خميرة

الرواية السورية والهزات الارتدادية

د‭. ‬سوسن‭ ‬جميل‭ ‬حسن

أظن‭ ‬أنه‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬المعروف‭ ‬بعد‭ ‬قراءة‭ ‬التاريخ‭ ‬والاطلاع‭ ‬على‭ ‬تجارب‭ ‬الشعوب،‭ ‬أن‭ ‬للأدب‭ ‬دوراً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬الجماهير‭ ‬إلى‭ ‬الثورة‭ ‬على‭ ‬واقعهم،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفالها‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬بالحالة‭ ‬المعيشية‭ ‬للناس،‭ ‬وبمدى‭ ‬توفر‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬يطمحون‭ ‬إليها‭ ‬لتحقق‭ ‬لهم‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬تضمن‭ ‬لهم‭ ‬إنسانيتهم،‭ ‬فالأدب‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬يشتغل‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي،‭ ‬وإدراك‭ ‬الشعوب‭ ‬لذاتها‭ ‬وبالتالي‭ ‬يدفع‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬التمرد‭ ‬على‭ ‬واقعها‭ ‬لأجل‭ ‬واقع‭ ‬بديل‭ ‬أكثر‭ ‬رحمة‭ ‬بإنسانيتهم‭.‬

في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬فن‭ ‬الرواية‮»‬‭ ‬يقول‭ ‬كولن‭ ‬ويلسون‭: ‬تأثير‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الأوروبي‭ ‬فاق‭ ‬تأثير‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬الأخرى‭. ‬ويقول‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬في‭ ‬مقالة‭ ‬‮«‬أدب‭ ‬الثورة‭ ‬وثورة‭ ‬الأدب‮»‬‭ ‬المنشورة‭ ‬عام‭ ‬1954‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬الجمهورية‭: (‬الأدب‭ ‬يثور‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تثور‭ ‬السياسة‭). ‬في‭ ‬هاتين‭ ‬المقولتين‭ ‬ما‭ ‬يدلّ‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬يلعبه‭ ‬الأدب،‭ ‬والرواية‭ ‬تحديداً‭ ‬لما‭ ‬تتسم‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬العلوم‭ ‬والفنون‭ ‬بأنواعها‭ ‬المختلفة‭ ‬والتشابك‭ ‬معها،‭ ‬في‭ ‬التغيير‭ ‬المجتمعي‭ ‬وفي‭ ‬تاريخ‭ ‬الشعوب‭. ‬والتاريخ‭ ‬المعاصر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬زلنا‭ ‬بين‭ ‬فصوله‭ ‬التي‭ ‬تُدوّن‭ ‬يمدّنا‭ ‬بالشواهد‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُحصى‭ ‬عمّا‭ ‬يلاقيه‭ ‬الأدباء‭ ‬والروائيون‭ ‬من‭ ‬ملاحقة‭ ‬وتضييق‭ ‬الخناق‭ ‬على‭ ‬إنتاجهم‭ ‬الأدبي‭ ‬وعلى‭ ‬حياتهم‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬السلاطين‭ ‬بكل‭ ‬أشكالهم،‭ ‬فكم‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬منعت‭ ‬من‭ ‬التداول،‭ ‬وكم‭ ‬سحب‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬المكتبات،‭ ‬وكم‭ ‬منع‭ ‬بعضها‭ ‬من‭ ‬الصدور‭ ‬والنشر‭ ‬بسبب‭ ‬الرقيب،‭ ‬وكم‭ ‬كُفّر‭ ‬أدباء‭ ‬وهدرت‭ ‬دماؤهم‭ ‬بسبب‭ ‬عمل‭ ‬روائي‭ ‬يفضح‭ ‬المسكوت‭ ‬عنه،‭ ‬أو‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬الرموز‭ ‬بقدسيتها‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬دنيوية‭ ‬أو‭ ‬دينية؟‭ ‬

النتاج‭ ‬البشري‭ ‬الثقافي‭ ‬هو‭ ‬توق‭ ‬الشعوب‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬أفضل،‭ ‬ففي‭ ‬الحقبة‭ ‬الماضية‭ ‬جرى‭ ‬توسع‭ ‬هائل‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬عدم‭ ‬المساواة‭ ‬المادية،‭ ‬وتفاقم‭ ‬القمع‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬الذات‭. ‬وهو‭ ‬ثورة‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬الخيال‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬وما‭ ‬النتاج‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬الثورات‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة‭ ‬سوى‭ ‬طريق‭ ‬مهّد‭ ‬لإدراك‭ ‬الشعوب‭ ‬لذاتها‭ ‬ووعيها‭ ‬بضرورات‭ ‬التغيير‭ ‬والانتقال‭ ‬إلى‭ ‬حيّز‭ ‬أرحب‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬الشروط‭ ‬الإنسانية‭ ‬لعيشها‭. ‬ولا‭ ‬زال‭ ‬الطريق‭ ‬مفتوحاً‭ ‬أمام‭ ‬الأدب،‭ ‬مفتوحاً‭ ‬على‭ ‬نهايات‭ ‬تتناسل‭ ‬من‭ ‬بعضها،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬أدباً‭ ‬يكرر‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬قوالب‭ ‬الماضي،‭ ‬وأخمّن‭ ‬أن‭ ‬زمن‭ ‬التابوات‭ ‬قد‭ ‬ولّى‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬تعدد‭ ‬الطغاة،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬تزاوج‭ ‬التسلط‭ ‬الديني‭ ‬بالسياسي،‭ ‬لن‭ ‬يضطر‭ ‬الروائي‭ ‬كثيراً‭ ‬إلى‭ ‬الإسقاطات‭ ‬والمواربة‭ ‬والترميز،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬مغرماً‭ ‬حدّ‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التشبث‭ ‬بقصص‭ ‬الماضي‭ ‬وإعادة‭ ‬إحياء‭ ‬حكايات‭ ‬التاريخ‭ ‬وإظهارها‭ ‬للشمس‭ ‬موارباً‭ ‬مقص‭ ‬الرقيب‭ ‬أو‭ ‬تهديد‭ ‬الأنظمة‭ ‬وملاحقته،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬مردداً‭ ‬لصدى‭ ‬الواقع‭ ‬الراهن،‭ ‬سيكون‭ ‬أدباً‭ ‬يتخلّق‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬الأحداث،‭ ‬يكبر‭ ‬ويتأمل‭ ‬ويشكل‭ ‬منظومة‭ ‬مفاهيمه‭ ‬ولغته‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬والتحولات‭ ‬التي‭ ‬تطرأ‭ ‬على‭ ‬الأوطان‭.‬

في‭ ‬سورية‭ ‬بدأت‭ ‬إرهاصات‭ ‬رواية‭ ‬الثورة‭ ‬بداية‭ ‬واعدة‭ ‬إذا‭ ‬نظرنا‭ ‬لعدد‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬صدرت،‭ ‬فكل‭ ‬حين‭ ‬تطالعنا‭ ‬الصحف‭ ‬بأسماء‭ ‬أعمال‭ ‬روائية‭ ‬جديدة‭ ‬كتبت‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬الموت‭ ‬وضجيج‭ ‬أدواته،‭ ‬روايات‭ ‬تعايش‭ ‬التاريخ‭ ‬وتعيش‭ ‬لحظاته‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬حملت‭ ‬وتحمل،‭ ‬تواكب‭ ‬الواقع‭ ‬وتعيش‭ ‬ذهوله‭ ‬ودهشته‭.‬

بقراءة‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬سوف‭ ‬نلمس‭ ‬انشغالها‭ ‬بالزلزال‭ ‬السوري،‭ ‬سوف‭ ‬نشعر‭ ‬بالنبض‭ ‬السوري‭ ‬بحدته‭ ‬وغضبه‭ ‬ووجعه‭ ‬وأنينه‭. ‬كتّاب‭ ‬رسموا‭ ‬بكلماتهم‭ ‬انعكاس‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬الذي‭ ‬يتحقق‭ ‬كما‭ ‬عاشوه‭ ‬وكما‭ ‬يردد‭ ‬رجعه‭ ‬في‭ ‬دواخلهم،‭ ‬وآخرون‭ ‬رسموا‭ ‬المشاهد‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬كاميرا‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬ناشط،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الكاميرات‭ ‬التي‭ ‬رصدت‭ ‬للمشهد‭ ‬السوري‭ ‬كانت‭ ‬أبرع‭ ‬وأكثر‭ ‬براغماتية،‭ ‬وكتاب‭ ‬شكّلوا‭ ‬عالماً‭ ‬موازياً‭ ‬يمور‭ ‬فضاؤه‭ ‬بالوجع‭ ‬والخيبة‭ ‬والرفض،‭ ‬وملؤوه‭ ‬بالضحايا‭ ‬والقتلة‭ ‬والمخذولين‭ ‬والحائرين‭ ‬والذاهبين‭ ‬في‭ ‬دروب‭ ‬التيه،‭ ‬وبعضهم‭ ‬حمّل‭ ‬شخصياته‭ ‬الأفكار‭ ‬المتصارعة‭ ‬أو‭ ‬المتحاورة‭ ‬أو‭ ‬المتصادية‭ ‬ليقول‭ ‬قولته‭. ‬أما‭ ‬جميع‭ ‬تلك‭ ‬الروايات‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬مشغولة‭ ‬بالهم‭ ‬السوري،‭ ‬تعيد‭ ‬الأسئلة‭ ‬القديمة،‭ ‬وتطرح‭ ‬أسئلتها‭ ‬الجديدة‭. ‬أسئلة‭ ‬يفرضها‭ ‬الراهن‭ ‬السوري‭ ‬وما‭ ‬يكشف‭ ‬ويعرّي‭ ‬من‭ ‬مشاكلنا‭ ‬وأمراضنا‭ ‬المزمنة‭ ‬التي‭ ‬تعايشنا‭ ‬معها‭ ‬متوهمين‭ ‬السلامة،‭ ‬فإذا‭ ‬بالحرب‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬سورية‭ ‬والتي‭ ‬تفوق‭ ‬الحروب‭ ‬التقليدية‭ ‬بشراستها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬دمار‭ ‬الأوطان‭ ‬والمجتمعات،‭ ‬تصدمنا‭ ‬بحقيقتنا‭ ‬التي‭ ‬واربناها‭ ‬عقوداً‭ ‬طويلة‭. ‬أسئلة‭ ‬الهوية،‭ ‬الانتماء،‭ ‬الوطن،‭ ‬المواطنة،‭ ‬إدارة‭ ‬الحياة‭ ‬الجمعية،‭ ‬الدين‭ ‬ووظيفته،‭ ‬الطائفية،‭ ‬العنف،‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬يرنو‭ ‬الشعب‭ ‬نحوها‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬وعدالة‭ ‬اجتماعية‭ ‬وتكافؤ‭ ‬فرص‭ ‬وديموقراطية،‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬والأخلاق،‭ ‬حتى‭ ‬الثورة‭ ‬كمفهوم‭ ‬وكتطبيق‭ ‬صارت‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬الهامة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الرواية‭ ‬وتشغلها‭.‬

لا‭ ‬زال‭ ‬الوقت‭ ‬باكراً‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحصاد،‭ ‬فالأحداث‭ ‬أكبر‭ ‬وتطورها‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬استيعابه،‭ ‬إنما‭ ‬برغم‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للأدب‭ ‬أن‭ ‬ينتظر‭ ‬فهو‭ ‬يعيش‭ ‬الهزات‭ ‬الارتدادية‭ ‬والتصدعات‭ ‬التي‭ ‬أحدثها‭ ‬الزلزال‭ ‬في‭ ‬البنيان‭ ‬المجتمعي‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬الشخصية‭ ‬الفردية‭ ‬للمواطن‭ ‬السوري،‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬شواغله‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حقبة،‭ ‬وستكون‭ ‬له‭ ‬حلّته‭ ‬أيضاً،‭ ‬وستكون‭ ‬له‭ ‬ثورته‭ ‬الغير‭ ‬منظورة،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ينبثق‭ ‬أدب‭ ‬جديد،‭ ‬كما‭ ‬ستكون‭ ‬هناك‭ ‬ثقافة‭ ‬بديلة‭ ‬ستنبثق‭ ‬من‭ ‬القاع،‭ ‬من‭ ‬القاعدة،‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬تئن‭ ‬تحت‭ ‬ركامها‭ ‬وتنزف‭ ‬من‭ ‬شرايين‭ ‬أبنائها،‭ ‬وتباع‭ ‬وتشرى‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬تجار‭ ‬الحروب‭ ‬وسماسرتها،‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يموتوا‭ ‬هم‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬سينهضون‭ ‬بالثقافة‭ ‬البديلة‭ ‬التي‭ ‬ستحمل‭ ‬طاقات‭ ‬الحياة‭ ‬وإبداعاتها‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬الدمار‭ ‬ومن‭ ‬مرارة‭ ‬التجربة،‭ ‬وهم‭ ‬من‭ ‬سيشكلون‭ ‬الأدب‭ ‬بحلته‭ ‬الجديدة،‭ ‬والفنون‭ ‬كلها‭ ‬أيضاً‭.‬

حنطة43

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف