خميرة

وحده الحلم يعيدك إلى الجادة

وعد عبد الوهاب

بعد‭ ‬ليل‭ ‬امتد‭ ‬طويلاً‭.. ‬ليل‭ ‬افتقد‭ ‬السكينة‭ ‬والكهرباء‭ ‬معاً‭.. ‬تحملك‭ ‬أقدامك،‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المدينة‭ ‬الكبيرة،‭ ‬مدينة‭ ‬حلب‭ ‬الأثيرة‭ ‬على‭ ‬نفسك‭ ‬ووجدانك‭.. ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تصرُّ،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬معاناتها‭ ‬ومعاناتك،‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬فيها،‭ ‬ملتصقاً‭ ‬بأماكنها‭ ‬وأوقاتها‭..!‬

‭ ‬هاأنتذا،‭ ‬الآن،‭ ‬تمضي‭ ‬في‭ ‬مشوارك،‭ ‬تمضي‭ ‬رغم‭ ‬ضجيج‭ ‬الزيف‭ ‬والخوف،‭ ‬ساهماً‭ ‬في‭ ‬فراغ‭ ‬الشوارع‭ ‬وكآبتها‭.. ‬تمضي‭ ‬مستجيباً‭ ‬لذلك‭ ‬الهمس‭ ‬الخفي‭ ‬الذي‭ ‬أتاك‭ ‬متعاطفاً‭.. ‬راغباً‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجلو‭ ‬همَّ‭ ‬نفسك‭.. ‬يواسيها،‭ ‬يقول‭ ‬لك‭ ‬بمودة‭: ‬

‭(‬اذهب،‭ ‬ولتمعن‭ ‬إلى‭ ‬الأرصفة،‭ ‬الأشجار،‭ ‬واجهات‭ ‬الأبنية،‭ ‬المحلات‭.. ‬امض،‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تحظى‭ ‬بإلف‭ ‬عزيز‭.. ‬بذكرى‭ ‬ما‭.. ‬فلعلك،‭ ‬عندئذ،‭ ‬تخفف‭ ‬عن‭ ‬الروح‭ ‬بعض‭ ‬أوجاعها‭..!).‬

وتمضي‭.. ‬فترى‭ ‬الشوارع‭ ‬تئن‭ ‬تحت‭ ‬ثقل‭ ‬الحواجز‭.. ‬حواجز‭ ‬الأسمنت‭ ‬الصماء،‭ ‬وما‭ ‬يماثلها‭ ‬مما‭ ‬يشوِّه‭ ‬بصمته‭ ‬وصدِّه‭ ‬معالم‭ ‬الأشياء‭ ‬والناس‭.. ‬يبعد‭ ‬عن‭ ‬أشياء‭ ‬المدينة‭ ‬رقتها‭ ‬التي‭ ‬كانت‭.. ‬أسوار‭ ‬الحدائق‭ ‬تفتقد،‭ ‬هي‭ ‬الأخرى،‭ ‬زهو‭ ‬خضرتها‭ ‬وأزهارها،‭ ‬كثافة‭ ‬اللافتات‭ ‬وتزاحمها‭ ‬تغطي‭ ‬بياض‭ ‬الياسمين‭.. ‬تمتص‭ ‬عطره‭.. ‬لافتات،‭ ‬عليها‭ ‬بصمة‭ ‬العسس،‭ ‬تتكاثر‭ ‬كفطر‭ ‬سام‭.. ‬صور‭ ‬شعارات،‭ ‬تثير‭ ‬غثيان‭ ‬النفس‭.. ‬أصوات‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬تصرخ‭ ‬في‭ ‬أذنيك‭..‬‭ ‬ينبو‭ ‬عنها‭ ‬السمع‭ ‬من‭ ‬قرف‭ ‬واشمئزاز‭.. ‬تغصُّ‭ ‬في‭ ‬امتعاضك،‭ ‬تزكم‭ ‬أنفك‭ ‬روائح‭ ‬جند‭ ‬ليسوا‭ ‬كالجند‭.. ‬يتشبهون‭ ‬بهم‭.. ‬تمعن‭ ‬إلى‭ ‬أشكالهم‭.. ‬إنهم‭ ‬لا‭ ‬يمتون‭ ‬إلى‭ ‬الجند‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬أبداً‭.. ‬ليس‭ ‬لهم‭ ‬أيُّ‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الطهر‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬وظيفتهم‭ ‬التاريخية‭ ‬ومن‭ ‬محتواها‭..! ‬تشيح،‭ ‬من‭ ‬ضيق،‭ ‬عن‭ ‬سحناتهم‭.. ‬ينتابك‭ ‬شكّ‭ ‬في‭ ‬أصل‭ ‬خلقهم‭ ‬وتكوينهم‭.. ‬وكأنَّ‭ ‬الله،‭ ‬جل‭ ‬شأنه،‭ ‬قد‭ ‬استثناهم‭ ‬من‭ ‬ألوان‭ ‬البشر‭ ‬فليس‭ ‬لهم‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬النبالة‭ ‬أو‭ ‬الشهامة‭ ‬التي‭ ‬يودعها،‭ ‬عادة،‭ ‬نفوس‭ ‬أمثالهم‭ ‬درءاً‭ ‬للشر،‭ ‬وأملاً‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الناس‭ ‬وهدوء‭ ‬حياتهم‭.. ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يسوءك،‭ ‬وأنت‭ ‬تمعن‭ ‬إليهم،‭ ‬أنك‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬قانوناً‭ ‬أو‭ ‬عرفاً‭ ‬ما‭ ‬يحكم‭ ‬سلوكهم،‭ ‬أو‭ ‬يلجم‭ ‬تصرفاتهم‭ ‬وارتكاباتهم‭.‬

‭ ‬تحدثك‭ ‬نفسك،‭ ‬بأن‭ ‬تلك‭ ‬السحن‭ ‬لم‭ ‬يؤت‭ ‬بها‭ ‬أصلاً‭ ‬إلا‭ ‬لغرض‭ ‬التطاول‭ ‬على‭ ‬الكرامة‭ ‬والحريات،‭ ‬وعلى‭ ‬أمن‭ ‬الناس‭ ‬وحركة‭ ‬الحياة‭.. ‬تتابع‭ ‬المسير‭.. ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬جرعة‭ ‬هواء‭ ‬نقي‭ ‬يفتح‭ ‬الصدر‭.. ‬صوت‭ ‬انفجار‭ ‬شديد‭ ‬يباغتك‭ ‬بولاويل‭ ‬مشؤومة،‭ ‬تقدِّر‭ ‬أنه‭ ‬قادم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أحياء‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بحزام‭ ‬الفقر‭ ‬الذي‭ ‬يسوِّر‭ ‬المدينة‭.. ‬فتلك‭ ‬الأحياء‭ ‬اعتادت‭ ‬عويل‭ ‬الآلات‭ ‬المجنونة،‭ ‬ونتاج‭ ‬غضبها‭ ‬وأحقادها‭.. ‬أصوات‭ ‬أخرى‭ ‬لارتدادات‭ ‬تتالى‭ ‬إثر‭ ‬ذلك‭ ‬الدوي‭ ‬الهائل،‭ ‬لا‭ ‬تخمِّن‭ ‬مدى‭ ‬دقة‭ ‬تدميرها‭.. ‬تتمتم‭ ‬بينك‭ ‬وبين‭ ‬نفسك‭: ‬الله‭ ‬يستر‭..! ‬

إشارة‭ ‬على‭ ‬جوالك‭.. ‬تفتح‭ ‬الرسالة‭ ‬وتقرأ‭ ‬في‭ ‬الخبر‭ ‬العاجل‭: ‬

انهيار‭ ‬عدة‭ ‬أبنية‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬بستان‭ ‬القصر،‭ ‬تنجم‭ ‬عن‭ ‬سقوط‭ ‬ثلاثة‭ ‬براميل‭ ‬متفجرة‭.. ‬الخبر‭ ‬يدعو‭ ‬الشباب‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬لديه‭ ‬القدرة‭ ‬للقيام‭ ‬بعمل‭ ‬الإنقاذ‭.‬‭. ‬فهناك،‭ ‬تحت‭ ‬الأنقاض،‭ ‬قتلى‭ ‬وجرحى‭.. ‬جماعة‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬كانت‭ ‬تلتئم‭ ‬حول‭ ‬مائدة‭ ‬فقيرة‭ ‬وإبريق‭ ‬شاي‭.. ‬تمتلئ‭ ‬نفسك‭ ‬غيظاً‭.. ‬بل‭ ‬تزداد‭ ‬حقداً‭ ‬حين‭ ‬ترى‭ ‬إلى‭ ‬اللافتات‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تحمل‭ ‬ذلك‭ ‬الوجه‭ ‬المنغولي‭ ‬بضحكته‭ ‬البلهاء،‭ ‬وعلامات‭ ‬العته‭ ‬المتأصلة‭.. (‬أية‭ ‬انتخابات‭ ‬يا‭ ‬بن‭ ‬ال‭.. ‬على‭ ‬من‭ ‬تفتري‭ ‬وتمثِّل‭..‬؟‭! ‬ثمَّ‭ ‬من‭ ‬تراه‭ ‬امتطاك،‭ ‬وأوثق‭ ‬الركاب‭ ‬واللجام،‭ ‬لتخوض‭ ‬به،‭ ‬بل‭ ‬لتبحرا‭ ‬‮«‬سوا‮»‬‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬الدماء،‭ ‬وتلك‭ ‬الخرائب‭..‬؟‭!)‬

تحاول‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬شيئاً‭.. ‬أن‭ ‬تمدَّ‭ ‬يدك‭ ‬نحو‭ ‬بعض‭ ‬تلك‭ ‬اللافتات‭.. ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬أظافرك‭ ‬فيها،‭ ‬تحيلها‭ ‬إلى‭ ‬مزق،‭ ‬أو‭ ‬تجعلها‭ ‬تحت‭ ‬قدميك‭.. ‬فوحده‭ ‬هذا‭ ‬الفعل‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬أوجاع‭ ‬روحك‭..! ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬الآه‭..! ‬عيون‭ ‬‮«‬الشبيحة‮»‬‭ ‬تحاصرك‭.. ‬إيه‭.. ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تفعله‭..‬؟‭! ‬يراودك،‭ ‬وقد‭ ‬صرت‭ ‬على‭ ‬مشارف‭ ‬ساحة‭ ‬سعد‭ ‬الله‭ ‬الجابري،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬خاطر‭ ‬ما‭.. ‬لو‭ ‬كان‭ ‬لديك‭ ‬زجاجة‭ ‬بنزين‭ ‬وعود‭ ‬ثقاب‭.. ‬إنه‭ ‬الاحتجاج‭ ‬السلبي‭..! ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬ليس‭ ‬أنت‭ ‬من‭ ‬يفعل‭..! ‬ولا‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يفهم‭..! ‬

تنازعك‭ ‬فكرة‭ ‬العودة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أتيت،‭ ‬والسعي‭ ‬لأخذ‭ ‬مهدئ‭ ‬ما،‭ ‬والدخول‭ ‬في‭ ‬نوم‭ ‬مديد‭..! ‬لكنك،‭ ‬وبالتداعي‭ ‬العفوي،‭ ‬تتساءل‭ ‬عن‭ ‬سرِّ‭ ‬هذه‭ ‬المهازل؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يكمن‭ ‬خلفها؟‭! ‬ولِمَ‭ ‬يقوم‭ ‬هؤلاء‭ ‬بهذه‭ ‬الأفعال‭ ‬الغبية؟‭! ‬من‭ ‬يدفعهم؟‭! ‬أتراهم‭ ‬حقاً‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬تفاهة‭ ‬ما‭ ‬يقومون‭ ‬به؟‭!. ‬

ويأتيك‭ ‬الجواب‭ ‬ناصعاً،‭ ‬يضيء‭ ‬مثل‭ ‬شهاب‭..! ‬بلى‭ ‬إنهم‭ ‬يعرفون‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وهم‭ ‬واعون‭ ‬تماماً‭.. ‬وحدك‭ ‬الذي‭ ‬لمّا‭ ‬تدرك‭ ‬كنه‭ ‬الاستبداد‭ ‬وعبيده،‭ ‬فمن‭ ‬طبعه‭ ‬ألا‭ ‬يقيم‭ ‬أيَّ‭ ‬وزن‭ ‬لغير‭ ‬عامل‭ ‬القوة‭ ‬والقهر‭ ‬والإكراه‭.. ‬ألم‭ ‬تسمع‭ ‬بالموت‭ ‬صبراً؟‭! ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أمر،‭ ‬ألا‭ ‬إنه‭ ‬الموت‭ ‬غماً‭ ‬أو‭ ‬غيظاً‭.. ‬نعم،‭ ‬إنهم‭ ‬لا‭ ‬يفكرون‭ ‬إلا‭ ‬بهذا‭.. ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬أخطأك‭ ‬الرصاص‭.. ‬توافيك‭ ‬دواعي‭ ‬الغيظ‭ ‬والغم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زاوية‭ ‬وناحية‭..! ‬صوت‭ ‬ما‭.. ‬صوت‭ ‬أكثر‭ ‬عمقاً‭ ‬ووضوحاً‭.. ‬يهمس‭ ‬لك،‭ ‬فترهف‭ ‬إليه‭:‬

‭ ‬‮«‬ثمة‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬زالوا‭ ‬يجهلونه‭ ‬أو‭ ‬يتجاهلونه،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬الذي‭ ‬تحمَّل‭ ‬كثيراً‭.. ‬وصبر‭ ‬طويلاً‭.. ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬منحهم‭.. ‬منح‭ ‬حاكميه‭ ‬الفرصة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى،‭ ‬قد‭ ‬حزم‭ ‬أمره،‭ ‬وقال‭ ‬كلمته‭ ‬القاطعة‭ ‬الباتة‭: ‬نعم‭ ‬لحلم‭ ‬الحرية،‭ ‬ولا‭ ‬للاستبداد‭ ‬بأشكاله‭ ‬وتجلياته‭..!. ‬

وها‭ ‬هو‭ ‬ذا‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬المعاناة‭ ‬يقبض‭ ‬على‭ ‬حلمه‭ ‬أو‭ ‬يكاد‭.. ‬تعتريك‭ ‬رعشة،‭ ‬تبتسم،‭ ‬وتعود‭ ‬أدراجك‭.. ‬نظرك‭ ‬إلى‭ ‬الأعلى‭.. ‬إلى‭ ‬سماء‭ ‬الشارع‭.. ‬يضحك‭ ‬لك‭.. ‬يحملك‭ ‬على‭ ‬جناحين‭ ‬من‭ ‬عطر‭ ‬وماء،‭ ‬ودوران‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬صاف‭ ‬رحيب‭..!‬

حنطة44

برومو الشهيد ناجي الجرف