جرن حنطة

أصحاب الجلالة والمعالي والسمو

عبد القادر العبيد

أصحاب الجلالة والمعالي والسمو.. يا من حجبتم الشمس بالإعلام..! اسمحوا لي أن أكتب مقالتي وأنا واقفٌ على الكرسي، وذلك خيرٌ من الجلوس عليه في حضرة معاليكم، فالوقوف على الكرسي يسمح لي برؤية هاماتكم الشامخة على الدوام.!

أتذكّر انه عندما كنا صغاراً كُنُّا ننام على حتّوتةٍ تُلقيها على مسامعنا جدتي.. فمرّةً تَقصُ علينا قصة الغول والعنقاء، ومرةً أخرى تقصُ علينا قصة الذئب الذي حاول قتل قطيعٍ من الغنم.. فكان القاسم المشترك في كل الحكايات أنها تنتهي بانتصار الحق على الباطل، وانتصارِ الخير على الشر، فكنّا ننام ونحن نحلم بغدٍ مشرقٍ، وإذا تصادف وجافى النومُ عيوننا فإننا نبدأ بعمليةِ احتيالٍ على الجدّة كي تروي لنا حكايةً أخرى، لكنها سرعان ما كانت تكتشفُ احتيالنا البريء فتطالبنا بالنوم المبكّر، وتَعِدنا بأنها ستروي لنا حكايةً أخرى في الصباح، وهذا الوعد كان يساعدنا على النوم. فكنّا نغمض عينينا، ولا نفكر في شيءٍ سوى في تلك الحكايات التي سَتُروى لنا عندما نصحو، وهذا لم يكن حالي فقط، بل هو حال الملايين من الشعوب التي تقودونها.

فتلك القصص التي كانت تُروى على مسامعنا عندما كنّا صغاراً، هي في مجملها من تأليف جدّاتنا اللواتي استطعنَ أن يحِكنَ قصصاً بسيطةً تحاكي براءتنا، وتحث عقولنا الصغيرة على صناعة الخير الذي مهما هُزم لا بد وأن ينتصر، وعندما يختمنها بالنهايات السعيدة، كان القصد من خلف ذلك دفع الأمل في نفوسنا، ولكي يبشّرننا بغدٍ أفضل، وأن الحياة مهما اشتدّت بها الكروبن لابد وأن تنفتح أساريرها بالفرج، وعندما كبرنا قليلاً سمعنا عن قادةٍ عظماء مقابل كل مدرسةٍ ينشِئونها يفتحون تسعةً وتسعين سجناً، ولأنني لستُ من هواة السجون فضّلتُ الحديث عن المدارس.. فعندما دخلنا مدارسكم، وقرأنا مناهجك، لاحظنا اهتمامكم بالتاريخ والقومية، كما لاحظنا إهمالكم للجغرافيا، ففي مادة التاريخ كنتم تسلطون الضوء في جزءٍ بسيطٍ على الفتوحات العربية التي جرت في العصور القديمة، وقرأنا عن بعض القادة العظام الذين قاموا بغزو الدنيا من أقصاها إلى أقصاها، ففتحوا بلاد العجم والروم والفرس، ووصلت فتوحاتهم إلى الأندلس، وكانت جيوشهم تغزوا أوروبا بين الفينة والأخرى، وكانوا يجبرون الروم على دفع الجزية وهم صاغرون، فتطرقتم إلى كلِّ تلك الانجازات بجزءٍ بسيط من الكتاب، وتركتم القسم الأكبر للحديث عن تاريخ الأسرة الحاكمة وبطولاتها وأمجادها، وقمتم بإخفاء كل الجوانب المظلمة في تاريخ هذه الأسُر، واكتفيتم بإظهار البطولات المزعومة حتى ظننا أن إنجازاتهم أكبر وأعظم بكثيرٍ من الفتوحات التي حققها العرب عبر العصور، فألّفتم كل هذا الأفك والتزوير فقط لكي تقنعوا شعوبكم بأنكم خيرُ أمّةٍ أُخرجت للناس، وأنّكم خيرة قادةٍ لهم. وأنكم كما يقول المثل الشامي: (خرطكم الخراط وقلب مات).

وفي الحقيقة لو أعدنا الأمور إلى نصابها الحقيقي لاكتشفتم يا أصحاب المعالي والسمو أن أسركم الحاكمة لو اجتمعت بمجملها، فلن يكونوا قادرين على فتح علبة “تونة”.

أمّا إذا ما عدنا إلى القومية؛ فإنني أعتقد جازماً لو أن جدّتي قرأت منها سطرين فقط لـاستطاعت أن تؤلف لنا تسع مائةٍ وتسعة وتسعين خرافةً أسطوريةً تهذي بها عن بطولاتكم المزعومة التي لم نشاهدها سوى في أفلام الكرتون والرسوم المتحركة كـ فيلم “ماوكلي” و “روبن هود”. ولكنّني أحمد الله أنها ماتت قبل أن نشهد هذه المأساة.

أمّا الجغرافية فلتلك المادة روايةٌ مختلفة، فمناهجكم بمجملها تتحدث عن العروبة ووحدة العرب ولكننا لم نرى هذه الوحدة سوى في خريطة الوطن العربي فقط.

 

أمّا بقية الكتاب ففي مجمله يتحدث عن تربية الماعز في السودان، وتربية الإبل في السعودية، ويدخل قليلاً في تفاصيل الزراعة، فيلقي الضوء على زراعة النخيل في العراق، و زراعة الموز في الصومال، و هذه هي أقصى اهتماماتكم.

ولو نظرتم يا أصحاب الجلالة والسمو إلى القوى الإقليمية التي تجاوركم، كتركيا وإيران وإسرائيل، لـاكتشفتم أنَّ التاريخ والقومية التي أتعبتم عقول مفكّريكم في تأليفها هي أخر اهتماماتهم، ولاكتشفتم أيضاً أن أولَ أولوياتهم “التركيز على الجغرافية”، والنتائج على أرض الواقع هي خير دليلٍ على هذا الكلام، فـتركيا تحتل لواء اسكندرون السوري، وإسرائيل ابتلعت فلسطين والجولان وأغوار الأردن وبعض الأراضي في جنوب لبنان، وما زالت تطالب بالمزيد، أمّا إيران فتلك روايةٌ مختلفة، فهي لم تكتفِ بالجزر الإماراتية و إقليم الأحواز، بل دخلت العراق ولبنان أمام أعينكم، وها هي اليوم تقاتل في سورية، ولديها مشروعٌ للسيطرة على المنطقة بأسرها، في الوقت الذي أنتم تجهلون فيه حتى جغرافية مخادع زوجاتكم.

يا أصحاب الجلالة والمعالي والسمو، أخشى ما أخشاه أن يأتي يومٌ ويصبح فيه المواطن العربي بلا هويةٍ وبلا وطن، والفضل في ذلك يعود لكم. وإذا ما حدث هذا سيصبح العربي يجوب الأرض وهو يعتل قوميته العربية على كتفيه، يتسوّل عليها بين البلدان ولا يجد من يقلّبها، لأن هناك من سبقوه على حملها، وحاولوا بيعها بـ أبخس الأثمان ولم يجدوا مشترٍ، وإذا أصبحت شعوبنا تائهةً بلا أرضٍ ولا وطن، فإننا لن نجد من يتعاطف مع قضيتنا، ولن يكون لنا وطنٌ نعيش فيه إلا إذا حدث متغيّرُ دولي يغيّر الخارطة السياسية بمجملها، وحينها سنكون محظوظين جداً إذا قضت مصالح الكبار أن يتصدقوا علينا بقطعةِ أرضٍ صغيرةٍ نُقيم عليها دويلةً كما فعلوا مع اليهود في فلسطين، أو نُقيم عليها إقليماً كما فعلوا مع إخواننا الأكراد في العراق، وهذا كله بسبب أنانيتكم واستئثاركم بالسلطة، فقد أصبحنا نخسر في كل سنةٍ قطعة أرضٍ وفي كل عقدٍ نخسر دولةً بأكملها وأنتم جالسون، اشتريتم السلاح وقمتم بتخزينه لإراقة دمائنا أن قلنا لكم “كفا” كي تبقوا جالسين، أرهقتم الشعوب وقمتم في إذلالها كي تبقوا جالسين، أضعتم البلاد وأُنهكتم العباد وقطّـّعتم الأوصال وأنتم جالسون، قد نُهبت خيراتنا، واحتُلت أراضينا وقُتل أطفالنا أمام أعيُنكم وأنتم جالسون، قد أصبح العربي يقتل العربي ويحالف أعدائه وأنتم جالسون، تفرّقنا لشيعيٍّ وسنيِّ ودرزيٍّ وعلويٍّ ومسيحيٍّ واسماعيلي وأنتم ما زلتم جالسين. قد أصبح العربي ممنوعاً من الدخول إلى بلاده إلا بتأشيرة، وأصبح يقف على شبّاك التذاكر لساعات، فيمل الصبر من صبره، ويُضني حالهُ طول الوقوف وأنتم جالسون، أما تعبتم من الجلوس؟!

كل الناس تعبتْ وأنتم لم تتعبوا، حتى جدّتي في قبرها تعبتْ وأنتم ما زلتم جالسين، فهل فهمتم لماذا كتبت المقال وأنا واقفٌ؟ بكلِ تأكيد لم تفهموا لأنكم لا تفهمون، لذا سأختصر عليكم كل ما سبق في جملةٍ واحدةٍ.

(أصحاب الجلالة والمعالي والسمو: “إنكم تعبدون ما تحتَ أقدامي”).

حنطة31

 

 

برومو الشهيد ناجي الجرف