ملف

الضّرورة والرّهان في وعي المَسْألة السّورية ثقافيّاً

حسام ميرو

يَأْخذ الحَدْيث عن الثّقَافة في أَوْقات الأَزَمات طابعَاً يَرْتدي الصّيغ الإشْكاليّة التي يَطْرحها الوَاقع المَأْزوم، أوْ الوَاقع الذي خَرَجت فيْه الأَزَمات إلى السّطْح، وتَفجّرت بشَكْل يَسْتدعي المَفَاهيم لكَيْ تَفْعل فعْلها في تَشْريح الأزَمة أوْ الأَزَمات.
لكنْ، منْ حَيْث المَبْدأ، فإنْ الأَزَمات قَابلة للحَلّ، أوْ للتّعايش مَعَها، وإدَارَتها، لكنّ المَأْزق أَمْر مُخْتلف، فالمَأْزق هُو بُلوغ ذُرْوة مَا، لا يَعُود مَعَها التّعَايش مَع مُسبّبات الأَزَمة مُمْكناً. فَهَل تَطْرح الحَالة السّورية اليَوْم، وبَعْد كلّ ما شَهدَتْه منْ مُنْعطفات مُنْذ مُنْتصف آَذار 2011 ولغَاية اللّحْظة الرّاهنَة، أَزَمات لِكَي نَتَعايش مَعَها، أمْ تَضَعنا أَمَام مَأْزق كَبيْر؟ والمَأْزق السّوريّ- إنْ صحّت العبَارةُ، وجَازَت- هُو بلا شَكّ، نِتَاج جُمْلة من الأَزَمات، ومنْ ضِمْنها أَزَمة الهُويّة، والتي تُحيْل، منْ ضِمْن مَا تُحيْل إلَيْه، إلى مَأْزق الثّقَافة؟.
إنّ الثّقافة، وكَمَا يَعْرف المُشْتغلون في حُقولها، لا تُخْتصر في تَعْريفٍ وَاحدٍ شَاملٍ لجَميْع أَوْجهها، وهُو مَا يَجْعل منْ مَفْهوم الثّقَافة نَفْسه مَفْهوماً غَنيّاً، ومُتعدّداً في ذَاته، وهَذا الغِنى للمَفْهوم يُسَاعد عَلى مُقَاربة الكَثيْر من الإشْكَالات، ويُمْكّننا منَ اسْتخْدام جُمْلةٍ منَ المَعاييْر التي يُحيْل إلَيْها مَفْهوم الثّقَافة نَفْسه.
لكنْ، وكَيْ لا نَذْهب كَثيْراً في التّجْريد المَفْهوميّ للثّقَافة، فإنّ تَحْديد مَجَال الإشْكاليّة المَطْروحة بالوَاقع السَوريّ يُسَاهم في تَحْديد المَدْخل لنِقَاشٍ جَدّي حَوْل فِكْرة التّعدّد الثّقافيّ، وخَاصّة مَا طَرَحه هَذا الوَاقعُ منْ إشْكَالات لجِهَة «الهُويّات- الثّقَافات»، وجَعَلت شَرائحَ هَذا المُجْتمع، وفي غَيْر مُنَاسبة، تَذْهب نَحْو التّطرّف والمُغَالاة في تَقْديم رَأْي (حُكْم قيْمة) يَخصّ شَريحةً مُحدّدةً ، أيْ مُتعيّنة ثَقافيّاً منْ وُجْهة نَظَر بَقيّة الشّرائِح.
لكنْ، نَحْن في الوَاقع لا تَخْرج الأَزَمات هَكَذا دَفْعةً وَاحدَة منْ بَيْن أَظَافرنا، إلاّ إذا كُنّا قَدْ تَغَافلْنا عَنْها لفَتْرة طَويْلة، وربّما تَركْناها لتَتحوّل إلى مَأْزق يُهدّد بالكَثيْر منَ المَخَاطر، وبَدَلاً منَ أنْ تَكُون الأَزَمات في الكَثيْر من الأَحْيان فُرْصة مُهمّة للجَمَاعات والشّعُوب، فإنّها، وفي تَرْكها للسيْناريو العَفويّ، تَتَحوّل إلى مَأْزق.
دَعُونا نَقف عنْد مِثالٍ رَئيسٍ في الحَيَاة السّوريّة، وهُو مِثَال التّرْبية والتّعْليم، وهُما حَقْلان مُؤسّسان في المَسْألة الثّقافيّة العَامّة، فَقدْ كانَت الدّوْلة قَدْ احْتَكرت التّرْبية والتّعْليم، وهُو مَا يَجْعل الافْتراضَ الأَوّليّ يَقُول بأنّ هَذا الاحْتكَار يَجْعل منَ التّرْبية والتّعْليم خَارج إطَار الانْقسَامات والخِلَافات المُجْتمعيّة، ويُسْهم في بنَاء ثَقَافة لا تَكُون مُرْتهنة للقَديْم البَالي (أيْ مَنْطق مَا قَبْل الدّوْلة)، لكنْ مَا حَصَل فِعْلياً وعَايَشْناه، هُو أنّ احْتكار الدّوْلة لهَذيْن الحَقْلين لَمْ يَمْنع منْ ظُهور الانْقسَامات المُجْتمعيّة والثّقافيّة، فَأيْن إذاً يَكْمن الخَلَل؟.
لَيْس هُناك بالطّبْع إجَابةٌ وَافيةٌ وشَافيةٌ عنِ السّؤال السّابق، لكنْ يُمْكن الإشارةُ بقوّة إلى جَوْهر العَمليتَيْن التّرْبوية والتّعْليمية، وهُو جَوْهر بَقي عَلى ضفَاف الحَدَاثة، فَلا التّعْليم أسّس لمَنْطق السّؤَال والبَحْث، ولا التّرْبية تَمكّنتْ منْ تَجَاوز الفِكْر التّقْليديّ، بَلْ إنّ مَا حَصَل هُو الأَسْوأ، أيْ فَشَلُ المَنْظومة التّعْليميّة في مُواكَبة التّطورات المُذْهلة التي حَدَثت خِلال العُقُود الثّلاثة الأَخيْرة، وفَشَل المَنْظومة التّرْبوية منْ خَلْق مَنْظومة قيْميّة تَنْتصر لقِيَم الدّوْلة (وهُنا الدّوْلة بوَصْفها مُطْلقاً، ولا نَقْصد السّلْطة أوْ النّظَام).
لَقدْ عَرَفنا خِلَال السّنَوات الثّلاثَة المَاضيّة، ويَجبُ أنْ نَعْترف، الكَثيْر منَ الثّنائيّات، مثْلَ، نِظَام / مُعَارضة، ومَديْنة / ريْف، و»مُنزّهون» / لُصُوص، وسنّة /شيْعة، وأَكْثرية/ أَقليّة، وغَيْرها منَ الثَنائيّات التي كَشَفت مَدَى هَشَاشة المُجْتمع السّوريّ، وهيَ هَشَاشة تَفْضح مُشْكلةً ثَقافيّةً عَميْقةً، مثْلَما فَضَحت مُشْكلات أُخْرى لا تَقلّ أَهميّة.
إنّ ثُنائية نِظام/ مُعارضة كانَ يُمْكن أنْ تَكُون مُفيْدة لَوْ أنّها أُديرَت منْ خِلال مَنْطق الحَقْل الذي تَنْتمي إلَيْه، أيْ حَقْلُ السّياسَة، وكانَ يُمْكن لَها أنْ تُنْتج حُلولاً أقَلّ تَكْلفة ممّا دَفَعْناه، لكنْ حتّى هَذه الثّنائيّة السّياسيّة تَفرّعت إلى مَا دُون مَنْطق السّياسة، ومَا دُون مَنْطق الثّقافة السّياسيّة التي يُمْكن لَها أنْ تُعَالج الأَزَمات.
وَجَدنا أَنْفسنا أَمَام مُجْتمع منْ طَبَقات مُجْتمعية، ومنَ السُّهولة بمَكَان لأَفْراد وجَمَاعات هَذه الطّبَقات أنْ يَنْزلقوا إلى هُويّات قَاتلة ومُدمّرة للذّات والآَخَر على حَدّ سَوَاء، حتّى نَكَاد نَقُول ونَتَسَاءل، والحَال كَذلك، ما الذي يَجْمع على مُسْتوى الأَهْداف بَيْن هَذه الفئَة المُجْتمعيّة وتلْك، فإذا كانَ تَعْريف جَمَاعة ما لنَفْسها قَابلاً للاخْتصار والاخْتزال في بُعْد وَاحد، فَكَيْف لَها أنْ تَتَفاعل مَع الآَخر المُخْتلف؟.
في هَذا السّياق، فإنّ مَفْهوم التّعَايش المُشْترك يَفْترض بشَكْل منَ الأَشْكال عَدَم الرّغْبة في التّفَاعل مَع الآَخر، وإبْقَاء شَكْل منْ أَشْكال الخُصوصيّة التي تُشكّل حَدّاً يُعرّف الذّات ويُعرّف الآَخر في الوَقْت نَفْسه، وربّما كَان لَنا في المثَال اللّبْنانيّ صُورةً لمَا نَتحدّث عَنْه، فَقدْ أَنْتج اتفَاقُ الطّائف عَام 1989 صيْغَة للتّعايُش المُشْترك، لكنّها صيْغَة مُتوتّرة وقَابلةٌ للانْفجَار، وهُو مَا يَبْرز اليَوْم بحدّة في لُبْنان، والأَسْوأ أنّ هَذه الصّيْغة قَابلةٌ للاسْتثْمار سيَاسيّاً، بَلْ ربَما تمّ إيْجادُها منْ أَجْل الحِفَاظ عَلى مُكْتسبات مُمثّلي الطّوَائف-المُجْتمعات.
ستحتاج المسألة الثقافية منّا كسوريين نقاشاً متواصلاً، إذ يصعب تخيل انتهاء منطق العنف الذي يحتل كل منطق آخر من دون أن تكون المسألة الثقافية أحد المداخل المؤسسة لنهاية العنف، ويبدو من الطبيعي بمكان أنه يتوجب على السياسيين أن يقاربوا المشكلات الثقافية المطروحة إذا أرادوا فعلاً لا قولاً أن يسهموا في بناء جسور بين السوريين، والتبشير بولادة منطق يقوم على أساس الحوار لا على أساس الغلبة، فالأول يستند إلى مشروعية ثقافية وإنسانية ووطنية وحضارية، والثاني يستند، وكلما استدام، إلى علاقات القوة وما تفرضه من عبث، وما تؤسس له من قطيعة تهدم كل مشترك، حتى لو كان مشتركاً في الحد الأدنى، أي صيغة العيش المشترك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حُسَام ميْرو، إعْلاميّ سُوريّ، بَاحثٌ في مَرْكز الشّرْق للبُحوث في دُبي، مُؤسّس ورَئيسُ تَحْرير جَريدة «البَديْل»، باحثٌ مُشارك في إعْداد تَقارير التّنْمية الثّقافيّة العَربيّة، رَئيسُ تَحْرير مَوْسوعة المَسْرح العَربيّ.

 

حنطة226

برومو الشهيد ناجي الجرف