خميرة

(نتلمّسُ الكلماتِ على الجدار) للشاعر حكمة شافي الأسعد

عبد الكريم بدرخان

بعد‭ ‬أن‭ ‬يئسَ‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬النشر‭ ‬العربية،‭ ‬أصدر‭ ‬الشاعر‭ ‬السوري‭ ‬حكمة‭ ‬شافي‭ ‬الأسعد‭ ‬مجموعته‭ ‬الشعرية‭ ‬‮«‬نتلمّسُ‭ ‬الكلماتِ‭ ‬على‭ ‬الجدار‮»‬‭ ‬الكترونياً،‭ ‬بإصدارٍ‭ ‬خاصٍّ‭ ‬ضمن‭ ‬منشورات‭ ‬‮«‬مكتبة‭ ‬الأدب‭ ‬السوري‮»‬،‭ ‬وبحقوق‭ ‬ملكيّة‭ ‬غير‭ ‬محفوظة‭. ‬وهي‭ ‬المجموعة‭ ‬الشعرية‭ ‬الثانية‭ ‬له‭ ‬بعد‭ ‬مجموعته‭ ‬‮«‬جمع‭ ‬تكسير‭ ‬الأصابع‮»‬‭ ‬الفائزة‭ ‬بجائزة‭ ‬الشارقة‭ ‬للإبداع‭ ‬العربي‭ ‬عام‭ ‬2009‭.‬

حكمة‭ ‬شافي‭ ‬الأسعد،‭ ‬ابن‭ ‬مدينة‭ ‬حمص،‭ ‬والحاصل‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬الدكتوراه‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي،‭ ‬وجدَ‭ ‬نفسه‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬نزوحٍ‭ ‬داخليٍّ‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لها‭. ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬قصائده‭ ‬القديمة‭ ‬عن‭ ‬حمص‭: ‬

‮«‬وكأنني‭ ‬نفَـسُ‭ ‬الضبابِ،‭ ‬يبلِّلُ‭ ‬الشعراءَ‭ ‬بالمغزى،‭ ‬فيتَّبعون‭ ‬حمصَ،‭ ‬ويشتُمون‭ ‬النثرَ‭ ‬يومياً‭!!‬‮»‬

‭ ‬نراه‭ ‬اليوم‭ ‬قد‭ ‬هجرَ‭ ‬الشِعر‭ ‬الموزون‭ ‬نهائياً‭ (‬وهو‭ ‬وزّان‭ ‬من‭ ‬العيار‭ ‬الثقيل‭)‬،‭ ‬وسكنَ‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬شعراءُ‭ ‬حمصَ‭ ‬يشتمونها‭ ‬قبل‭ ‬أعوام‭!!‬

1-‭ ‬النزوح‭ ‬والشعر‭:‬

أبدأ‭ ‬بقراءة‭ ‬مجموعة‭ (‬نتلمّسُ‭ ‬الكلماتِ‭ ‬على‭ ‬الجدار‭) ‬من‭ ‬حالة‭ ‬النزوح‭ ‬الجماعي‭ ‬القسري،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬متكررة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المنطقة‭ ‬الحافل‭ ‬بالحروب‭ ‬الخارجية‭ ‬والغزوات‭ ‬الداخلية،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬انتقل‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬تبعاً‭ ‬لانعكاسات‭ ‬النزوح‭ ‬على‭ ‬الأدب،‭ ‬فقد‭ ‬تميّز‭ ‬الشعر‭ ‬الأموي‭ ‬بالحنين‭ ‬إلى‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬وجاء‭ ‬الشعر‭ ‬العباسي‭ ‬حافلاً‭ ‬ومحتفلاً‭ ‬بالجغرافيا‭ ‬العراقية‭ ‬الخضراء‭. ‬وفي‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬رسمتْ‭ ‬هجرةُ‭ ‬أبناء‭ ‬الريف‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬ملامحَ‭ ‬جديدة‭ ‬للشعر‭ ‬العربي،‭ ‬فظهرتْ‭ ‬قصائدُ‭ ‬هجاء‭ ‬المدينة‭ ‬والمدنيّة،‭ ‬وقصائد‭ ‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬الريف‭ ‬والطبيعة‭ ‬والبداءة‭ ‬الأولى‭.‬

رحلة‭ ‬النزوح‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬الشاعرُ‭ ‬حكمة‭ ‬شافي‭ ‬الأسعد‭ ‬خلال‭ ‬ثلاثة‭ ‬أعوام،‭ ‬ابتدأتْ‭ ‬بهجر‭ ‬مدينته‭ ‬حمص،وكأنه‭ ‬نسيَ‭ ‬قلبه‭ ‬فيها‭: ‬‮«‬في‭ ‬النزوح‭ ‬تحتجُّ‭ ‬عشرون‭ ‬نملةً‭ ‬في‭ ‬صدري‭/ ‬تطالبُني‭ ‬بحبّة‭ ‬قمحٍ‭ ‬ضائعة‮»‬،‭ ‬وراح‭ ‬يتعرّف‭ ‬في‭ ‬رحلته‭ ‬على‭ ‬عالمٍ‭ ‬جديد‭: ‬‮«‬في‭ ‬النزوح‭ ‬نسيتُ‭ ‬لهجتي‭ / ‬وأتقنتُ‭ ‬لهجاتِ‭ ‬المدن‭ ‬الأخرى‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬غيّر‭ ‬النزوحُ‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬بأكملها‭: ‬‮«‬في‭ ‬النزوح‭ ‬أكتشفُ‭ ‬سهولةَ‭ ‬التأقلمِ‭ ‬مع‭ ‬الموتِ‭ ‬في‭ ‬الحياة‮»‬‭.‬

كما‭ ‬تغيّرت‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬الشعر‭ ‬ووظيفته،‭ ‬وإلى‭ ‬الشاعر‭ ‬ودوره،‭ ‬فهو‭ ‬يريد‭ ‬من‭ ‬الشاعر‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شاعراً‭ ‬فقط،‭ ‬فلا‭ ‬يطالبه‭ ‬بتغيير‭ ‬العالم‭ ‬أو‭ ‬المجتمع‭ ‬أو‭…‬،‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬الشعر‭ ‬خشبٌ‭ ‬هـشّ،‭ ‬لا‭ ‬يقطعُ‭ ‬الإصبع‭ ‬التي‭ ‬تضغطُ‭ ‬الزناد‭ / ‬لكنه‭ ‬الإصبعُ‭ ‬التي‭ ‬تكتبُ‭ ‬تاريخَ‭ ‬الزناد‮»‬‭. ‬ويوضّح‭ ‬حكمة‭ ‬كيف‭ ‬تحوّل‭ ‬الخراب‭ ‬المادي‭ ‬إلى‭ ‬خراب‭ ‬لغوي،‭ ‬وكيف‭ ‬صارت‭ ‬القصيدة‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬المهدّد‭ ‬بالعدم،‭ ‬فاختلفتْ‭ ‬طريقةُ‭ ‬تعامل‭ ‬الشاعر‭ ‬مع‭ ‬اللغة‭: ‬‮«‬كنّا‭ ‬نلمسُ‭ ‬اللغةَ‭ ‬برأس‭ ‬إبرة‭ / ‬ونتركُها‭ ‬مرفّهةً‭ / ‬أما‭ ‬الآن،‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الموتِ‭ ‬المُجترئ‭ ‬على‭ ‬أسمائنا‭ / ‬نضعُ‭ ‬فيها‭ ‬إصبعَ‭ ‬ديناميت‭.. ‬أو‭ ‬نلقي‭ ‬عليها‭ ‬برميلاً‭ ‬متفجّراً‭ / ‬ونكتبُ‭ ‬القصيدة‮»‬‭.‬

2-‭ ‬ملامح‭ ‬سُريالية‭:‬

تكثر‭ ‬اللوحاتُ‭ ‬السُريالية‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬‮«‬نتلمّس‭ ‬الكلماتِ‭ ‬على‭ ‬الجدار‮»‬،‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬للعقل‭ ‬أو‭ ‬المنطق‭ ‬أو‭ ‬الوعي‭ ‬أنْ‭ ‬يتصوّر‭ ‬الفظائع‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬سورية،‭ ‬ولهذا‭ ‬اتجه‭ ‬الشاعر‭ ‬للتعبير‭ ‬عنها‭ ‬بانفعالاتٍ‭ ‬سُرياليّةٍ‭ ‬لا‭ ‬واعية‭. ‬فراحَ‭ ‬يتحدّث‭ ‬عن‭ ‬الخراب‭ ‬الذي‭ ‬يجتاح‭ ‬البلاد‭ ‬والإنسان‭ ‬وذرّات‭ ‬الهواء،‭ ‬وعن‭ ‬قطعِ‭ ‬الخبز‭ ‬المغمّسة‭ ‬بالأشلاء‭ ‬والدماء‭: ‬‮«‬كلّما‭ ‬اشتريتُ‭ ‬رغيفَ‭ ‬خبزٍ‭ ‬خرجتْ‭ ‬منه‭ ‬أسنانُ‭ ‬ولدٍ‭ ‬مذبوحٍ‭ ‬تقضمُ‭ ‬أصابعي‮»‬‭. ‬إنه‭ ‬الموتُ‭ ‬الهمجيّ‭ ‬الذي‭ ‬اجتاح‭ ‬القلوب‭ ‬حتى‭ ‬عجزتْ‭ ‬عن‭ ‬الحبّ،‭ ‬وحتى‭ ‬تشوّهتْ‭ ‬تصوّراتُها‭ ‬الجمالية‭: ‬‮«‬كلّما‭ ‬أحببتُكِ،‭ ‬تدلّتْ‭ ‬شعورُ‭ ‬النساءِ‭ ‬من‭ ‬المشانقِ،‭ ‬وتدحرجتْ‭ ‬رؤوسهنَّ‭ ‬من‭ ‬المقاصل‮»‬‭.‬

3-‭ ‬حمص‭ ‬التي‭ ‬أصبحتْ‭ ‬قصيدة‭ ‬نثر‭:‬

منذ‭ ‬أن‭ ‬غادر‭ ‬الشاعر‭ ‬حكمة‭ ‬شافي‭ ‬الأسعد‭ ‬مدينته‭ ‬حمص،‭ ‬عجز‭ ‬عن‭ ‬كتابة‭ ‬قصيدة‭ ‬موزونة‭ ‬واحدة،‭ ‬لقد‭ ‬تركَ‭ ‬قصيدة‭ ‬الشطرين‭ ‬الشبيهة‭ ‬بشارعين‭ ‬متوازيين،‭ ‬وترك‭ ‬قصيدة‭ ‬التفعيلة‭ ‬الشبيهة‭ ‬بالبيوت‭ ‬المختلفة‭ ‬الأحجام‭- ‬المتساوية‭ ‬اللَّبِنات،‭ ‬واتجه‭ ‬إلى‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬المناسبة‭-‬إيقاعياً‭- ‬لرحلة‭ ‬التشرد‭ ‬وسط‭ ‬الخراب‭ ‬والمجهول،‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬حين‭ ‬اشتقتُ‭ ‬إليكِ‭ ‬صعدتُ‭ ‬إلى‭ ‬الجبالِ‭ ‬ونظرتُ‭ ‬إلى‭ ‬المدنِ‭ / ‬فلمْ‭ ‬أجدها‮»‬‭.‬

وبعيداً‭ ‬عن‭ ‬التنظيرات‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬هي‭ ‬ابنةُ‭ ‬المدينة‭ ‬الصناعية‭ ‬الحديثة،‭ ‬فإنّ‭ ‬مجموعة‭ ‬‮«‬نتلمّس‭ ‬الكلماتِ‭ ‬على‭ ‬الجدار‮»‬‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬هي‭ ‬ابنةُ‭ ‬اللا‭ ‬مدينة‭. ‬أو‭ ‬هي‭ ‬ابنةُ‭ ‬المدينة‭ ‬المدمّرة‭ ‬المتناثرة‭ ‬في‭ ‬الرياح،‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬لقصيدة‭ ‬حكمة‭ ‬أن‭ ‬تعكس‭ ‬صورة‭ ‬مدينته،‭ ‬وصورة‭ ‬الدمار‭ ‬البربري‭ ‬الذي‭ ‬حلّ‭ ‬بها،‭ ‬إنها‭ ‬حمصُ‭ ‬التي‭ ‬أصبحتْ‭ ‬قصيدة‭ ‬نثر‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬أنشر‭ ‬المقطع‭ ‬الذي‭ ‬وضعه‭ ‬الشاعرُ‭ ‬مدخلاً‭ ‬للمجموعة‭ ‬الشعرية،‭ ‬وكأنه‭ ‬يعلنُ‭ ‬صراحةً‭ ‬انتقاله‭ ‬من‭ ‬أسلوبٍ‭ ‬شعريّ‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭:‬

‮«‬أخلعُ‭ ‬الكفَّ‭ ‬الحديدية‭ ‬من‭ ‬يدي‭ ‬وأكتبُ‭ ‬بأصابعَ‭ ‬مشوّهة،‭ ‬مثل‭ ‬أصابع‭ ‬الخراب‭ ‬التي‭ ‬تكتب‭ ‬مدينةً‭ ‬كلَّ‭ ‬يوم‮»‬‭.‬

حنطة45

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف