خميرة

أغنية

قصة: وجيهة عبد الرحمن

كانت‭ ‬كلّما‭ ‬سارت‭ ‬خطوة‭ ‬باتجاه‭ ‬فجرها،‭ ‬يُسمعها‭ ‬أغنيته‭ ‬المسحورة‭ ‬بندى‭ ‬فجرها‭. ‬فكان‭ ‬كتلك‭ ‬الحوريّة‭ ‬التي‭ ‬تُسمعك‭ ‬أجمل‭ ‬أنغامها‭ ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬محارتها‭. ‬تندفع‭ ‬إليها،‭ ‬وما‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬أسوار‭ ‬اللاّعودة‭ ‬تجد‭ ‬نفسك‭ ‬محاطاً‭ ‬بشباك‭ ‬عنكبوتيّة‭ ‬لا‭ ‬مفرّ‭ ‬منها،‭ ‬تقول‭ ‬له‭:‬

دعني‭ ‬وشأني‭…‬

دعني‭ ‬أمضي‭… ‬تلك‭ ‬الإجابة‭ ‬الدائمة‭…‬

لا‭ ‬كيف‭ ‬لي‭ ‬العيش‭ ‬بدونك؟

تُكبّلها‭ ‬قيود‭ ‬كلماته‭… ‬استجداءاته‭… ‬تنظر‭ ‬إليه‭ ‬بعمق‭…‬

لكنني‭ ‬هناك،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬حيث‭ ‬الشَّمس‭.‬

تقول‭ ‬هذا،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تتركه‭ ‬غارقاً‭ ‬في‭ ‬نشوة‭ ‬نصرهِ‭ ‬عليها‭ ‬هذه‭ ‬المرّة‭ ‬أيضاً‭. ‬

تدخل‭ ‬غرفتها‭ ‬تعبةٌ‭ ‬كلُّ‭ ‬خليّة‭ ‬في‭ ‬جسدها‭ ‬التّعب‭….‬

تستلقي‭ ‬على‭ ‬سريرها،‭ ‬تحاول‭ ‬الاسترخاء،‭ ‬كلماته‭ ‬انسلت‭ ‬إليها‭ ‬كمخدّر‭ ‬قويّ‭.. ‬أصابها‭ ‬الشلل،‭ ‬يتمكّن‭ ‬النّوم‭ ‬منها،‭ ‬فتنام‭ ‬دونما‭ ‬قرار‭.‬

كانت‭ ‬تحاول‭ ‬إيجاد‭ ‬حلٍّ،‭ ‬فلم‭ ‬تجد‭ ‬غير‭ ‬سريرها‭ ‬يمتصّ‭ ‬منها‭ ‬التّعب‭.. ‬لكنّه‭ ‬تآمر‭ ‬عليها،‭ ‬فنامت‭ ‬بعمق‭ ‬دونما‭ ‬حركة،‭ ‬دونما‭ ‬أرق‭….‬

في‭ ‬الصّباح‭ ‬لم‭ ‬تستيقظ‭ ‬مبكّرةً‭ ‬كعادتها،‭ ‬تسلّل‭ ‬الكسل‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬نأمةٍ‭ ‬في‭ ‬جسدها،‭ ‬انتظرها‭ ‬على‭ ‬الإفطار،‭ ‬تأخرت‭..‬

تململ‭ ‬قليلاً،‭ ‬تأفّف‭ ‬من‭ ‬كسلها،‭ ‬نهض‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬ملأ‭ ‬كأس‭ ‬الشّاي‭.. ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬غرفتها،‭ ‬للحظة‭ ‬لم‭ ‬يجدها‭ ‬في‭ ‬سريرها‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬بمواجهة‭ ‬الباب‭..‬

هيئته‭ ‬تدلّ‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬أحداً‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬نائما‭ ‬عليه،‭ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬امتصّه‭ ‬الهواء،‭ ‬أين‭ ‬هو‭ ‬الآن‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬نائماً‭…..‬

انقضت‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬اندفع‭ ‬بقوّة‭, ‬ليبحث‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬الغرفة،لم‭ ‬يُطل‭ ‬التفتيش،‭ ‬وجدها‭ ‬مرتمية‭ ‬على‭ ‬وجهها‭ ‬في‭ ‬الطّرف‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬السّرير،‭ ‬غارقةً‭ ‬في‭ ‬الزّبد‭ ‬والعرق‭.. ‬حملها‭ ‬بين‭ ‬يديه،‭ ‬احتضنها‭ ‬أبعدها‭ ‬عن‭ ‬حضنه،‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭ ‬ترتعش‭ ‬شفتاه،‭ ‬يناديها،‭ ‬يستجديها‭ ‬أن‭ ‬تردّ‭ ‬عليه،‭ ‬انهال‭ ‬بكفّيه‭ ‬على‭ ‬خديها‭ ‬الشّاحبتين‭ ‬ليوقظها‭ ‬من‭ ‬سباتها،‭ ‬عبثاً‭ ‬ارتسمت‭ ‬آثار‭ ‬أصابعه‭ ‬على‭ ‬صفحة‭ ‬القمر‭ ‬الذي‭ ‬سكن‭ ‬وجهها‭….‬

رفعها‭   ‬إلى‭ ‬السّرير،‭ ‬جثّة‭ ‬باردة،‭ ‬برودة‭ ‬ذرّات‭ ‬التراب‭ ‬في‭ ‬نيسان‭ ‬لم‭ ‬يغادره‭ ‬المطر‭..‬

قشعريرة‭ ‬نصبتْ‭ ‬لحواسه‭ ‬الشَّرك،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬فقد‭ ‬الاتجاه‭….‬

هل‭ ‬يستلقي‭ ‬بجانبها‭..‬أم‭ ‬يسعفها‭…‬؟

بدا‭ ‬منتمياً‭ ‬لمجموعة‭ ‬الدلافين‭ ‬التي‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬مات‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬مجموعتها،‭ ‬يبقى‭ ‬الآخرون‭ ‬معه‭ ‬حتى‭ ‬يبدأ‭ ‬الغرق‭..‬

وبصمت‭ ‬استحضر‭ ‬شيئاً‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬دفين‭ ‬ذاكرته‭ ‬القصيرة‭ ‬المدى‭.‬

ينظر‭ ‬إليها‭ ‬نبتة‭ ‬هلكها‭ ‬العطش‭.. ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬لمحادثتها‭…‬

تذكّر‭ ‬عينيها‭ ‬البحريتين،‭ ‬قاعهما‭ ‬أعمق‭.. ‬لونهما،‭ ‬ذلك‭ ‬الخطّ‭ ‬الوهمي‭ ‬الذي‭ ‬يفصل‭ ‬البحر‭ ‬عن‭ ‬سماء‭ ‬الملائكة‭..‬

همس‭:‬

إنّهما‭ ‬عينيها‭… ‬ذلك‭ ‬البحر‭.. ‬البحر‭ ‬يفعل‭ ‬ما‭ ‬يريد‭.‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬يعلم‭ ‬بأنّ‭ ‬على‭ ‬المرء‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مستعدّاً‭ ‬لكلّ‭ ‬طارئ‭. ‬

مسح‭ ‬عرقها‭.. ‬لثم‭ ‬جبينها،‭ ‬شعر‭ ‬بطعم‭ ‬الملح‭ ‬يتسرّب‭ ‬إلى‭ ‬شفتيه،‭ ‬نظر‭ ‬إليها‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الكلام،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ثمّة‭ ‬داعٍ‭ ‬للكلام‭ ‬إذ‭ ‬عجزت‭ ‬كلماته‭ ‬عن‭ ‬الحضور‭.‬

ففكّر‭ ‬كيف‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يغلق‭ ‬دفتي‭ ‬ذلك‭ ‬الكتاب،‭ ‬نظر‭ ‬حوله

يتمتم‭: ‬هذا‭ ‬المنزل‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬سرير،‭ ‬أم‭ ‬جدار،‭ ‬أم‭ ‬حيث‭ ‬تقيم‭ ‬هي‭… ‬أم‭ ‬ماذا‭..‬؟

عليه‭ ‬أن‭ ‬يواجه‭ ‬تبعات‭ ‬تلك‭ ‬الحقيقة‭ ‬غير‭ ‬مقتنع‭ ‬بها،‭ ‬فقد‭ ‬باتت‭ ‬على‭ ‬شفير‭ ‬هاوية‭ ‬تلك‭ ‬الرّوح‭ ‬التّواقة‭ ‬للنّور‭..‬

وبخطوات‭ ‬خجولة‭ ‬توجه‭ ‬إلى‭ ‬الهاتف،‭ ‬وضغط‭ ‬بأصابعه‭ ‬الكسلى‭ ‬على‭ ‬الأرقام‭… ‬يطلب‭ ‬مجيء‭ ‬الطبيب‭…‬

كان‭ ‬لابدّ‭ ‬من‭ ‬الاستسلام‭.. ‬فليس‭ ‬من‭ ‬حاجة‭ ‬للإكثار‭ ‬من‭ ‬أكل‭ ‬السّكر‭ ‬في‭ ‬الأوقات‭ ‬السّيئة،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أكل‭ ‬السّكر،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الموتى‭ ‬أو‭ ‬العيش‭ ‬معهم،‭ ‬وهي‭ ‬كما‭ ‬تبدو‭ ‬تتنفس‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬ميت‭. ‬

عليه‭ ‬أن‭ ‬يستسلم،‭ ‬ليجعل‭ ‬الأمور‭ ‬تبدو‭ ‬كفكرة‭ ‬نبيلة‭ ‬من‭ ‬صنعه‭..‬

عليه‭ ‬أن‭ ‬يعتقها‭…‬أن‭ ‬يفكّ‭ ‬أسرها،‭ ‬ويطلق‭ ‬جناحيها‭ ‬للطيران‭..‬

إذ‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الطّيور‭ ‬لا‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬القفص‭.‬

حنطة42

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف