ملف

إشْكالية العُنف في الثّقافة العربيّة الإسْلامية (عودٌ على بدْء)

عبدو نبي

نَقْرأ هَذه الأيّام في الصّحَافة الغَرْبيّة مَقَالات وتَحْليلات كَثيْرة حَوْل الجُذور العَقيْديّة والدَينيَة للإرْهَاب الإسْلاميّ الذي بَلَغ حَدّه الأَقْصى في إمَارة الدَوْلة الإسْلاميّة التي أَعْلنت دَوْلة الخلافَة، وتَمدّدتْ في مَنَاطق وَاسعَة منَ العِرَاق وسُورية، والفِكْرة السّائدَة في هَذه التّحْليلات هيَ تَفْسير الإرْهَاب الأصُوليّ بجذُورٍ مُبَاشرة في التَقْليد الإِسْلاميّ مِنْ حَيْث المُرْتكزات العَقْديّة والمَعَاييْر الفَقْهيّة والقيْميّة، ممّا يَنْتج عَنْه القَوْل إنّ التّشدّد والعُنْف لَيْسا منَ الانْحرَافات والانْشقَاقات عَن التّقْليد الدّينيّ، وإنّما هُما منْ صَلْب النّسَق الدّينيّ ومُتعلّقَاته الثّابتة، وهيَ مُرْتكزة عَلى الرّؤْية الكَوْنية الإسْلاميّة، واعْتمَادها إطَاراً تَصوّرياً مَنْهجيّاً جَديداً لإعَادَة صيَاغَة وبنَاء المَنْظومة الأُصُولية الكلاسيكيّة.
ويَرى الدّكْتور يُوسف زيْدان أنّ «العَقيْدة» هي العَاملَ الذي يَنُوب عَن الدّين في تلْك الجَدليّة، لأنّ العَقيْدة كانَتْ وما تَزَال هي مَيْدان التّنافُس/الرّفْض للآخَر منْ مُنْطلق أنّ العَقيْدة هيَ العَاملُ الرّئيسُ في جَدليّة العُنْف والسّياسَة والدّيْن.
وحيْنَ النّظَر إلى الجَانب الأيْديولوجيّ والفِكْري، نَجدُ أنّ أَفْكار هَذا التّنْظيم مُنْبثقة منْ ميْراثٍ فقْهيّ تَاريخيّ، وخطَابٍ ثَقافيّ مُتَداول يَقُوم عَلى مَنْطق عَدَم الاعْتراف بالتّعدديّة السّياسيّة والطّائفيّة والدّينيّة، وتَكْفير أوْ تَخْوين وتَضْليل المُخَالف في الرّأْي، أيْ ثَقَافة أُحَاديةَ الجَانبِ، سُلْطوية.
هُنا يُصْبح تَبرّأ المثقّفين والوعّاظِ والسّياسييْن والتّيار العَام في الشّارع العَربيّ والإسْلاميّ منْ هَذا التّيار المتَوحّش خَياراً مَوْضوعيّاً صَائباً (إنْ حَصَل) تَعْبيراً عنْ المَدى الذي يُمْكن أنْ تَصلَ إليْه الانْهياراتُ السّياسيّة والأَخْلاقيّة والثّقافيّة والمُجْتمعيّة.
والتّاريخُ الإسْلاميّ مَليءٌ بالكَثيْر منَ الأَمْثلة عمّا حَصَل في فَتْرة مَا سُميّ حيْنَها بالفُتُوحات الإسْلاميّة تلْك الفُتوحَات التي اعْتدُيَ فيْها عَلى أَقْوامٍ وبُلْدانٍ أُخْرى تَحْت مُسمّى نَشْر الإسْلام، والتي كانَ مُحرّكها الحَقيْقيّ، بالإضَافة للرّغْبة في نَشْر الدّين الجَديْد، الأطْماعُ المادّيةُ في الاسْتيْلاء عَلَى مَزيدٍ منَ الأَرْض وإرْغام شُعوبِها عَلى الخُضوع والتّبعيّة، وكَذلك سَبْي نِسائِهم ونِكاحَهنّ! وهَذا هو مَا يَفْعله حاليّاً تَنْظيم الدّولة الإسْلاميّة وغَيْره في العرَاق وسُورية، منْ قَتْل الرّجال، وسَبْي النّسَاء وبَيْعهنّ في سُوق النّخَاسة، فَهَل يَصحّ أنْ نَلومَ تَنْظيم الدّولة الإسْلاميّة فَقَط، ونُخْرجه منَ الإسْلام دونَ أنْ نلومَ تَاريْخنا ومَوْروثَنا ومنْ سَبَقنا لتلْك الأَفْعال.
منَ المَعْلوم أنَ السّلفيّة تُوصَف بالتّشدّد في مَجَال العَقيْدة، لا سيّما مَا يَتعلّق بالتّوْحيد والشّرْك، وكَذلك مَا يَتعلّق بآيَات وأَحَاديث الصّفَات، وكثيْراً مَا يَغْلب عَليْهم الحَرْفيّة والجُمود في مَجَال الفَقْه والاستنْبَاط، وإذَا أُضيْف- إلى هَذا التّشدّد والحَرْفيّة والجُمُود- الجَانبُ العَسْكريّ، أو جَانبُ القُوّة والعُنْف أَصْبحت هَذه السّلفيّة تُمثّل خَطراً مُزْدوجاً: خَطَرٌ فكْريٌ من جانب، وخَطرٌ وجوديّ منْ جانبٍ آخَر.
ومن أهمّ سمَات الفِكْر «الجِهاديّ» أنّه جَاء كَردّ فعْل سَلْبيّ لحَاَلة الإحْبَاط واليَأْس التي يَعيْشُها المُسْلمون، ولذَا فَهُو يَنْدفع منْ خلالِ أَعْمال إرْهابيّة غَيْر مَسْؤولة، أوْ غيْر أَخْلاقيّة لمُحَاربة الكُفّار، بغضّ النّظر عنْ نَتائج هَذه الأعْمال.
فالفكْرُ الإسْلاميّ أَنْتج تَشْريعه ومَنْظوره الفقْهيّ ضمْن مُعْطيات عَصْره، وكانَت الوَسَائل منْ طَبيْعة العَصْر، فأدواتُ: السّيْف والسّكين والرّمْح وغَيْرها، هيَ سلاحُ ذَاك الزّمَان، لكنّ العَقْل الإسْلاميّ الجهَاديّ المُتثبّت عَلى المَاضي، والذي يَجْعل قيَمهُ مثَالاً مُسْتقبليّاً، والمُتوسّل بالمُقدّس لإشْبَاع كلّ غَرَائز المَوْت لَديْه، أَرَاد أنْ يَتوسّل هَذه الأَدَوات أيْضاً، فَمنْ جهةٍ، تُظْهره مُتَمسّكاً بالمَاضي عَبْر تَوسّل أَدَواته، ويُضيف يحْيى الأمَيْر أنّ «الإرْهاب هُو نتَاجٌ مُتدرّجٌ لسنيْنٍ منَ النّشَاط والحُضُور الفقْهيّ الذي اسْتطاعَت أنْ تُمثّله تلْك الأَصْوات التّقْليديّة، ونتَاجاً مُتدرّجاً أَيْضاً لسَنَواتٍ منَ التّنْظير الدّيْني المُتشدّد والمُتعصّب الذي مَلأ مَسَاحات وَاسعة في مُخْتلف أَرْجاء العَالَم الإسْلاميّ».
إنّ هَذه الخَلْفية التّاريخيّة الخَاصّة، جَعَلت الإسْلامَ يُؤكّد على وَاجب أَسْلمة العَالَم، ويُؤكّد حَتْمية النَصْر النّهائيّ للإسْلام في نهايَة العَالَم عبْر طَرْح فِكْرة الجهَاد المُسْتمرّ تَبْريراً لعَقْلية الغَزْو البَدويّ، وهَذا مَا يُرسّخ لَدى المُسْلمين عَقْليةً تُبرّر الفعْلَ الجهَاديّ مَهْما اكْتسبَ منْ عُنْف.
إنّ الأَرْضية الثّقَافية المُنْتجة للعُنْف مَازالَتْ رَاسخَةً في الفكْر العَربيّ الإسْلاميّ كَوْن النصّ المُقدّس خَالقاً مَعْرفياً للفَرْد المُسْلم في كلّ زَمَان، هَذا النصّ يَسْمح للعُنْف بإعَادَة تَجْديد نَفْسه وُفْق آَليّات التّكْرار والنّسْخ، إذْ يَسْتحيل إلْغَاء النصّ المُقدّس بالقّانون الدّنْيويّ، كَوْنه نصّاً سَمَاوياً فَوْق تَاريخيّ، وهَذا مَا يَجْعل جَميْع الحَرَكات الإسْلاميّة تُؤسّس عَلى المُسْتوى المَعْرفيّ للعُنْف، وحتّى عنْدَما تَقوم بالتّدثّر بلبَاس الدّعْوة السّلْمية، ذَلك أنّ المَنْظومة المَعْرفيّة للعُنْف المُقدّس تَحوْز عَلى فَعاليّة كَبيْرة في النّفْسيّة الفَرْدية للمُسْلم، فالسّيْرورة التّاريخيّة للدّيانة الإسْلاميّة، ودُخولِها في مَرْحلة صِراعٍ منْ أَجْل بَسْط سُلْطتها وسيَادَتها عَلى القَبَائل الحجَازيّة، ولاحِقاً -بَعْد وَفَاة النّبي مُحمّد ص- مَع تَوسّعها في الجَزيْرة العَربيّة والتّطورات المَوْضوعيّة التي سَمَحتْ بمُتَابعة هَذا التّوسّع خَارج الجَزيْرة العَربيَة، كلّ ذَلك فَرَض عَلى الحَرَكة الإسْلاميّة صيَاغَة أيديولوجيا قتَاليّة تُنَاسب الظّروفَ التّاريخيّة بشَكْل وَثّق ارْتباط العُنْف بالمُقدّس أَكْثر فأَكْثر بحَيْث بتْنا بَعْد التّصرفَات التي تَقُوم بهَا الجَمَاعات المُتشدّدة والتّكْفيريّة، منْ جَزّ للرّؤُوس وسَبْي للنّسَاء، وكَأنّنا نَعيشُ تلْك الفَتْرة الإسْلاميّة الأُولى.
لنَرَ المثَاليْن التَالييْن:
الأَوّل: عنْدَما خَاض المُسْلمون أُوْلى مَعَاركهم المَيْدانية مَع قُريْش في بَدْر، تُسجّل لَنَا روايةً عَن التّنْكيل بعَمْرو بن هشَام (أبو الحَكَم) المَعْروف إسْلاميّاً بأبي جَهْل، وهُو أحَد اثْنيْن (الثّانيّ هو عُمر بن الخطّاب ) تَمنّى النّبي مُحمّد منْ ربّه أنْ يَنْصر الإسْلامَ بهُما، لَقَد قُطِعت رجْلَه في المَعْركة على يَد مُقَاتل مُسْلمٍ فَجاءَه مُقَاتل آَخَر ووجّه إليْه ضَرْبة إضَافيّة، ولَمْ يَمُت الرّجل حتّى وَصَل إليْه عَبْد اللّه بن مَسْعود بَعْد انْتهاء المَعَارك وكانَ أبو الحَكَم بآَخر رمْق، يَقُول ابْن مَسْعود إنّه اجْتزّ رَأْسه، ثُمّ جَاء مُحمّداً، فَألْقى الرّأْس بيْن يَديْه.
لَقَد صَنَعت الذّاكرة الإسْلاميّة منْ هَذا الحَدث أُسْطورةً تَحْريضيةً عَلى العُنْف والقَتْل مُلاحظاً أنّ عَدَم تَعْليق النّبي مُحمّد -ص- على قَطْع رَأْس الجَريح يَعْني مُوافَقة ضمْنيةً. كَمَا أنّ الآَثار نَقَلت إليْنا أنّ جبْريل قَدْ تَبسّم.
تَنْجم خُطورَة هَذه المَسَالك منْ كَوْنها تَراجعاً عنْ القيَم التي كَانَت سَائدةً قَبْل الإسْلام، والتي منَ المَفْروض أنّ الإسْلام جَاء ليُكْملها، والأشدّ خَطَراً، أنَه عنْدَما جَاء النصّ المُقدّس (قُرْآناً وَحَديثاً) يُسوّغ هَذه الانْتهاكَات بثّاً للثّقة، ولإرَاحَة ضَميْر المُؤْمنيْن مثْلما تَروي كُتُب التّفَاسيْر منْ أنّ المُسْلمين سَبوا يَوْم «أوْطَاس» نسَاءً مُتزوّجات، وأنّهم كَرهوا الوُقُوع عَليْهنّ، فلمّا اسْتَفتوا مُحمّداً –ص- بشَأْنهنّ، جَاءَت الآيَة «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ « (النساء: 24). فَقَال أَحَد المُسْلمين: «فاسْتحْللنا بها فُروجهنّ»، (أسباب النزول للواحدي وكذلك للسيوطي). أيْ شَرْعنتْ اغْتصَابهنّ.
وممّا سَاعَد عَلى انْتشار هَذا الجانب العُنْفيّ المُتطرّف في عُصور الانْحطاط تَحوّل الفقْه أداةً إيديولوجيّة تَسْند الظّلْم والجُور والفُسوق، وغَدا فُقَهاء الظّلام شَريحةً منْ بِطانَة الحُكّام تُكفّر العَقْل والحِوار والمُنَاظرة، واسْتتْبَعت أَدْلجة الدّين في سيَاقَات تاريخيّة مُخْتلفة رعَاية نَمَط الحُكْم السّلْطويّ في العَصْر الوَسيط.
وقَدْ أَشَار البَاحثُ وائل حلّاق في دراسَة مُهمّة حَوْل جُذور العُنْف الدّينيّ في الإسْلام، إلى أنّ أَحَد الأَسْباب الرّئيسة للإرْهَاب الإسْلاميّ انْحسار دَوْر الفَقيْه التّقْليديّ، والمَنْظومة الفَقْهيّة الكلاسيكيّة التي كَانت تُوفّر العدّة التّأْويليّة للجَمَاعة، ممّا وَلّد حَالة اغْتراب حادّة عَمّقتْها المُحَاولاتُ التّجْديديّة المُأدْلجة العَقيْمة والضَعيْفة علْميّاً، لتُصْبح منَ الشّراييّن المُغذيّة للتّطرف الدّينيّ، بَدَلاً منْ أنْ تَكون منْ وَسَائل مُحَاربته.
فالطّابع الاعْتداليّ للدّين الإسْلاميّ، والذي لَطَالما اعْتزّ به المُسْلمون، يَقف اليَوْم على المَحكّ أمَامَ هَذا الكمّ الهَائل والمُريْع للعُنْف المُسْتند إلى المَوْروث السّابق بحَيْث تَبْدو السّاحة مَفْتوحة أمَام مُمثّلي الاتجَاه السّلَفيّ في المُضيّ قُدماً بمَشْروعهم التّكْفيريّ وما يَتْبع منْ نَتَائج خَطيْرة على الإسْلام المُحمّديّ كَكل، في ذَلك يَقُول الدّكْتور حُسيْن مروّة في مُقدّمة مُؤلّفه «النّزعَات المادّية في الفَلْسفة العَربيّة الإسْلاميّة» إنّ السّلفيّة حتّى بإصْرَارها عَلى الالْتزام برُؤْية الحَاضر منْ خلَال المَاضي، إنّما هي في الوَاقع وجَوْهر الأَمْر، تَنْطلق منْ إصْرارٍ مُعَاكس لَه،إنّ السّلفييْن يَنْطلقون حَقيقةً منَ المَوْقع الذي يَحْتلونه في هَرَم البُنْية الاجتماعيّة الحَاضرة، أوْ لسَببٍ آخَر يَتعلّق بتَكْونهم الفكْريّ وغيابِ الوَعْي السّياسيّ والطّبقيّ عَنْهم. نَقْصد بذَلك أنّ المَضْمون الحَقيقيّ لرُؤْيتهم السّلفيّة إلى التّراثِ هُو مَضْمونٌ تَرْتبط جُذوره بالحَاضر و تَنْغرس في تُرْبة الحَاضر.
إنّ العَقْل الذي يَقْبل في القَرْن الحَادي والعشْرين سُرورَ جبْريل بَسببٍ منَ التَنْكيل بعدوّ جَريح، والذي يَدْعو إلى تَفْعيل حُكْم المُرتدّ، لا لشَيْء إلاّ لأنّ ذَلك ارْتبط بالمُقدّس وجَرى اقْترافه على أَيْدي مَن يُنْتجون هَذا المُقدّس، لَهُو عَقْل يَسْتسيغ قُبول كلّ فعْل، بمَا فيْه قُبول إبادَة البشَر.
فالعَقْل الذي يَدّعي الوَسطيّة، إذْ يَقْبل قَتْل المُرْتدّ، هُو عَقْل يَقْبل في صيْغته الأَشْرس مَبْدأ إبادَة أُمَم لمُجرّد نَزْعة التّشفيّ الإلهيّ، وحَيْث وَصَلتْ دَرَجة التّماهي مَع الجبّار المُنْتقم الذي يَحْكم عَلى مُخالفيه بالإبادَة.
وللأَسَف، لَمْ يَتمكّن العَقْل العَربيّ الإسْلاميّ منْ تَمييْز أنّ العُنْف في مُجْتمعات تَمرّ بمَرَاحل تَطوّر كَبيْرة كَانَ أَمْراً مُنْسجماً معَ اللّحْظة الزّمنيّة المَكَانيّة التي عَاشَها نَبيّ الإسْلام و خُلَفاؤه، فَقَام فُقَهاء الإسْلام بالتّقْنين للعُنْف ومَنْحه القَدَاسة، ولهَذا فإنّ النّصُوص المُقدّسة التي لَديْنا تَمْتاز بأَنّها نُصوصٌ سوّغَت هَذه العَمليّة التّاريخيّة، وإذْ صَار لَها قيمَة الثّبَات، فإنّها أسّستْ لمنْهَج التّغييْر بالسّيْف، فَأعْلن القُرْآن أنّ المُسْلمين خَيْر أُمّة أُخْرجت للنّاس، لأنّهمْ يَأْمرون بالمَعْروف ويَنْهون عَن المُنْكر (آل عمران: 110)، وبهَذا الإعْلان تمّ مَنْحهم صفَة الأُمّة المُخْتارة، أُمّة اللّه.
بالمُجْمل يَتميّز خطَاب الحَرَكة الإسْلاميّة السّياسيّ العَامّ بالعُنْف، كَمَا انْعَكس هَذا السّلُوك أَيْضاً في أَشْكال التّعَامل اليَوْميّ، ومُحَاولة فَرْض لُغة السّيْف الذي عُرفَ اليَوْم اصْطلاحيّاً بالعُنْف المُسّلح، وحَاوَل مُنظّروا هَذا الاتجَاه العَنيْف دَاخلَ الحَرَكات الإسْلاميّة السّياسيّة، والسّلفيّة المُعَاصرة الْتمَاس الأَسَاس التّاريخيّ التّشْريعيّ الفقْهيّ المُسوّغ لاسْتخْدام العُنْف المُسلّح من خلالِ التّفْسيْر والتّأْويل القَسْري للنّصوص الدّينيّة.
في النّهاية، لا يُمْكن اعْتبار كلّ مَا ذُكر حَالة منْ أنْوَاع الهُجُوم والتّجنيّ عَلى الدّيْن الإسْلاميّ، بقَدْر مَا هُو عَمليّةٌ نَقْدية لجَانبٍ مُظْلم في النصّ الدّينيّ الإسْلاميّ، نَجدُ تَشظّياته في عَصْرنا الرّاهن، وهُو أَمْرٌ لا تَخْلو منْه الدّيانتيْن اليهُوديّة والمَسيحيّة، إذْ في الوَقْت الذي اسْتَطاع الأُوربيّون أنْ يَتَجاوزوا ذَاكَ المَوْروث في تَاريخهِم، والوُصولَ إلى حَالةِ مُصَالحةٍ معَ الذّات، بَقيتْ مُجْتمعاتِنا مَرْهونةً إلى يَوْمنا هَذا، ومَحْكومةً بتلْك الثّقَافة، هيَ مُحَاولة للعَوْدة إلى المُقدّمات لنَفْهم النّتَائج التي نُعَايشها حَاليّاً، وهُو جَانب لَطَالما تمّ التّهرّب منْه، وتمّ إقْصاءُ وتَكْفير منْ حَاوَل النّبْش فيْه، كنَصْر حَامد أبو زيْد، ومحمّد مَنْدور، والجابريّ، والطيْب تيْزيني، وغَيْرهم الكَثيْر.

 

حنطة225

برومو الشهيد ناجي الجرف