خميرة

ثقيلا كان هذا الرشاش على كتفي يا أمي

د‭. ‬نجاة‭ ‬عبد‭ ‬الصمد‭

ثقيلاً‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الرشاش‭ ‬على‭ ‬كتفي‭ ‬يا‭ ‬أمي‭ ‬لا‭ ‬كما‭ ‬النادبات‭ ‬في‭ ‬المآتم‭ ‬كانت؛‭ ‬كانت‭ ‬الأم‭ ‬في‭ ‬احتضار‭… ‬لا‭ ‬كفُها‭ ‬الرخوةُ‭ ‬تنهض‭ ‬تلطم‭ ‬وجناتها‭ ‬اليابسة،‭ ‬ولا‭ ‬الصوت‭ ‬يرجرج‭ ‬حنجرتها‭ ‬المدكوكة‭ ‬بالصوّان‭ ‬ولا‭ ‬الصبرُ‭ ‬يدانيها،‭ ‬ولا‭ ‬السلوان‭ ‬قريب‭… ‬‮«‬خذوني‭ ‬إليه‭ ‬حيث‭ ‬كان،‭ ‬ألملم‭ ‬دمه‭ ‬الذي‭ ‬انساح‭ ‬هناك‭..‬خذوني‭ ‬لأسأل‭: ‬لماذا‭ ‬قتلوه‭! ‬خذوني‭ ‬إليه‭… ‬أو‭ ‬أعيدوا‭ ‬الزمان‭ ‬لأردفه‭ ‬خلفي‭ ‬وأفدي‭ ‬بصدري‭ ‬ظهرَه‭ ‬الذي‭ ‬خردقَه‭ ‬الرصاص‭… ‬غداً‭ ‬سيصلني‭ ‬نعشه‭ ‬البردان‭: ‬دعوني‭ ‬أشمّه،‭ ‬وأغسله،‭ ‬وأكفنه،‭ ‬كما‭ ‬كفّنت‭ ‬يداي‭ ‬أخاه‭ ‬الأكبر‭ ‬الذي‭ ‬دهسته‭ ‬قبل‭ ‬شهرين‭ ‬سيارة‭ ‬هوجاء‭…  ‬دعوني‭ ‬أتحسر‭ ‬على‭ ‬السنين‭ ‬التي‭ ‬تعاطيت‭ ‬فيها‭ ‬حبوب‭ ‬منع‭ ‬الحمل‭ ‬فلم‭ ‬ألد‭ ‬عشرين‭ ‬ولداً‭.. ‬جازيتني‭ ‬يا‭ ‬ربّ‭ ‬ولم‭ ‬تحفظ‭ ‬سوى‭ ‬صغيري‭ ‬الثالث‭ ‬المعاق‭ ! ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬قد‭ ‬ربّيتهم‭ ‬للغربان‭. ‬ربّيتهم‭ ‬‮«‬شبراً‭ ‬بنذر‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬الأوسط‭ -‬شهيدُ‭ ‬اليوم‭- ‬لم‭ ‬يكبر‭ ‬إلاّ‭ ‬بحفنات‭ ‬الدواء‭ ‬ولدته‭ ‬بقصبات‭ ‬منخورة،‭ ‬سمّم‭ ‬الربوُ‭ ‬نموّه‭ ‬سبقه‭ ‬سعالُه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬خطوةٍ‭ ‬من‭ ‬خطاه‭ ‬الواهية‭ ‬وأرجعَه‭ ‬كلَّ‭ ‬يومٍ‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬أزرق‭ ‬باكياً‭ ‬ليحرق‭ ‬قلبي‭ ‬أمّلني‭ ‬الأطباء‭ ‬أنّ‭ ‬ربوه‭ ‬سيعفيه‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬العسكرية‭ ‬ويوم‭ ‬وفيت‭ ‬جميع‭ ‬نذوري‭ ‬حين‭ ‬انسلّ‭ ‬منه‭ ‬الربو‭ ‬على‭ ‬مشارف‭ ‬الشباب،‭ ‬أتى‭ ‬العسكر‭ ‬واقتادوه‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬خدمة‭ ‬العلم‮»‬‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬منذ‭ ‬شهور‭ ‬ثلاثة‭ ‬رأيناه‭ ‬خلالها‭ ‬في‭ ‬زيارته‭ ‬اليتيمة‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ ‬وأخبرنا‭ ‬أنه‭ ‬نُقل‭ ‬منذ‭ ‬أسبوع‭ ‬خدمته‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬حاجز‭ ‬في‭ ‬حمص‭…  ‬سلّموني‭ ‬رشّاشاً‭ – ‬قال‭ ‬لي‭ . ‬وقالوا‭: ‬اضرب‭ ‬يا‭ ‬وحش‭ ! ‬وأنا‭ -‬قال‭ ‬لي‭- ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬بعد‭ ‬كيف‭ ‬أصير‭ ‬وحشاً‭!  ‬ثقيلاً‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الرشاشُ‭ ‬على‭ ‬كتفي‭ ‬يا‭ ‬أمي‭ -‬قال‭ ‬لي‭ ‬كيف‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أحمله‭- ‬قال‭ ‬لي؛‭ ‬أنا‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تتركيني‭ ‬أحمل‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬ربطة‭ ‬خبز‭! ‬ولم‭ ‬أحمل‭ ‬كتاباً‭ ‬ولا‭ ‬معولاً‭ ‬ولم‭ ‬أحمل‭ ‬حتى‭ ‬جسدي‭ ‬ولم‭ ‬تحملني‭ ‬حتى‭ ‬رئتاي‭…‬‭ ‬جئتُ‭ ‬إلى‭ ‬الدنيا‭ ‬نكرَةً‭ ‬مريضة‭ ‬وأخرج‭ ‬منها‭ ‬اليوم‭ ‬صفحةً‭ ‬بيضاء‭ … ‬لم‭ ‬أقل‭ ‬لك‭: ‬سامحيني‭ … ‬أروح‭ ‬وفي‭ ‬حلقي‭ ‬اعترافٌ‭ ‬وحيد‭: ‬لم‭ ‬أصر‭ ‬وحشاً؛‭ ‬ولم‭ ‬يبصق‭ ‬رشاشي‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬أحد‭!.‬

حنطة47

برومو الشهيد ناجي الجرف