خميرة

القناص / VI

‮«‬سأعلّق‭ ‬قنّاصتي‭ ‬على‭ ‬الجدار،‭ ‬سأحنّط‭ ‬فيها‭ ‬الرصاص‮»‬

عباس علي موسى

نصّ‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬القنّاص‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬يعُنى‭ ‬بفلسفة‭ ‬الرصاصة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الأدب،‭ ‬والقتل‭ ‬بعيني‭ ‬القنّاص‭ ‬الذي‭ ‬يقتلك‭ ‬أحياناً،‭ ‬وفي‭ ‬أحايين‭ ‬أخرى‭ ‬يقتل‭ ‬عدوّك،‭ ‬أو‭ ‬يصيرُ‭ ‬نافذةً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭. ‬هذا‭ ‬النصّ‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬فاتحة‭ ‬لتجريد‭ ‬الطلقة‭ ‬من‭ ‬الرصاص،‭ ‬وحشوها‭ ‬بالحبر‭. ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬عديدة‭ ‬تحمل‭ ‬العنوان‭ ‬ذاته،‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أحيلها‭ ‬إلى‭ ‬القرّاء،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬قرّاءً‭ ‬فقط،‭ ‬إنهّم‭ ‬ثائرون‭.‬

I

في‭ ‬محاولة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬حبّها،‭ ‬تقومُ‭ ‬بوضع‭ ‬الزهيرات‭ ‬في‭ ‬فوارغ‭ ‬الرصاص،‭ ‬لتمسحَ‭ ‬عن‭ ‬عينيّ‭ ‬آثار‭ ‬القاتل،‭ ‬وهل‭ ‬يصلح‭ ‬القاتل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بُستانياً؟‭!‬

لا‭ ‬حدائق‭ ‬في‭ ‬يديّ،‭ ‬لكنني‭ ‬أستطيعُ‭ ‬أن‭ ‬أزيل‭ ‬رائحة‭ ‬الدماء‭ ‬عنها‭ ‬بالدموع،‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬هل‭ ‬سألقى‭ ‬حانوتياً‭ ‬يبيعُ‭ ‬الدموع‭ ‬في‭ ‬فوارغ‭ ‬زجاجات‭ ‬العطر؟

يقولُ‭ ‬أحدهم،‭ ‬حكيمٌ،‭ ‬ربما‭:‬

  ‬كلّ‭ ‬ضحيةٍ‭ ‬هو‭ ‬مشروع‭ ‬قاتل‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬وكلّ‭ ‬امرئ‭ ‬خارج‭ ‬الدائرة‭ ‬تلك‭ ‬لربّما‭ ‬قام‭ ‬بالدور‭ ‬ذاته‭ ‬فيما‭ ‬لو‭ ‬قيّض‭ ‬له،‭ ‬لا‭ ‬قاتل‭ ‬بطبيعته‭.‬

لكن‭ ‬ماذا‭ ‬عنكَ‭ ‬أيّها‭ ‬القنّاصُ‭ ‬؟

هل‭ ‬تعشق‭ ‬الحياة؟‭! ‬فلمَ‭ ‬تقتلها؟‭ ‬أم‭ ‬تعشق‭ ‬الحرية؟‭! ‬فلم‭ ‬لا‭ ‬تلبسها؟

متصالباً‭ ‬تأسر‭ ‬يديك‭ ‬وعينيك،‭ ‬‮«‬لا‭ ‬حرية‭ ‬في‭ ‬ذلك‮»‬‭ ‬تقولها‭ ‬رصاصة‭ ‬ساقطة‭ ‬إلى‭ ‬يمينكَ،‭ ‬ظننتَ‭ ‬أنّكَ‭ ‬قتلتَ‭ ‬بها،‭ ‬فيما‭ ‬هي‭ ‬منزويةٌ‭ ‬هناك‭.‬

II

مشهد‭/ ‬ليلي‭: ‬من‭ ‬فوق‭ ‬المبنى‭ ‬حيثُ‭ ‬أراهما‭ ‬معاً‭/ ‬قنّاصان‭ ‬متقابلان‭ ‬كرصاصتين،‭ ‬أنا‭ ‬القنّاص‭ ‬الثالث‭ ‬فيما‭ ‬بينهما‭:‬

جسدٌ‭ ‬شهيدٌ‭/‬قتيلٌ‭ ‬يصوّبان،‭ ‬القنّاصان‭ ‬صليبهما‭ ‬عليه‭.‬

أحدهم؛‭ ‬عن‭ ‬الجسد‭ ‬قتيلاً‭: ‬هو‭ ‬جسدٌ‭/‬فخٌّ‭ ‬للإيقاع‭ ‬بالأرواح‭ ‬التي‭ ‬تندلق‭ ‬منها‭ ‬المغامرة،‭ ‬فخٌ‭ ‬للمغامرين‭ ‬بأرواحهم‭.‬

الآخر‭ ‬عن‭ ‬الجسد‭ ‬شهيداً‭: ‬هو‭ ‬جسدٌ‭ ‬يستحقُّ‭ ‬أن‭ ‬يوارى‭ ‬الثرى‭ ‬ويعبقَ‭ ‬بدموع‭ ‬الأصدقاء‭.‬

ثلاثة‭ ‬كلابٍ‭ ‬قُتلت‭ ‬في‭ ‬المعركة‭.‬

‮«‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬للكلاب‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬المعركة‭ ‬فيما‭ ‬بيننا‮»‬

المشهدُ‭ ‬محفوفٌ‭ ‬بالقتل‭ ‬والكلاب‭ ‬بالحبّ‭ ‬والحياة‭: ‬أحدهم‭ ‬يودّ‭ ‬انقاذ‭ ‬الجسد‭ ‬الشهيد‭ ‬من‭ ‬براثن‭ ‬الكلاب‭. (‬الحرب‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬الكلاب‭ ‬شرسة‭ ‬تنهش‭ ‬الأجساد‭ ‬فيما‭ ‬كانت‭ ‬وادعة‭ ‬تحرس‭ ‬الحياة‭).‬

III

ماذا‭ ‬بعدُ‭ ‬أيّها‭ ‬القنّاصُ؟

ضع‭ ‬الرصاصات‭ ‬في‭ ‬جعبتكَ‭ ‬المثقلة‭ ‬بدموع‭ ‬الآخرين،‭ ‬كلّ‭ ‬شرود‭ ‬فرصةٌ‭ ‬لحلم‭ ‬أحدهم‭…‬

ماذا‭ ‬بعدُ،‭ ‬هلاّ‭ ‬استمعت‭ ‬إلى‭ ‬أغنيةً‭ ‬عن‭ ‬الحنين،‭ ‬عن‭ ‬الحبّ،‭ ‬عن‭ ‬الدموع،‭ ‬أم‭ ‬أنّ‭ ‬الرصاص‭ ‬بغنائه‭ ‬الصلف‭ ‬يئزُّ‭ ‬يئزُّ‭ ‬ويمحو‭ ‬الأغنيات‭ ‬في‭ ‬الأثير‭.‬

IV

لن‭ ‬أخبر‭ ‬أمّي‭ ‬أنّي‭ ‬قتلتُ‭ ‬ثلاثة‭ ‬أعداءٍ‭ ‬صبيحة‭ ‬العيد،‭ ‬لأنّهم‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬يحملون‭ ‬سكاكر‭ ‬في‭ ‬جيوبهم،‭ ‬بل‭ ‬رصاصاً،‭ ‬ورصاصاً‭ ‬محشواً‭ ‬بالقتل‭. ‬في‭ ‬الغد‭ ‬سأعلّق‭ ‬قنّاصتي‭ ‬على‭ ‬الجدار،‭ ‬سأحنّط‭ ‬فيها‭ ‬الرصاص‭.‬حنطة46

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف