جرن حنطة

المؤتمر الوطني خطوة باتجاه العدالة الانتقالية

عماد غليون

بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬متاهات‭ ‬التحليل

السياسي‭ ‬والعسكري،‭ ‬والحديث‭ ‬عن‭ ‬السيناريوهات‭ ‬لمختلفة‭ ‬بشأن‭ ‬كيفية‭ ‬سقوط‭ ‬النظام‭ ‬وتحديد‭ ‬مدى‭ ‬زمني‭ ‬لذلك،‭  ‬يلاحظ‭ ‬عدم‭ ‬وضوح‭ ‬الرؤية‭ ‬لدى‭ ‬المعارضة‭  ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬مستقبل‭ ‬سورية‭ ‬كدولة‭ ‬وشعب‭ ‬بعد‭ ‬السقوط‭ ‬المتوقع‭ ‬للنظام،‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭  ‬الانشغال‭ ‬التام‭  ‬بإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬دون‭ ‬التفكير‭ ‬بأي‭ ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬السبب‭.‬

طرحت‭ ‬المعارضة‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحراك‭ ‬الثوري‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬بكل‭ ‬مرتكزاته‭ ‬ومنظومته‭ ‬الامنية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬ووجهت‭ ‬جهودها‭  ‬بهذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬بشكل‭ ‬رئيس‭. ‬واستمر‭ ‬الحال‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكتشف‭ ‬أن‭ ‬الإطاحة‭ ‬بالنظام‭ ‬ستؤدي‭ ‬للإطاحة‭ ‬بمؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬برمتها‭ ‬بشكل‭ ‬أكيد،‭ ‬وتحولت‭ ‬المعارضة‭ ‬عبر‭ ‬نصائح‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬للتفكير‭ ‬في‭ ‬تقديم‭  ‬رؤية‭ ‬وتصور‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬سورية‭ ‬المستقبل،‭ ‬فكانت‭ ‬اجتماعات‭ ‬متتالية‭ ‬انتهت‭ ‬بإقرار‭ ‬ميثاق‭ ‬العهد‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬سورية‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭  ‬والذي‭ ‬وقعته‭ ‬أطياف‭ ‬المعارضة‭ ‬المختلفة‭. ‬

يعتبر‭ ‬الميثاق‭ ‬خطوة‭ ‬جيدة‭ ‬باتجاه‭ ‬عملية‭ ‬تقنين‭  ‬تضمن‭ ‬حقوق‭ ‬وواجبات‭ ‬متساوية‭ ‬لمختلف‭ ‬مكونات‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬القومية‭ ‬والمذهبية،‭ ‬وتم‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بعد‭ ‬نقاشات‭ ‬صعبة،‭ ‬مع‭ ‬إقرار‭ ‬مبادئ‭ ‬واضحة‭ ‬للعدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬عبر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬سورية‭ ‬المستقبل‭ ‬بأنها‭ ‬دولة‭ ‬مدنية‭ ‬ديمقراطية‭ ‬تعددية،‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭  ‬فيها‭ ‬يعتمد‭ ‬تداول‭ ‬السلطة‭ ‬ويمنع‭ ‬احتكارها‭ ‬لصالح‭ ‬حزب‭ ‬أو‭ ‬فئة‭.‬

توقفت‭ ‬الجهود‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬وكان‭ ‬ينبغي‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬نقاش‭ ‬وتطوير‭ ‬هذا‭ ‬الميثاق‭ ‬وفق‭ ‬التغيرات‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬السياسية‭ ‬الدولية،‭ ‬والتي‭ ‬تحولت‭ ‬لاعتبار‭  ‬الحل‭ ‬السياسي‭ ‬هو‭ ‬الحل‭ ‬الوحيد‭ ‬للصراع‭ ‬الدائر‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬صراحة‭ ‬في‭ ‬القرارات‭ ‬الدولية‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بسورية،‭ ‬والصادرة‭ ‬عن‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬والمنظمات‭ ‬الأممية‭ ‬والإقليمية‭.‬

رؤية‭ ‬الميثاق‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬سورية‭  ‬تبدو‭  ‬رؤية‭ ‬وردية‭ ‬حالمة،‭ ‬وتدل‭ ‬على‭ ‬بساطة‭ ‬في‭ ‬الطرح‭ ‬والمعالجة،‭ ‬ولا‭ ‬تلحظ‭ ‬سوى‭ ‬معارضي‭ ‬النظام‭ ‬ورغباتهم،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬تلتفت‭ ‬لرغبات‭ ‬مؤيدي‭ ‬النظام‭ ‬وتوجهاتهم‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬البلاد،‭ ‬فضلاً‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تذكرهم‭ ‬أصلاً،‭ ‬وربما‭ ‬اعتبرتهم‭ ‬من‭ ‬غنائم‭ ‬الحرب،‭ ‬وساقطون‭ ‬بسقوط‭ ‬النظام،‭ ‬ويجب‭ ‬فرض‭ ‬رؤية‭ ‬المنتصر‭ ‬عليهم‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي‭.‬

قصور‭ ‬المعارضة‭ ‬ذاك‭ ‬ولد‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الطمأنينة‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬المؤيدين،‭ ‬وخاصة‭ ‬من‭ ‬الأقليات‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬المعارضة‭ ‬مد‭ ‬جسور‭ ‬التواصل‭ ‬معها،‭ ‬وتقديم‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الضمانات‭ ‬لها،‭ ‬وخاصةً‭ ‬عبر‭ ‬رفض‭ ‬منهج‭ ‬وسلوك‭ ‬بعض‭ ‬الجماعات‭ ‬المقاتلة‭ ‬المتشددة‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬المعارضة‭ ‬المسلحة‭ ‬ضد‭ ‬النظام،‭ ‬والتي‭ ‬ترتبط‭ ‬بتنظيم‭ ‬القاعدة‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬جبهة‭ ‬النصرة‭ ‬أول‭ ‬تنظيم‭ ‬معلن‭ ‬لها‭.‬

قام‭ ‬الشيخ‭ ‬معاذ‭ ‬الخطيب،‭ ‬كرئيس‭ ‬للائتلاف‭ ‬الوطني،‭ ‬بشكل‭ ‬غريب‭ ‬ومفاجئ‭  ‬برفض‭ ‬القرار‭ ‬الأمريكي‭ ‬بتصنيف‭ ‬جبهة‭ ‬النصرة‭ ‬كمنظمة‭ ‬إرهابية‭ ‬تابعة‭ ‬للقاعدة،‭ ‬وشكل‭ ‬ذلك‭ ‬تحدياً‭ ‬لوزيرة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬كلينتون‭ ‬وقتها‭ -‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬أصدقاء‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬في‭ ‬روما‭- ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬لتراجع‭ ‬أمريكا‭ ‬عن‭ ‬وعودها‭ ‬بشأن‭ ‬تقديم‭ ‬أسلحة‭ ‬نوعية‭ ‬للجيش‭ ‬الحر‭.‬

ظهر‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬والشام‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬خليط‭ ‬من‭ ‬مقاتلين‭ ‬متشددين‭ ‬أجانب‭ ‬وسوريين،‭ ‬ولكن‭ ‬القيادة‭ ‬فيه‭ ‬كانت‭ ‬للأجانب،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يسمونهم‭  ‬بالمهاجرين‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬الائتلاف‭ ‬لم‭   ‬يتخذ‭ ‬موقفاً‭  ‬واضحاً‭ ‬أو‭ ‬حاسماً‭ ‬بشأنه‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬وعندما‭ ‬استفحل‭ ‬أمر‭ ‬التنظيم،‭ ‬واشتد‭ ‬عوده،‭ ‬وتحول‭ ‬باتجاه‭ ‬العنف‭ ‬ضد‭ ‬كتائب‭ ‬الجيش‭ ‬الحر‭ ‬وقياداتها،‭ ‬عندها‭ ‬بدأ‭ ‬الائتلاف‭ ‬يطلب‭ ‬الدعم‭ ‬لمحاربة‭ ‬التنظيم،‭ ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭.‬

بعد‭ ‬إعلان‭ ‬دولة‭ ‬الخلافة،‭ ‬تحول‭ ‬مسار‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬بشكل‭ ‬جذري‭ ‬مع‭ ‬بروز‭  ‬قوتين‭ ‬رئيستين‭ ‬في‭ ‬الميدان،‭ ‬هما‭ ‬النظام‭ ‬وقوات‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة،‭ ‬وباتت‭ ‬المعارضة‭ ‬واقعة‭ ‬بين‭ ‬مطرقة‭ ‬النظام‭ ‬وسندان‭ ‬داعش،‭ ‬وكان‭ ‬عليها‭ ‬المسارعة‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬للإعلان‭ ‬عن‭ ‬محاربة‭ ‬التنظيم،‭ ‬وطلب‭ ‬توجيه‭ ‬ضربات‭ ‬جوية‭ ‬أمريكية‭ ‬له،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬الموقف‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬أعلنه‭ ‬النظام‭ ‬مما‭ ‬أدى‭  ‬توافق‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬بالمواقف‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬المعارضة‭ ‬وإن‭ ‬يكن‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬متفق‭ ‬عليه‭.‬

الأمور‭ ‬تسير‭ ‬باتجاه‭ ‬تحالف‭ ‬دولي‭ ‬لمحاربة‭ ‬الإرهاب‭ ‬مع‭ ‬استبعاد‭ ‬النظام‭ ‬منه،‭ ‬ثم‭ ‬يتم‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬حلّ‭ ‬سياسيّ‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭  ‬ربما‭ ‬عبر‭ ‬مبادرة‭ ‬عربية‭ ‬تعرضها‭ ‬مصر‭ ‬وقطر‭ ‬وتتبناها‭ ‬المجموعة‭ ‬العربية،‭ ‬وهي‭ ‬تدعو،‭ ‬حسب‭ ‬التوقعات،‭ ‬لإجراء‭ ‬حوار‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬انتقالية‭ ‬توافقية‭ ‬بصلاحيات‭ ‬كاملة،‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬ستتم‭ ‬معالجة‭ ‬مصير‭ ‬رأس‭ ‬النظام،‭ ‬أو‭ ‬مساعديه‭ ‬الأساسيين‭ ‬في‭ ‬المبادرة‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭  ‬تحقيق‭ ‬عدالة‭ ‬انتقالية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬دون‭ ‬خطوات‭ ‬واضحة‭ ‬مرسومة‭ ‬للوصول‭ ‬إليها،‭ ‬ولعل‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬استلام‭ ‬السلطة‭ ‬وانتقالها‭ ‬بين‭ ‬طرفين‭ ‬يمثلان‭ ‬المعارضة‭ ‬والنظام،‭ ‬إلى‭ ‬مؤتمر‭ ‬وطني‭ ‬عام‭ ‬يشمل‭ ‬كافة‭ ‬أطياف‭ ‬ومكونات‭ ‬وحساسيات‭ ‬الشعب‭ ‬السوري،‭ ‬خاصةً‭ ‬وأن‭  ‬الأحداث‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬الطرفين‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لديه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تمثيل‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬بشكل‭ ‬حقيقي،‭ ‬كما‭ ‬أنهما‭ ‬مارسا‭ ‬سياسات‭ ‬الإقصاء‭ ‬والتهميش‭ ‬على‭ ‬الآخرين،‭ ‬ولم‭ ‬ينجُ‭ ‬الائتلاف‭ ‬من‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬الفساد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬وأعوانه‭.‬

إطلاق‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬ليس‭ ‬أمراً‭ ‬سهلاً،‭ ‬ويواجه‭ ‬انعقاده‭ ‬صعوبات‭ ‬جمّة،‭ ‬تتعلق‭ ‬بشكل‭ ‬رئيس‭ ‬بطريقة‭ ‬التمثيل‭ ‬ونسبته،‭ ‬وآلية‭ ‬تحقيقه،‭ ‬وهذه‭ ‬كانت‭ ‬معضلة‭ ‬المعارضة‭ ‬المستمرة،‭ ‬مع‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭  ‬تجارب‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة،‭ ‬وخاصة‭ ‬العراق،‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬الهروب‭ ‬إلى‭ ‬الأمام،‭ ‬وعدم‭ ‬مواجهة‭ ‬المشاكل‭ ‬الصعبة‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬مجلس‭ ‬حكم‭ ‬على‭ ‬شاكلة‭ ‬مجلس‭ ‬بريمر،‭ ‬سيكون‭ ‬لذلك‭ ‬آثارٌ‭ ‬كارثية‭ ‬على‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

لو‭ ‬تم‭ ‬اختيار‭ ‬التمثيل‭ ‬الوطني‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬قوميّ‭ ‬وطائفيّ‭ ‬لأصبحنا‭ ‬في‭ ‬محاكاة‭ ‬لمؤتمر‭ ‬الطائف‭ ‬اللبناني،‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬يُؤمّن‭  ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬رغم‭ ‬انقضاء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬على‭ ‬انعقاده‭. ‬

بعد‭ ‬التشظي‭ ‬الواسع‭ ‬في‭ ‬مكونات‭ ‬المجتمع‭ ‬السوري،‭ ‬بات‭ ‬السوريون‭ ‬يواجهون‭ ‬مشكلة‭ ‬مستعصية‭ ‬في‭ ‬تقديم‭  ‬ممثلين‭ ‬حقيقيين‭ ‬للمجتمع،‭ ‬خاصةً‭ ‬مع‭ ‬انحسار‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬لصالح‭ ‬الهويات‭ ‬الأضيق‭ ‬سواء‭ ‬الطائفية‭ ‬أو‭ ‬القومية‭.‬

لا‭ ‬مناص‭ ‬من‭ ‬المواجهة،‭ ‬ولا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬مؤتمر‭ ‬وطني‭ ‬سوري‭ ‬عام‭ ‬يمثل‭ ‬السوريين‭ ‬قدر‭ ‬المستطاع،‭ ‬لينبثق‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعي‭ ‬جديد‭ ‬للبلاد،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬توافق‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬خارطة‭ ‬طريق‭ ‬تُحدّد‭ ‬ملامح‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيلها،‭ ‬والرعاية‭ ‬الدولية‭ ‬للمؤتمر‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬منها،‭  ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬قراراته‭ ‬لتصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬يطبق‭ ‬عليها‭ ‬مبادئ‭ ‬الفصل‭ ‬السابع،‭ ‬مع‭  ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬يُشكّل‭ ‬بلا‭ ‬شك‭  ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الوصاية‭ ‬على‭ ‬البلاد‭ ‬تحدّ‭ ‬من‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬مفرّ‭ ‬من‭ ‬الوقوع‭ ‬فيه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عجز‭ ‬السوريون‭ ‬عن‭ ‬إيجاد‭ ‬حل‭ ‬بأنفسهم‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬الانتقال‭ ‬لمجتمع‭ ‬مستقر‭ ‬متصالح‭ ‬دون‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬لذلك‭  ‬إلاّ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬العام،‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬يتمّ‭  ‬تحديد‭ ‬المفاهيم‭ ‬والأسس‭ ‬والإجراءات‭ ‬الواجب‭ ‬اتخاذها،‭ ‬وإقرار‭ ‬ذلك‭ ‬استناداً‭ ‬للحالة‭ ‬السورية،‭ ‬وليس‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬تحقيقه‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬للعدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أُخرى،‭ ‬كجنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬مثلاً‭.‬

من‭ ‬المهم‭ ‬البدء‭ ‬بخطوات‭ ‬عملية‭ ‬لرأب‭ ‬الصدع‭ ‬بين‭ ‬صفوف‭ ‬السوريين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬المكونات‭ ‬القومية‭ ‬والدينية،‭ ‬وبمختلف‭ ‬اتجاهاتهم‭ ‬السياسية،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬هنالك‭ ‬خطة‭ ‬لإعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬المجتمع‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬المصالحة‭ ‬وروح‭ ‬التسامح،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬هنالك‭ ‬برامج‭ ‬خاصة‭ ‬تقوم‭ ‬بعملية‭ ‬إدماج‭ ‬الأطفال‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬نشاطات‭ ‬مشتركة،‭ ‬وبرامج‭ ‬ثقافية‭ ‬وتعليمية‭ ‬مكثفة‭ ‬وموجهة‭ ‬لهذا‭ ‬الغرض‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬للمصالحة‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬أن‭ ‬تنطلق‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬مبادئ‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬في‭ ‬التحقق‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬وذلك‭ ‬لإعطاء‭ ‬الناس‭ ‬الثقة‭ ‬والمصداقية‭ ‬بأنه‭ ‬سيتم‭ ‬تطبيق‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬الاتفاق‭ ‬عليه،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬تكون‭ ‬السيادة‭ ‬لمبادئ‭ ‬الدستور‭ ‬والقوانين،‭ ‬ويمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عندها‭ ‬عن‭ ‬مجتمع‭ ‬متصالح‭ ‬متسامح‭ ‬يستطيع‭ ‬تحويل‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬ركام‭ ‬إلى‭ ‬وطن‭ ‬حقيقي‭ ‬لكل‭ ‬السوريين‭ ‬الاحرار،‭ ‬لكن‭ ‬منذ‭ ‬البدء‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الجميع‭ ‬مشاركين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تفاصيل‭ ‬العملية‭ ‬بدون‭ ‬إقصاء‭ ‬أو‭ ‬تهميش‭ ‬لأحد،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬نغمة‭ ‬المعارضة‭ ‬والنظام‭.‬

حنطة32حنطة33

برومو الشهيد ناجي الجرف