جرن حنطة

لن تفشل الثورة السورية

مروان عبد الرزاق

-1-

مثل‭ ‬أية‭ ‬ثورة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬واجهت‭ ‬الثورة‭ ‬السورية‭ ‬منذ‭ ‬انطلاقتها‭ ‬قبل‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أعوام،‭ ‬النقد‭ ‬والتشكيك‭ ‬بها،‭ ‬وتوصيفها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬ثورة‭ ‬شعبية،‭ ‬بحجة‭ ‬أعداد‭ ‬المتظاهرين‭ ‬القليلة،‭ ‬وغياب‭ ‬القيادة‭ ‬والبرنامج‭ ‬السياسي‭.  ‬وعندما‭ ‬تشكلت‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للثورة،‭ ‬واتحاد‭ ‬التنسيقيات‭, ‬وأعلنوا‭ ‬أن‭ ‬أهداف‭ ‬الثورة‭ ‬هي‭ ‬اسقاط‭ ‬الاستبداد،‭ ‬وبناء‭ ‬الدولة‭ ‬المدنية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬كل‭ ‬الشعب‭. ‬انصب‭ ‬النقد‭ ‬على‭ ‬شباب‭ ‬الثورة‭ ‬باعتبارهم‭ ‬غير‭ ‬معروفين‭ ‬وغير‭ ‬مشهورين‭. ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬حجم‭ ‬المظاهرات‭ ‬وانتشارها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المدن‭ ‬السورية،‭ ‬أصبح‭ ‬توصيف‭ ‬الثورة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬ثورة‭ ‬فلاحية‭ ‬ذات‭ ‬وشعارات‭ ‬إسلامية‭. ‬وعندما‭ ‬نهضت‭ ‬مدينة‭ ‬حماة‭ ‬بالكامل‭ ‬ريفاً‭ ‬ومدينة،‭ ‬أصبح‭ ‬السؤال‭: ‬أين‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬حلب‭ ‬ودمشق؟‭ ‬

هذا‭ ‬النقد‭ ‬حمل‭ ‬لواءه‭ ‬أغلب‭ ‬المثقفين‭ ‬السوريين،‭ ‬من‭ ‬كتابٍ،‭ ‬وصحفيين،‭ ‬وفنانين،‭ ‬والطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬عموماً‭. ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬فيهم‭ ‬كان‭ ‬يريد‭ ‬ثورة‭ ‬وفق‭ ‬فهمه‭  ‬ومصلحته‭ ‬الخاصة‭. ‬هذا‭ ‬‮«‬الناقد‭ ‬الأعور‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬الأعداد‭ ‬القليلة‭ ‬للمتظاهرين‭ ‬الذين‭ ‬يلاحقهم‭ ‬الرصاص،‭ ‬ولا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬ينظر‭  ‬إلى‭ ‬المظاهرات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬حماة‭ ‬وغيرها‭. ‬ويشعر‭ ‬بالأسى‭ ‬والأسف‭ ‬الكاذب‭ ‬على‭ ‬موت‭ ‬المتظاهرين‭ ‬السلميين،‭ ‬ولا‭ ‬يدين‭ ‬الطاغية‭ ‬القاتل‭. ‬هذا‭ ‬المثقف‭ ‬الموارب،‭ ‬كان‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬المبررات‭ ‬لوقوفه‭ ‬المتخاذل‭ ‬ضد‭ ‬الثورة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يصرح‭ ‬بذلك‭ ‬علناً،‭ ‬وقد‭ ‬أرعبه‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬إسقاط‭ ‬النظام‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬بالمقابل‭ ‬كان‭ ‬المناخ‭ ‬الشعبي‭ ‬العام‭ ‬مؤيداً‭ ‬للثورة‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬سقوط‭ ‬الشهداء‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬كافياً‭ ‬لاستمرار‭ ‬الثورة‭.‬

-2-

وبفعل‭ ‬العنف‭ ‬الفظيع‭ ‬للنظام‭ ‬وتحول‭ ‬الثورة‭ ‬إلى‭ ‬ثورة‭ ‬مسلحة،‭ ‬انضم‭ ‬إلى‭ ‬الجوقة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬السياسيين‭ ‬القدامى،‭ ‬والجدد‭ ‬الذين‭ ‬نهضوا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬النظام‭ ‬وبرعايته‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأخير،‭ ‬وصرخ‭ ‬الجميع‭: ‬الآن‭ ‬انتهت‭ ‬الثورة‭. ‬والحجة‭ ‬هنا‭: ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬لا‭ ‬يولد‭ ‬إلا‭ ‬العنف،‭ ‬والدم‭ ‬لا‭ ‬يولد‭  ‬إلا‭ ‬الدم،‭  ‬وأن‭ ‬الانتقال‭ ‬السلمي‭ ‬التدريجي‭ ‬هو‭ ‬الأفضل‭ ‬نحو‭ ‬الحرية‭ ‬والديمقراطية‭. ‬وانقسمت‭ ‬رموز‭ ‬المعارضة‭ ‬القديمة‭ ‬المهزومة‭ ‬تاريخياً‭ ‬إلى‭ ‬شظايا‭ ‬متباعدة‭. ‬‮«‬هيئة‭ ‬التنسيق‮»‬‭ ‬رفعت‭ ‬شعار‭ ‬لا‭ ‬للعنف،‭ ‬وارتاحت‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬النظام‭ ‬الخلفية‭. ‬و»المجلس‭ ‬الوطني‮»‬‭ ‬تشكل‭ ‬في‭ ‬استنبول‭ ‬ووضع‭ ‬لنفسه‭ ‬مهمة‭ ‬توفير‭ ‬الدعم‭ ‬للثورة‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬الليبية‭. ‬وباقي‭ ‬المثقفين‭ ‬تناثروا‭ ‬ليعمل‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬فيهم‭ ‬دكاناً‭ ‬يجمع‭ ‬فيه‭ ‬بعض‭ ‬المريدين‭. ‬

-3-

تراجع‭ ‬النقد‭ ‬قليلاً‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الخط‭ ‬البياني‭ ‬للثورة‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الثورة‭. ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الجيش‭ ‬الحر‭ ‬يتقدم‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المناطق‭ ‬والمدن،‭ ‬والأمل‭ ‬بالدعم‭ ‬العربي‭ ‬والدولي،‭ ‬ووجود‭ ‬حاضنة‭ ‬اجتماعية‭ ‬واسعة‭ ‬للثورة،‭ ‬والفرح‭ ‬مرسوم‭ ‬على‭ ‬الوجوه‭ ‬لأن‭ ‬النظام‭ ‬سيسقط‭ ‬قريباً‭!‬‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬دخول‭ ‬مدينة‭ ‬حلب‭ ‬بأشهر‭ ‬قليلة‭ ‬بدأت‭ ‬المراوحة‭ ‬في‭ ‬المكان،‭ ‬وبرزت‭ ‬استحقاقات‭ ‬هامة‭ ‬واجهت‭ ‬الثورة،‭ ‬وكان‭ ‬أهمها‭: ‬أولاً،‭ ‬وجود‭ ‬قيادة‭ ‬سياسية‭ ‬للثورة‭ ‬في‭ ‬الداخل‭. ‬وثانياً،‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬العفوية‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬بموجبها‭ ‬الكتائب‭ ‬المسلحة،‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬جيش‭ ‬وطني‭ ‬ثوري‭ ‬بقيادة‭ ‬عسكرية‭ ‬موحدة‭. ‬وثالثاً،‭ ‬إدارة‭ ‬المناطق‭ ‬المحررة‭. ‬

ولأن‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬الثورة،‭ ‬‮«‬المجلس‭ ‬الوطني،‭ ‬ثم‭ ‬الائتلاف‮»‬،‭ ‬وقادة‭ ‬الكتائب‭ ‬العسكرية‭, ‬والذين‭ ‬احتكروا‭ ‬تمثيلها‭ ‬فشلوا‭ ‬في‭ ‬الاستجابة‭ ‬للاستحقاقات‭ ‬المذكورة،‭ ‬فإن‭ ‬الثورة‭ ‬لم‭ ‬تنتصر‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭. ‬وهذا‭ ‬الفشل‭ ‬أفرز‭ ‬بدوره‭ ‬نتائج‭ ‬كارثية‭ ‬على‭ ‬الثورة‭. ‬أولها‭: ‬الفوضى‭ ‬غير‭ ‬‮«‬الخلاقة‮»‬،‭ ‬واختلاط‭ ‬الحابل‭ ‬بالنابل،‭ ‬الثوري‭ ‬والانتهازي،‭ ‬الجيش‭ ‬الحر‭ ‬واللصوص،‭ ‬وغياب‭ ‬الأمن‭ ‬والآمان‭. ‬وثانيها‭: ‬غياب‭ ‬الجانب‭ ‬المدني‭ ‬والسياسي‭ ‬عن‭ ‬أرض‭ ‬الثورة‭. ‬وثالثها‭: ‬سيطرة‭ ‬التكفيريين‭ ‬على‭ ‬مساحات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬المحررة‭. ‬ورابعها‭: ‬فقدان‭ ‬الجيش‭ ‬الحر‭ ‬لحاضنته‭ ‬الاجتماعية‭. ‬وخامسها‭: ‬فقدان‭ ‬القرار‭ ‬الوطني‭ ‬المستقل‭. ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬تم‭ ‬تشكل‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬‮«‬مستنقع‭ ‬الثورة‮»‬‭.‬

مع‭ ‬تشكل‭ ‬المستنقع‭ ‬الجديد،‭ ‬وانحسار‭ ‬المد‭ ‬الثوري‭, ‬برزت‭ ‬تشكيلات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬النقاد‭ ‬من‭ ‬مثقفين‭ ‬وسياسيين‭ ‬متنوعة‭ ‬المشارب‭ ‬والاتجاهات،‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬هاجروا‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬السوري،‭ ‬ومن‭ ‬المقيمين‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬ليستقروا‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬بقصد‭ ‬حجز‭ ‬مكان‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬قاطرة‭ ‬الثورة‭. ‬وجميعهم‭ ‬يدعون‭ ‬الإنتماء‭ ‬للمعارضة‭ ‬والثورة‭. ‬وقد‭ ‬شكلوا‭ ‬خليطاً‭ ‬عجيباً‭ ‬من‭ ‬انتهازيين‭ ‬وشبيحة‭ ‬سابقين،‭ ‬ومنافقين،‭ ‬ومعتوهين‭ ‬سياسياً‭ ‬وثقافياً،‭ ‬وكذلك‭ ‬مدراء‭ ‬شركات‭ ‬وأصحاب‭ ‬أموال‭. ‬

وتحول‭ ‬الاتجاه‭ ‬من‭ ‬نقد‭ ‬النظام‭ ‬إلى‭ ‬نقد‭ ‬المعارضة‭ ‬والثورة‭ ‬بشكل‭ ‬كامل،‭ ‬وبرز‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬النقد‭ ‬الانتهازي‭ ‬للثورة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الإغاثية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬أفرزتها‭.  ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬التقويم‭ ‬أو‭ ‬الإصلاح،‭ ‬وإنما‭ ‬تشويه‭ ‬صورة‭ ‬الآخر‭ ‬حتى‭ ‬يأخذ‭ ‬مكانه‭. ‬وبدأت‭ ‬تظهر‭ ‬إلى‭ ‬السطح‭ ‬مقولة‭ ‬النظام‭ ‬عندما‭ ‬وصف‭ ‬الثوار‭ ‬كمجموعات‭ ‬إرهابية،‭ ‬ولصوص‭. ‬وأيضا‭ ‬تمّ‭ ‬الترويج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الثورة‭ ‬قد‭ ‬سُرقت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬التكفيريين‭ ‬الذين‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وكذلك‭ ‬سُرقت‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬السياسي،‭ ‬حين‭ ‬فقد‭ ‬الائتلاف‭ ‬القرار‭ ‬الوطني‭ ‬المستقل،‭ ‬والذي‭ ‬أصبح‭ ‬بيد‭ ‬الدول‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭. ‬وبرزت‭ ‬نظريات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬بدون‭ ‬ثوار‮»‬،‭ ‬واستنتاجات‭ ‬مأساوية‭ ‬تلخصها‭ ‬مقولة‭ ‬أن‭ ‬انطلاقة‭ ‬الثورة‭ ‬كانت‭ ‬خطأً‭ ‬كبيراً،‭ ‬لأن‭ ‬المجتمع‭ ‬السوري‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬جاهزاً‭ ‬للثورة‭. ‬وكأن‭ ‬الشعب‭ ‬بحاجة‭ ‬لأن‭ ‬يطلب‭ ‬الإذن‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬ما‭ ‬حتى‭ ‬يُسمح‭ ‬له‭ ‬ببدء‭ ‬ثورته‭ ‬أم‭ ‬لا‭!. ‬

لكن‭ ‬المأساة‭ ‬تتجلى‭ ‬في‭ ‬بروز‭ ‬النقد‭ ‬الذاتي،‭ ‬والذي‭ ‬اختص‭ ‬به‭ ‬أكثرية‭ ‬أعضاء‭ ‬الائتلاف‭ ‬الوطني‭ ‬الذين‭ ‬يدّعون‭ ‬تمثيل‭ ‬المعارضة‭ ‬والثورة‭.  ‬وقد‭ ‬تمحور‭ ‬هذا‭ ‬النقد‭ ‬حول‭:‬

أولاً‭: ‬معزوفة‭ ‬الهزيمة،‭ ‬وكان‭ ‬دائماً‭ ‬يتمّ‭ ‬تحميل‭ ‬المسؤولية‭ ‬للمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يتدخل‭ ‬لوقف‭ ‬الدماء،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعروا‭ ‬بمسؤوليتهم‭ ‬في‭ ‬فشلهم‭ ‬للاستجابة‭ ‬لاستحقاقات‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬وعدم‭ ‬التفكير‭ ‬أصلاً‭ ‬في‭ ‬ضرورتها‭. ‬

‭ ‬وثانياً‭: ‬التباكي‭ ‬الكاذب‭ ‬حول‭ ‬فقدان‭ ‬القرار‭ ‬الوطني‭ ‬المستقل‭. ‬ودون‭ ‬أي‭ ‬خجل‭ ‬وشعور‭ ‬بالمسؤولية،‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬يعترفوا‭ ‬بأنهم‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬وضعوا‭ ‬الثورة‭ ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬والإقليمية‭ ‬لتسييرها‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬المناسبة‭ ‬لإفشالها‭.‬

وثالثاً‭: ‬نقد‭ ‬الائتلاف‭ ‬لذاته‭ ‬لأنه‭ ‬فشل‭ ‬كقائد‭ ‬فعلي‭ ‬للثورة‭. ‬والجميع‭ ‬في‭ ‬الائتلاف‭ ‬متفقون‭ ‬على‭ ‬ذلك‭. ‬وهو‭ ‬اعتراف‭ ‬يشكل‭ ‬مقدمة‭ ‬هامة‭ ‬للإصلاح‭. ‬لكن‭ ‬الجميع‭ ‬يرفض‭ ‬تحمل‭ ‬المسؤولية،‭ ‬وكل‭ ‬مجموعة،‭ ‬وكل‭ ‬عضو‭ ‬يتهم‭ ‬الآخر‭ ‬بأنه‭ ‬هو‭ ‬المسؤول‭. ‬الكل‭ ‬يتهم‭ ‬الكل‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬المتهم‭ ‬الدائم‭ ‬وهو‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬والإقليمي‭. ‬ومعيار‭ ‬الاتهام‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬تناسب‭ ‬الآخر‭ ‬مع‭ ‬الشخص‭ ‬الناقد‭ ‬ومصلحته‭ ‬الشخصية‭ ‬وداعميه‭. ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬أن‭ ‬أحدهم‭ ‬صرح‭ ‬علناً‭ -‬بعد‭ ‬نتائج‭ ‬الانتخابات‭ ‬الأخيرة‭ ‬داخل‭ ‬الائتلاف،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تعجبه،‭ ‬ولم‭ ‬تأتِ‭ ‬على‭ ‬مقاسه‭- ‬بأن‭ ‬‮«‬غالبية‭ ‬أعضاء‭ ‬الائتلاف‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لهم‭ ‬بالثورة،‭ ‬لا‭ ‬بفكرها‭ ‬ولا‭ ‬بنشوئها‭. ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬مصالحهم‭ ‬وأرزاقهم‭ ‬وعن‭ ‬ترضية‭ ‬السلطة‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬البعثية‮»‬‭. ‬ويبشر‭ ‬الشعب‭ ‬بالخطر‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬ثورةٌ‭ ‬خلال‭ ‬أشهر‭ ‬قليلة،‭ ‬إذا‭ ‬واصلنا‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬اعتُمد‭ ‬في‭ ‬الائتلاف‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الماضي‮»‬‭. ‬وهذه‭ ‬صفة‭ ‬مشتركة‭ ‬للأغلبية‭ ‬الساحقة‭ ‬لأعضاء‭ ‬الائتلاف،‭ ‬المنشغلين‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬الوهمية،‭ ‬واستمرار‭ ‬التسلط‭ ‬و«التعيّش‮»‬‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الثورة‭ ‬وباسمها،‭ ‬وفق‭ ‬ديمقراطية‭ ‬‮«‬المكونات‮»‬‭ ‬‮«‬السيئة‭ ‬الصيت‮»‬‭.‬

وبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬مدخلاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬لإعادة‭ ‬البناء‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وتصحيح‭ ‬دائم‭ ‬للمسار،‭ ‬نجده‭ ‬يهدم‭ ‬ويشوه‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬بناؤه،‭ ‬ويُبرز‭ ‬المصلحة‭ ‬الشخصية‭ ‬أو‭ ‬الفئوية‭ ‬كبديل‭ ‬عن‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭. ‬إنها‭ ‬محاولة‭ ‬للتعمية،‭ ‬والتهرّب‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬ومواجهة‭ ‬فشلهم،‭ ‬والاعتراف‭ ‬الحقيقي‭ ‬بأسباب‭ ‬هذا‭ ‬الفشل،‭ ‬وبالتالي‭ ‬الاستهانة‭ ‬بعقول‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬الائتلاف‭ ‬برأيهم‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬المأساة‭. ‬وعندما‭ ‬يتحول‭ ‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬إلى‭ ‬النقد‭ ‬الأعور‭ ‬تكتمل‭ ‬أركان‭ ‬المأساة‭ ‬التي‭ ‬تجثم‭ ‬ككابوس‭ ‬فوق‭ ‬صدور‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭.‬

أيّ‭ ‬بؤسٍ‭ ‬وبلاءٍ‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬ابتُليت‭ ‬به‭ ‬الثورة‭ ‬السورية‭!! ‬

-4-

الثورة‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تفشل‭. ‬هي‭ ‬ثورة‭ ‬مستمرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يسقط‭ ‬الطاغية،‭ ‬وكافة‭ ‬أشكال‭ ‬الاستبداد‭ ‬القديمة‭ ‬والجديدة‭. ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬الطاغية‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬الشعب‭ ‬إلى‭ ‬حظيرة‭ ‬الطاعة‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬إنها‭ ‬ثورة‭ ‬دائمة،‭ ‬مازال‭ ‬يحمل‭ ‬لواءها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الكتائب‭ ‬المسلحة‭ ‬الثورية،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تختلط‭ ‬باللصوص‭ ‬والانتهازيين،‭ ‬وإن‭ ‬يكن‭ ‬صوتهم‭ ‬أصبح‭ ‬خافتاً‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭. ‬ومجموعات‭ ‬سياسية‭ ‬جديدة‭ ‬ستبرز‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬المخاض‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬تمر‭ ‬به‭ ‬الثورة،‭ ‬والتي‭ ‬سيفرزها‭ ‬النقد‭ ‬الشعبيّ‭ ‬الحقيقيّ‭ ‬والنابع‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬السوريين‭ ‬المشردين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬والنازحين‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يجدون‭ ‬قطرة‭ ‬ماء،‭ ‬والمنسيين‭ ‬في‭ ‬السجون‭. ‬وستلفظ‭ ‬صيرورة‭ ‬الثورة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تسلط‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬تكفيريين‭ ‬وأشباههم‭ ‬إلى‭ ‬مزبلة‭ ‬التاريخ‭, ‬وستنتج‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬صفحتها‭ ‬المشرقة‭ ‬رغماً‭ ‬عن‭ ‬الجميع‭.‬

إن‭ ‬من‭ ‬يبشر‭ ‬بانتهاء‭ ‬الثورة‭ -‬مع‭ ‬حسن‭ ‬النوايا‭- ‬لا‭ ‬يمتد‭ ‬نظره‭ ‬لأبعد‭ ‬من‭ ‬أنفه‭. ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬إلا‭ ‬ذاته‭ ‬الفاشلة‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الثورة‭ ‬وفق‭ ‬مزاجه‭ ‬الضيق‭ ‬والمهزوم‭. ‬فالثورة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬فرد‭ ‬مهما‭ ‬كان‭.     

والثورة‭ ‬ليست‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬سحرية،‭ ‬أو‭ ‬شعارات‭ ‬خطابية‭ ‬لا‭ ‬فائدة‭ ‬منها‭. ‬الثورة‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬نهضة‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬شباب‭ ‬الثورة،‭ ‬فحواها‭ ‬العمل‭ ‬الفعلي‭ ‬للإجابة‭ ‬على‭ ‬أسئلة‭ ‬الثورة،‭ ‬ولماذا‭ ‬لم‭ ‬تنتصر‭ ‬الثورة‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬وقراءة‭ ‬حقيقية‭ ‬للواقع‭ ‬الراهن،‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬الانطلاقة‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

حنطة36 حنطة37

برومو الشهيد ناجي الجرف