خميرة

(أمي عصابة إرهابية)

مصطفى تاج الدين موسى

منذ‭ ‬ساعتين‭ ‬اتصل‭ ‬بي‭ ‬الموت،‭ ‬وأخبرني‭ ‬بصوته‭ ‬الضبابي‭ ‬والبارد‭ ‬بأنه‭ ‬يريد‭ ‬زيارتي‭.. ‬فأجبته‭ ‬بالموافقة‭ ‬وأنّي‭ ‬أنتظره‭.‬

فرحتُ‭ ‬كثيراً،‭ ‬وأخيراً‭ ‬سأشاهد‭ ‬الموت‭ ‬شخصياً‭.. ‬يا‭ ‬الله‭ !.. ‬كم‭ ‬هو‭ ‬جميل‭ ‬هذا‭ ‬الشيء،‭ ‬طبعاً،‭ ‬أنا‭ ‬ولا‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬شاهدتُ‭ ‬الموت‭ ‬بشكل‭ ‬شخصي،‭ ‬إنما‭ ‬فقط‭ ‬كنت‭ ‬أشعر‭ ‬به‭.‬

أحسستُ‭ ‬بالخجل،‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬فواكه‭ ‬وحلوى‭ ‬تليق‭ ‬بمثل‭ ‬هذا‭ ‬الضيف‭ ‬الجميل‭.. ‬يوجد‭ ‬فقط‭ ‬شاي‭ ‬وقهوة‭.. ‬وشراب‭ ‬للسعال‭.‬

رغم‭ ‬فرحتي‭ ‬تساءلتُ‭ ‬مستغرباً‭:‬

ـــ‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬جلب‭ ‬الموت‭ ‬رقم‭ ‬جوالي‭ ‬؟‭..‬

خمنّت‭ ‬في‭ ‬سرّي‭ ‬أن‭ ‬صديقي‭ ‬مازن‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أعطى‭ ‬الموت‭ ‬رقم‭ ‬جوالي‭.‬

مازن‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬اختفى‭ ‬في‭ ‬ظروفٍ‭ ‬غامضة‭ ‬من‭ ‬شوارع‭ ‬دمشق‭ ‬منذ‭ ‬عام‭.‬

تخيلتُ‭ ‬أن‭ ‬مازن‭ ‬المشاغب،‭ ‬هو‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الآخر،‭ ‬يركب‭ ‬في‭ ‬باص‭ ‬كبير‭ ‬ويرمي‭ ‬من‭ ‬النافذة‭ ‬خلسةً‭ ‬قصاصات‭ ‬ورقية‭ ‬عليها‭ ‬رقمي،‭ ‬وفي‭ ‬شارعٍ‭ ‬ما‭..‬‭ ‬عثر‭ ‬الموت‭ ‬على‭ ‬قصاصة‭ ‬ورق‭ ‬واتصل‭ ‬بي‭.‬

تماماً‭ ‬مثلما‭ ‬كنت‭ ‬أفعل‭ ‬أيام‭ ‬المراهقة،‭ ‬حيث‭ ‬كنت‭ ‬أرمي‭ ‬بقصاصات‭ ‬ورقية‭ ‬عليها‭ ‬رقم‭ ‬هاتف‭ ‬منزلي،‭ ‬ومقطع‭ ‬من‭ ‬أغنية‭ ‬لـ‭ ‬هاني‭ ‬شاكر،‭ ‬من‭ ‬نافذة‭ ‬الباص‭.‬

على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬تعثر‭ ‬فتاةٌ‭ ‬جميلة‭ ‬على‭ ‬قصاصة‭.. ‬فتتصل‭ ‬بي‭ ‬لتبدأ‭ ‬بيننا‭ ‬قصة‭ ‬حب‭ ‬و‭..‬

لكن،‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬هذا‭ ‬الشيء‭..‬

فقط،‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭.. ‬اتصل‭ ‬عامل‭ ‬التنظيفات‭ ‬وقال‭ ‬لوالدي‭ ‬غاضباً‭:‬

ـــ‭ ‬رقمكم‭ ‬يلوث‭ ‬الشوارع‭.. ‬وهو‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬نشوء‭ ‬ثقب‭ ‬طبقة‭ ‬الأوزون‭..‬

أتذكر‭ ‬يا‭ ‬مازن‭ ‬عندما‭ ‬كنا‭ ‬نمزج‭ ‬الجنّ‭ ‬بالكولا‭ ‬في‭ ‬مقصف‭ ‬الصحافة‭ ‬بالجامعة،‭ ‬لنشرب‭ ‬ونسكر‭ ‬ونحن‭ ‬نختلس‭ ‬النظر‭ ‬للفتيات‭ ‬الجميلات؟‭..‬

أتذكر‭ ‬عندما‭ ‬ذهبنا‭ ‬إلى‭ ‬الــ‭…‬

رنّ‭ ‬الجرس،‭ ‬كم‭ ‬هو‭ ‬دقيقٌ‭ ‬في‭ ‬مواعيده‭ ‬صديقنا‭ ‬الموت‭ !.‬

أسرعتُ‭ ‬إلى‭ ‬الباب‭ ‬وفتحته،‭ ‬ثم‭ ‬شهقتُ‭ ‬وأنا‭ ‬أرى‭ ‬مازن‭ ‬أمامي‭.‬

حضنا‭ ‬بعضنّا‭ ‬باشتياق‭ ‬ونحن‭ ‬نضحك‭.. ‬قلت‭ ‬له‭:‬

ـــ‭ ‬يا‭ ‬خبيث‭.. ‬فعلاً‭ ‬أنت‭ ‬تقلدُ‭ ‬صوته‭ ‬بشكل‭ ‬متقن‭.. ‬بشرفي‭ ‬ظننت‭ ‬أن‭ ‬الذي‭ ‬تكلم‭ ‬معي‭ ‬هو‭ ‬الموت‭ ‬ذاته‭..‬

أدخلته‭ ‬إلى‭ ‬غرفتي‭ ‬حيث‭ ‬جلسنا،‭ ‬فجأةً‭.. ‬دخلتْ‭ ‬أمي‭ ‬فعرفتها‭ ‬على‭ ‬مازن‭.‬

أمي‭ ‬غريبة‭ ‬الأطوار،‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬بدأت‭ ‬الحرب‭ ‬وسلوكها‭ ‬يزداد‭ ‬غرابة‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الأيام‭.‬

وأنا‭ ‬أُعرفها‭ ‬على‭ ‬مازن،‭ ‬أدارتْ‭ ‬ظهرها‭ ‬وخرجتْ،‭ ‬حتى‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تسلم‭ ‬عليه‭.‬

اعتذرتُ‭ ‬منه‭ ‬وقلت‭:‬

ــ‭ ‬لا‭ ‬تزعل‭.. ‬حقك‭ ‬عليّ‭.. ‬إنها‭ ‬الشيخوخة‭ ‬وأمراضها‭..‬

ثم‭ ‬ذهبتُ‭ ‬إلى‭ ‬المطبخ‭ ‬حيث‭ ‬أعددتُ‭ ‬فنجانيّ‭ ‬قهوة‭.‬

وأنا‭ ‬راجع‭ ‬إلى‭ ‬غرفتي‭ ‬مررتُ‭ ‬من‭ ‬أمام‭ ‬باب‭ ‬غرفة‭ ‬الجلوس‭.. ‬فسمعتُ‭ ‬أمي‭ ‬تبكي‭ ‬وهي‭ ‬تقول‭ ‬لجارتنا‭:‬

ـــ‭ ‬البارحة‭ ‬كان‭ ‬يتحدث‭ ‬مع‭ ‬ندى‭ ‬واليوم‭ ‬يتحدث‭ ‬مع‭ ‬مازن‭..‬

ـــ‭ ‬وأين‭ ‬المشكلة‭ ‬؟‭..‬

سألتها‭ ‬جارتنا‭ ‬فأجابتها‭ ‬أمي‭:‬

ـــ‭ ‬المشكلة‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬غرفته‭.. ‬لا‭ ‬البارحة‭ ‬ولا‭ ‬اليوم‭.. ‬إنه‭ ‬يتحدث‭ ‬مع‭ ‬أصدقائه‭ ‬اللذين‭ ‬قتلوا‭..‬

سقطتْ‭ ‬الصينية‭ ‬من‭ ‬يديّ‭..‬

سالتْ‭ ‬القهوة‭ ‬على‭ ‬البلاط‭..‬

كعادتها‭ ‬أمي‭.. ‬أخترع‭ ‬حلماً‭ ‬وأتركه‭ ‬يمشي‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬دمشق،‭ ‬فتأتي‭ ‬هي‭.. ‬وتخطفه‭…‬

حنطة47

برومو الشهيد ناجي الجرف