‭ ‬أحدثت‭ ‬تلفاً‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬حنجرته‭ ‬أثّر‭ ‬في‭ ‬صوته‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬أيام‭ ‬حياته‮»‬،‭ ‬وصار‭ ‬يملك‭ ‬تلك‭ ‬البحّة‭ ‬الغريبة‭ ‬لمعطوبي‭ ‬الحروب‭. ‬

كنتُ‭ ‬أقرأ‭ ‬الصفحات‭ ‬ببطء‭ ‬كعادتي‭ ‬في‭ ‬احترام‭ ‬الكتب‭. ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬البطء‭ ‬دليلاً‭ ‬جيّداً‭ ‬لأخذ‭ ‬أولئك‭ ‬الجنود‭ ‬الهزيلين‭ ‬إلى‭ ‬حتفهم‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬وأستمتع‭ ‬بملاحظات‭ ‬أورويل‭ ‬الدقيقة‭ ‬والصغيرة،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬الكبيرة،‭ ‬عن‭ ‬الأهالي‭ ‬الذين‭ ‬ذهبوا‭ ‬إلى‭ ‬الجبهات،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكتمل‭ ‬عتادهم،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يعرفوا‭ ‬ماذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفعلوا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭. ‬وينقل‭ ‬تفاصيل‭ ‬ذكيّة‭ ‬عن‭ ‬الأماكن،‭ ‬والحرب،‭ ‬والمتقاتلين،‭ ‬والنساء،‭ ‬والبيارق،‭ ‬واسطبلات‭ ‬الخيول‭ ‬والبغال‭ ‬التي‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬ثكنات،‭ ‬والخيول‭ ‬الأصيلة‭ ‬التي‭ ‬ذهبت‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭. ‬بتلك‭ ‬العين‭ ‬التي‭ ‬تخصّ‭ ‬المقاتلين‭ ‬المهزومين‭. ‬بتلك‭ ‬العين‭ ‬التي‭ ‬تخصّ‭ ‬الذاهب‭ ‬للكتابة‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬وليس‭ ‬للمشاركة‭ ‬فيها‭. ‬

سيرى،‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬الجدران‭ ‬المتهدّمة،‭ ‬إعلاناً‭ ‬يعود‭ ‬لسنة‭ ‬ماضية،‭ ‬يعلن‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬ستّة‭ ‬ثيران‭ ‬ظريفة‮»‬‭ ‬سوف‭ ‬تُصرع‭ ‬على‭ ‬الحلبة‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الفلاني‭. ‬سيفكّر‭ ‬في‭ ‬مصير‭ ‬تلك‭ ‬الثيران‭ ‬الظريفة‭ ‬وأولئك‭ ‬المصارعين‭ ‬الأظرف،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقام‭ ‬فيها‭ ‬مصارعة‭ ‬الثيران‭ ‬حتّى‭ ‬في‭ ‬برشلونة‭. ‬‮«‬فلسبب‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬معظم‭ ‬مصارعي‭ ‬الثيران‭ ‬من‭ ‬الفاشييّن‮»‬‭!. ‬

‮«‬كنتُ‭ ‬في‭ ‬سنّ‭ ‬يسمح‭ ‬لي‭ ‬بتذكّر‭ ‬أحداث‭ ‬الحرب‭ ‬العظمى،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أنّني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬وقتها‭ ‬في‭ ‬سنّ‭ ‬يُمكنني‭ ‬من‭ ‬خوضها‭. ‬كانت‭ ‬الحرب‭ ‬عندي‭ ‬تعني‭ ‬المقذوفات‭ ‬الهادرة،‭ ‬وقطع‭ ‬الفولاذ‭ ‬المتطايرة،‭ ‬وتعني‭ ‬فوق‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬الوحل‭ ‬والقمل‭ ‬والجوع‭ ‬والبرد‭. ‬والعجيب‭ ‬أنّني‭ ‬كنتُ‭ ‬أرتعدُ‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬البرد،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خوفي‭ ‬من‭ ‬العدوّ‭ ‬المقابل‮»‬‭. ‬وهذا‭ ‬الكلام‭ ‬المخيف‭ ‬حصل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬مراقبته‭ ‬وخوفه،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬شروده‭ ‬وغنائه‭. ‬فرأى‭ ‬أيضاً‭ ‬أنّ‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬العسكرييّن‭ ‬ضدهم‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬فاشييّن،‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬مجبرين‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬الخدمة‭ ‬العسكريّة‭ ‬ليس‭ ‬إلا،‭ ‬لذلك‭ ‬كانوا‭ ‬يفرّون‭ ‬للجبهة‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬أيّة‭ ‬فرصة‭ ‬تسنح‭ ‬لهم‭. ‬وبأنّ‭ ‬الجنود‭ ‬المرافقين‭ ‬له‭ ‬كانوا‭ ‬‮«‬صبياناً‮»‬‭ ‬صغاراً‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬حتّى‭ ‬استخدام‭ ‬تلك‭ ‬الأسلحة‭ ‬التالفة‭ ‬التي‭ ‬بحوزتهم‭. ‬وعندما‭ ‬فكّر‭ ‬بالطيّار‭ ‬الفاشيّ،‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يُشاهد‭ ‬رتلهم‭ ‬الذي‭ ‬قطع‭ ‬تلك‭ ‬المسافة‭ ‬المضنية‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬الجبهة،‭ ‬تأكّد‭ ‬بأنّه‭ ‬لن‭ ‬ينقضّ‭ ‬عليهم‭ ‬ولن‭ ‬يرشقهم‭ ‬بالنيران‭: ‬‮«‬فالمؤكّد‭ ‬أنّه،‭ ‬حتّى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الارتفاع،‭ ‬يستطيع‭ ‬رؤية‭ ‬أنّنا‭ ‬لسنا‭ ‬عساكر‭ ‬حقيقيّين‮»‬‭!. 

كنتُ‭ ‬أنزل‭ ‬من‭ ‬المكتب‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أنسى‭ ‬أخذ‭ ‬‮«‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬كاتالونيا‮»‬‭ ‬معي‭ ‬إلى‭ ‬البيت،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬أنسى‭ ‬أشياء‭ ‬أكثر‭ ‬أهميّة،‭ ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬عليّ‭ ‬أخذها‭ ‬معي‭ ‬إلى‭ ‬البيت،‭ ‬كالخبز‭ ‬ومياه‭ ‬الشرب‭. ‬وفي‭ ‬الطرقات‭ ‬الكثيرة‭ ‬لمدينتي‭ ‬البائسة،‭ ‬وضواحيها‭ ‬الأكثر‭ ‬بؤساً،‭ ‬كنتُ‭ ‬أتذكّر‭ ‬جملاً‭ ‬طويلاً‭ ‬تُعينني‭ ‬على‭ ‬النجاة‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مرّة‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬فيها‭ ‬انفجار‭ ‬أو‭ ‬قصف‭ ‬أو‭ ‬اشتباك‭. ‬إنّها‭ ‬تشبه‭ ‬‮«‬ألكوبييري‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقع‭ ‬مباشرة‭ ‬خلف‭ ‬خطوط‭ ‬النار،‭ ‬والتي‭ ‬نجت‭ ‬من‭ ‬القصف‭ ‬بالمدفعيّة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أحسن‭ ‬حالاً‭ ‬من‭ ‬القرى‭ ‬التي‭ ‬تعرّضت‭ ‬للقصف،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬يعتقد‭ ‬أورويل‭ ‬أنّه‭ ‬‮«‬حتّى‭ ‬وقت‭ ‬السلم‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لتستطيع‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬من‭ ‬إسبانيا،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يصدمك‭ ‬البؤس‭ ‬المدقع‭ ‬للقرى‭ ‬الأراجونيّة‭. (..) ‬إذ‭ ‬يندر‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬فيها،‭ ‬حتّى‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬الربيع،‭ ‬زهرة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬مكان‮»‬‭.‬

مرّة‭ ‬علقتُ‭ ‬في‭ ‬المكتب،‭ ‬وأنفقتُ‭ ‬شمعتين‭ ‬كبيرتين،‭ ‬حتّى‭ ‬منتصف‭ ‬الليل،‭ ‬كي‭ ‬أتابع‭ ‬القراءة‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬الكتاب،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬أصوات‭ ‬الاشتباكات‭ ‬والقصف‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬تعلو‭ ‬وتعلو،‭ ‬وكانت‭ ‬تخفتُ‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬في‭ ‬أذنيّ‭. ‬ولم‭ ‬أسمع‭ ‬صيحات‭ ‬الجنود‭ ‬والقنّاصة‭ ‬وخطواتهم‭ ‬الثقيلة‭ ‬على‭ ‬درج‭ ‬البناء‭ ‬باتجاه‭ ‬السطح‭. ‬وكان‭ ‬البرد‭ ‬شديداً‭ ‬في‭ ‬أطرافي‭ ‬أيضاً‭. ‬وشعرتُ‭ ‬بأنّني‭ ‬لن‭ ‬أخرج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الخندق‭ ‬حيّاً‭ ‬بعد‭ ‬الآن‭. ‬

حنطة30

برومو الشهيد ناجي الجرف